خَبَرَيْن logo

أطفال غزة بين الألم والذكريات المفقودة

في غزة، فقدت أم طفلين في الحرب، لتبقى مع ذكرى أحلامهم وآمالهم. تعكس قصتها مأساة الأطفال الذين يُعتبرون أرقاماً، وتُظهر كيف أن الخسارة أصبحت أمراً عادياً. هل سيتحرك العالم لحماية حقوق الأطفال؟ خَبَرَيْن.

طفل يرتدي قبعة التخرج وزيّاً أكاديمياً، يشير بفخر إلى كلمة "THE GRAD" مع تفاحة حمراء، معبراً عن فرحة التخرج والإنجاز.
ابن المؤلف يمان في ثوب تخرجه المدرسي. [بإذن من آية شمعه]
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قامت من تحت الأنقاض، محاطةً بالظلام والغبار والخرسانة المتهاوية، وبصراخ ابنها ناصر ذي السنوات الست وهو يبكي بهستيريا فوق الركام، يحاول الوصول إلى أصابعها المدفونة.

في تلك اللحظات، ظنتُ أنها تحتضر.

قالت: ما لم أكن أعلمه بعدُ هو أنّ جزءاً منّي كان قد مات فعلاً.

وقالت حين خرجتُ من تحت الأنقاض، اكتشفتُ أنّ طفلي ريان، ذا الواحد والخمسين يوماً، قد أُخرج من تحت الركام فاقداً للحياة، بعد أن أمضى أكثر من ساعة محاصراً تحت الأنقاض. كان طفلاً وُلد في خضمّ "هدنة مؤقتة" من الحرب؛ منحته الحياة لوهلةٍ إذناً برؤية هذا العالم، ثم انتزعته منه بعد ذلك بوقتٍ قصير.

كان جسده صغيراً لدرجة أنني لففتُه بقطعةٍ من ثيابي، خشيةَ أن يشعر بالبرد.

أُخبرتُ أنّ يمان، ابني ذا السبع سنوات، لم يُصَب إلا بجروحٍ طفيفة وأُخذ إلى المستشفى. غير أنّ الحقيقة كانت أنّ ابني الصغير فارق الحياة قبل أن يصل إليه. أعادوه إليّ فاقداً للحياة، بعد لحظاتٍ قليلة فحسب من وداعي لريان.

في ذلك اليوم الشتائي من يناير 2024، على أطراف مدينة غزة، تهاوى عالمي بأسره.

كنتُ، كأمّهاتٍ لا تُحصى في غزة، أخشى الجوع على أطفالي. كنتُ أخشى التهجير والرعب وانقطاع التعليم. لكنّني، رغم كلّ شيء، لم أجرؤ قطّ على التفكير في الموت.

لم تُتَح لريان فرصة النموّ والتمتّع بطفولته. حُرم من الجري واللعب والضحك مع إخوته.

أمّا يمان، فقد كشف لنا عن إمكاناتٍ مذهلة.

كنّا نناديه "الفيلسوف الصغير"، لما تميّز به من قدرةٍ على التحدّث بالعربية الفصحى بطلاقةٍ مدهشة، ولساعاتٍ طويلة كان يُمضيها في مشاهدة الوثائقيات عن الفضاء والحياة البرية والمحيطات والنباتات. كان يُحبّ الكتب حبّاً عميقاً، وحفظ قصص الأنبياء، والتحق بحلقة لتحفيظ القرآن الكريم قُبيل اندلاع الحرب. وحتى في خضمّ القصف والتهجير، كنّا نواصل تلاوة الآيات معاً.

صورة تظهر طفلين، أحدهما رضيع نائم في بطانية، والآخر طفل صغير يجلس بتعبير جاد، يعكسان معاناة الأطفال في غزة جراء الحرب.
Loading image...
قُتل أطفال المؤلف - رايان البالغ من العمر 51 يومًا ويامن الذي يبلغ من العمر سبع سنوات - على يد الجيش الإسرائيلي في يناير 2024 في مدينة غزة [بإذن من آية شمعه]

كان طفلاً شديد الحساسية؛ رفض أكل اللحوم لأنّه كان يُحبّ الحيوانات كثيراً، ولم يستطع أن يفهم لماذا تُؤذى وتُقتل.

بعد أن دُمِّر منزلنا جزئياً في بداية الحرب، أذكر كيف انتابني الحزن الشديد. جاء يمان ليُعزّيني بثقةٍ لا يملكها إلا الأطفال، وقال: "ماما، لا تحزني. بعد الحرب، سأبني لكِ بيتاً أكبر وأجمل."

في غزة، الإبادة ليست مجرّد قتلٍ جماعي للأطفال. إنّها محو للإمكانات الإنسانية، وتدمير للمستقبل المشرق. إنّها اختطاف العالِم الذي كان يمكن أن يكتشف علاجاً لمرضٍ فتّاك، والكاتب الذي كان يمكن أن يُبدع روايةً تنال جائزةً عالمية، والمهندس الذي كان يمكن أن يبتكر اختراعاً يُفيد البشرية، والابن الذي كان يمكن أن يبني لأمّه بيتاً كبيراً جميلاً.

ولعلّ ما هو أشدّ قسوةً من الموت ذاته هو كيف باتت الخسارة أمراً عادياً في غزة. فبالنسبة لبقية العالم، لم يكن ريان ويمان سوى رقمَين أُضيفا إلى إحصاء 21,000 شهيد طفل فلسطيني أُبيدوا. مجهولا الاسم والوجه في نظر العالم، لكنّهما كانا كلّ شيءٍ بالنسبة لنا.

