وول ستريت تزدهر بأرباح قياسية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي
قطاع الأوراق المالية في نيويورك يحقق أرباحاً قياسية مدفوعة بنمو استثمارات الذكاء الاصطناعي وزيادة التداولات رغم تحديات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة اكتشف تفاصيل هذا الازدهار والمخاطر القادمة على خَبَرَيْن

تحقّق قطاع الأوراق المالية في نيويورك أرباحاً بلغت 45.9 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، في وقتٍ يشعر فيه كثيرٌ من الأمريكيين بأنّ تكاليف معيشتهم تزداد ثقلاً مع ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار تضخّم الغذاء. هذه المفارقة ازدهار غير مسبوق في وول ستريت مقابل مزاجٍ استهلاكي عند أدنى مستوياته التاريخية هي جوهر التقرير الذي أصدره مكتب مراقب ولاية نيويورك، توماس ب. ديناپولي، ويضع يده على أحد أكثر التحوّلات إثارةً للجدل في الاقتصاد الأمريكي هذا العام: اندفاعة الذكاء الاصطناعي.
كيف تضاعفت الأرباح بهذه السرعة؟
ارتفعت أرباح النصف الأول بنسبة 51% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهو معدّل نموٍّ إذا استمرّ على وتيرته الحالية حتى نهاية العام قد يدفع الأرباح السنوية إلى ما يتجاوز 90 مليار دولار. رقمٌ كهذا لن يكون مجرّد إنجازٍ عابر، بل سيتخطّى الرقم القياسي السابق، بما في ذلك الرقم القياسي لعام 2009 بعد تعديله تبعاً للتضخّم. واللافت أنّ هذا الأداء جاء متجاوزاً توقّعات مكتب مراقب مدينة نيويورك نفسه، الذي كان قد قدّر في مايو أرباحاً سنوية لا تتعدّى 45.3 مليار دولار وهو رقمٌ تجاوزته أرباح الأشهر الستة الأولى فقط.
يعود هذا الزخم إلى ثلاثة محرّكات رئيسية: الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وتداولاتٌ نشطة في أسواقٍ شديدة التقلّب شملت الأسهم والسندات والعملات، وموجة صفقاتٍ استفادت من بيئةٍ تنظيمية أكثر تحرّراً في ظلّ إدارة ترامب. وكما يقول ديناپولي: «لا يزال الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي يقود السوق».
فقاعة الذكاء الاصطناعي أم محرّك نموٍّ حقيقي؟
الأرقام هنا مذهلة بالفعل: بلغ الإنفاق الاستثماري الموجّه لشركات الذكاء الاصطناعي عبر صناديق رأس المال الجريء 407 مليارات دولار في النصف الأول من 2026 فقط، أي أكثر من 50% من إجمالي ما أُنفق خلال عام 2025 كاملاً والبالغ 264 مليار دولار. هذا التدفّق الاستثماري غذّى بدوره نموّ النمو الاقتصادي الأمريكي عموماً، وانعكس مباشرةً على نشاط البنوك الاستثمارية.
ارتفعت إيرادات الاكتتاب، بما فيها الطروحات العامة الأولية، بنسبة 68% على أساسٍ سنوي خلال النصف الأول من العام. وتترقّب وول ستريت حدثاً قد يكون الأبرز في هذا الملف: طرح شركة Anthropic للاكتتاب العام المتوقّع خلال 2026، بتقييمٍ قد يصل إلى تريليوني دولار وهو ما سيولّد عمولات اكتتابٍ وتداولٍ ضخمة للبنوك المشاركة فيه.
رواتب تتجاوز نصف مليون دولار
انعكس هذا الازدهار مباشرةً على جيوب العاملين في القطاع. ارتفع متوسّط الراتب السنوي في صناعة الأوراق المالية بنيويورك، شاملاً المكافآت، بنسبة 11.1% ليصل إلى 561,770 دولاراً في 2025. أمّا صندوق المكافآت فقد بلغ 49.2 مليار دولار العام الماضي، بمتوسّط مكافأةٍ قدره 246,900 دولار لكلّ موظّف، بزيادة 6% عن العام الذي سبقه.
وتستفيد الخزينة العامة من هذا الازدهار أيضاً: ارتفعت المساهمات الضريبية المرتبطة بقطاع الأوراق المالية في مدينة نيويورك بنسبة 15.8% خلال السنة المالية 2026 مقارنةً بالعام السابق. ويصف ديناپولي هذا الترابط بقوله: «تماشياً مع الأرباح القياسية للقطاع، تواصل حصيلة الضرائب المرتبطة بالأوراق المالية بلوغ مستويات جديدة».
ما الذي قد يوقف هذا الزخم؟
رغم هذا المشهد المبهر، يحذّر التقرير من أنّ الصورة ليست خاليةً من المخاطر. بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 5.35% يوم الاثنين، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2002 وهذا العائد تحديداً هو من يضبط أسعار الفائدة في أرجاء الاقتصاد الأمريكي بأكمله. ارتفاع العوائد يعني كلفة اقتراضٍ أعلى على قروض الرهن العقاري والسيارات، وقد يثقل كاهل النشاط الاقتصادي العام وأسواق الأسهم والاكتتابات العامة وصفقات الاندماج والاستحواذ.
يصف ديناپولي هذا التطوّر بقوله: «ارتفاع عوائد السندات الصادرة عن الولايات المتحدة وحكومات أخرى في الأسابيع الأخيرة مؤشرٌ مقلقٌ آخر للمستثمرين»، محذّراً من أنّ هذا الارتفاع «قد يُضعف الربحية» إذا تباطأت وتيرة الصفقات أو تصاعدت التزامات الفائدة على الشركات بشكلٍ كبير. ويشير التقرير أيضاً إلى أنّ تقلّب سوق السندات قد تزايد في الأسابيع الأخيرة، في وقتٍ تتزايد فيه مخاوف تعرّض وول ستريت لتراجعٍ محتمل في قطاع الذكاء الاصطناعي أو خفوت الحماس المحيط به.
تحذيرٌ يتجاوز وول ستريت
يختصر ديناپولي، مؤلّف التقرير، المشهد بقوله: «رغم التوترات الجغرافية السياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي، أظهر القطاع مرونةً لافتة»، لكنّه سرعان ما يضيف تحذيراً أكثر إلحاحاً: «بينما يواصل القطاع تحقيق أرباحٍ قوية، تتنامى المخاوف بشأن الصراعات الجغرافية السياسية المستمرة والتضخّم وأسعار الفائدة، والمساهمات المفرطة لقطاع الذكاء الاصطناعي المتنامي، والتوجّه نحو تخفيف القيود التنظيمية من قبل الإدارة الحالية».
وتبقى الخلاصة الأهمّ في تقرير مراقب الولاية هي التحذير الأخير، الذي يتجاوز حدود وول ستريت إلى الاقتصاد الأوسع: فبحسب ديناپولي، «احتمال تراجع القطاع يمثّل خطراً متزايداً على المالية العامة والاقتصاد الإقليمي الأوسع». بعبارةٍ أخرى، كلّما ازداد اعتماد خزينة المدينة والولاية على أرباح هذا القطاع المرتبطة أساساً بموجة الذكاء الاصطناعي، كلّما ازدادت هشاشة الاقتصاد المحلّي أمام أيّ تصحيحٍ مفاجئ في تقييمات هذا القطاع الصاعد.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

ظاهرة النينيو ترفع أسعار الغذاء العالمية