أصبح ناصر، ابني الناجي، طفلاً وحيداً بعد أن فقد كلا أخوَيه. لا أزال أذكره وهو يشدّ كفن يمان الأبيض، يبكي ويرفض أن يأخذوا أخاه. منذ ذلك اليوم، لم يعد كما كان. يُمضي ساعاتٍ طويلة في التحديق بصمتٍ إلى صور يمان على الهاتف، كأنّه يحاول أن يفهم كيف يمكن لطفلٍ أن يختفي بهذه المفاجأة.

هذه الحرب لا تترك جثثاً تحت الأنقاض فحسب. إنّها تترك ناجين مدفونين تحت أنقاضٍ نفسية تسحق أرواحهم يوماً بعد يوم.

اليوم هو اليوم العالمي للطفل، اليوم المخصّص لحقوق الأطفال ورفاهيتهم. بالنسبة لي، هو يومٌ للتأمّل في كيف أخفق العالم في حماية أطفالي.

هذا عالمٌ يحتفل بثلاثة أيامٍ أخرى للأطفال: اليوم العالمي للطفل، واليوم الدولي للطفل الذكر، واليوم الدولي للطفلة. لديه اتفاقية حقوق الطفل. لديه قوانين وطنية ودولية لحماية الأطفال. لديه وكالة أممية متخصّصة للأطفال هي UNICEF. ولديه منظّماتٌ لا تُحصى مكرّسة لحماية الأطفال وإطعامهم وتعليمهم وتوفير الرعاية الصحية لهم وغير ذلك.

فلماذا كلّ هذه الأيام والمنظّمات والقوانين، إن كانت عاجزةً عن وقف مجازر الأطفال؟

اُنتزع منّي ريان ويمان في يناير 2024. ومنذ ذلك الحين، اضطرّت آلاف الأمّهات الفلسطينيات إلى دفن أطفالهنّ. ثمّة "هدنة" الآن، والأطفال لا يزالون يرتقون بصورةٍ شبه يومية في غزة.

لماذا باتت صور الأطفال ملفوفين في الأكفان البيضاء أمراً مألوفاً بهذه السهولة؟ لماذا شهد العالم هذا الحجم من المجازر ولم ينهار أخلاقياً تحت ثقلها؟

ربّما لأنّ العالم اعتاد على رؤية الأطفال الفلسطينيين بوصفهم أرقاماً لا بشراً. ربّما لأنّ عقوداً من التجريد من الإنسانية أثمرت أخيراً.

لكنّ وراء كلّ رقمٍ محبّةً أمٍّ لا تنتهي.

وراء كلّ رقمٍ أمٌّ لا تزال تتذكّر صوت طفلها، والأطعمة التي رفض أكلها، والأحلام التي تحدّث عنها، والتفاصيل الصغيرة التي لم تمنحه الحياة وقتاً كافياً لتذوّقها.

هناك أنا: الأمّ التي لا تزال تتذكّر بكاء طفلها ريان الناعم، والصوت الهادئ ليمان ذي السبع سنوات.

ريان ويمان ليسا رقمَين. هما طفلاي اللذان أخفق العالم في حمايتهما.

أخبار ذات صلة

Loading...
جنود إسبان على مدرعات عسكرية وسيارات شرطة في سبتة وسط إجراءات أمنية مشددة بعد موجة اقتحام الحدود من المغرب.

إسبانيا تقول إن معظم الـ50000 مهاجر الذين عبروا إلى أراضيها من المغرب قد عادوا إلى بلادهم

شهدت سبتة موجة اقتحام غير مسبوقة من 50,000 مهاجر من المغرب، ما أسفر عن 57 وفاة وأزمة إنسانية وأمنية كبيرة. اكتشف تفاصيل الأزمة وتأثيرها على أوروبا الآن.
أزمات إنسانية
Loading...
مهاجرون يحاولون عبور الحدود البحرية بين المغرب وسبتة وسط حشود كبيرة، في ظل أزمة الهجرة غير النظامية وتوترات أمنية.

إسبانيا: رئيس الحكومة يزور سبتة بعد غرق 57 مهاجراً قبالة السواحل المغربية

مأساة إنسانية تتكرر على شواطئ طارفة مع وفاة 57 مهاجراً ومحاولات عبور غير مسبوقة نحو سبتة الإسبانية. تعرف على تفاصيل الأزمة وتداعياتها في قلب الحدود الأوروبية-الأفريقية. تابع المزيد الآن!
أزمات إنسانية
Loading...
شاب يساعد فتاة تحمل عوامة سباحة أثناء عبورهما البحر نحو سبتة في موجة الهجرة غير النظامية من المغرب.

إسبانيا تنشر قوّاتها العسكرية في سبتة بعد موجة هجرة: ما نعرفه

شهدت سبتة تدفقاً هائلاً للمهاجرين عبر البحر والبر رغم التعزيزات الأمنية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى وتصاعد التوترات الأوروبية. تعرف على تفاصيل الأزمة وتأثيرها على الحدود الأوروبية. اقرأ المزيد الآن!
أزمات إنسانية
Loading...
يدان متشابكتان تمسكان بزجاجة دواء، تعكس أهمية مقدمي الرعاية الهايتيين في رعاية المسنين وتأثير إلغاء حماية TPS على حياتهم.

عائلة نيويوركية تترقب فقداناً وشيكاً مع اقتراب الموعد النهائي لبرنامج الحماية المؤقتة للهايتيين

قرار المحكمة العليا بإلغاء الحماية المؤقتة للهايتيين يهدد آلاف العاملين في رعاية المسنين بفقدان تصاريح العمل. تعرف على تداعيات القرار وكيف يؤثر على الأسر الأمريكية. تابع التفاصيل المهمة الآن!
أزمات إنسانية
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية