أزمة المزارع الأمريكية بين ارتفاع التكاليف وانهيار الأرباح
خَبَرَيْن يكشف تزايد إفلاس المزارع الأمريكية بسبب ارتفاع تكاليف الديزل والأسمدة وتأثير الحروب التجارية مما يهدد مستقبل المزارع العائلية ويزيد الضغوط على المزارعين الذين يكافحون للبقاء في وجه أزمة مالية متصاعدة.

ارتفعت حالات إفلاس المزارع الأمريكية بنسبة 20% خلال الأثني عشر شهراً المنتهية في يونيو الماضي، وفق ما يرصده تحوّل ملحوظ في الأداء المالي لقطاعٍ ظلّ لعقودٍ عموداً فقرياً للاقتصاد الريفي في الولايات المتحدة. الرقم بحدّ ذاته يبدو مثيراً للقلق، لكن المحامي توم أجامي، الناشط في القطاع الزراعي، يرى أنّ الأسوأ لم يأتِ بعد: «نعم، الزيادة الآن 20%، لكن ماذا سيحدث خلال الأشهر الأربعة أو الخمسة المقبلة؟ كثيرٌ من المزارعين بالكاد يتشبّثون بالبقاء الآن. سترون هذا الرقم يرتفع، وأنا أضمن ذلك».
الأزمة، كما يصفها من يعيشونها يومياً، ليست ناتجة عن موسم زراعي سيّئ بقدر ما هي محصّلة تراكمية لتكاليف ديزل مرتفعة، وأسمدة تضاعفت أسعارها، وفوائد اقتراض متصاعدة، وحروب تجارية أغلقت أسواقاً كانت مفتوحة. النتيجة: مزارع عائلية تُدار منذ أجيال باتت اليوم على المحك.
الديزل يلتهم الهامش الزراعي
في ولاية إلينوي، على الحدود مباشرة مع إنديانا، يدير جون ييلي مزرعته التي تملّكتها عائلته منذ عام 1852، وهو الجيل السابع الذي يتولّى زمامها بعد 26 عاماً من العمل فيها. هذا الموسم، لا يستطيع ييلي الجزم بأنّ محصولي الذرة وفول الصويا سيحقّقان أيّ ربح.
المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة له اليوم هي وقود الديزل الذي يشغّل الجرّارات والحصّادات. بلغ متوسط سعر الديزل على مستوى الولايات المتحدة نحو 6.53 دولاراً، وهو أعلى مستوى له في التاريخ الحديث، بينما سجّل متوسط سعره في إلينوي 6.82 دولاراً حتى يوم الجمعة الماضي. كان ييلي يشتري عادةً 8,500 غالون من الديزل مرّتين في السنة، لكنّه هذا العام اضطرّ إلى تغيير نمط الشراء بالكامل: «هذه أوّل سنة في حياتي البالغة لا نشتري فيها حمولة نقل كاملة، لا في الربيع ولا في الخريف، بسبب تكلفة الوقود. صرنا نشتريها على دفعات... ألف أو 1,500 غالون في كلّ مرّة، على أمل أن نرى انخفاضاً في السعر». ثم يضيف بأسى: «للأسف، ذلك لا يحدث».
الضغط لم يقتصر على مزرعته وحدها. يقول ييلي: «مقاطعتنا ليست كبيرة، لكن ثلاثة مزارعين فيها أفلسوا هذا العام»، ويصف حالة الإرهاق النفسي المتفشّية بين زملائه: «أعرف أنّ هذا يشغل بال الجميع، هل يستحقّ الأمر فعلاً الاستمرار؟ مستوى التوتّر مرتفع جدّاً». وحين يُسأل عمّا إذا كان يتمنّى لولديه، البالغين 16 و12 عاماً، أن يسيرا على خطاه في المزرعة، يجيب بصراحة: «في الوضع الحالي، لا، لن أتمنّى ذلك لهما».
الأسمدة والحروب التجارية: أزمة مستوردة
جزءٌ كبير من الضغط الذي يعانيه المزارعون الأمريكيون مصدره أحداث تجري على بُعد آلاف الأميال. الحرب الروسية على أوكرانيا أخلّت بسلاسل توريد المواد الخام الداخلة في صناعة الأسمدة، بينما تسبّبت الحرب في الشرق الأوسط هذا العام في تعطيل صادرات الأسمدة أيضاً. النتيجة أن أسعار الأسمدة ارتفعت بنسبة وصلت إلى 50% خلال العام الماضي وحده.
في شمال كاليفورنيا، حيث يزرع سامي توكي عشرة أفدنة بالطماطم والذرة والشمّام والفلفل والكوسا والخسّ والفلفل الحارّ، يبيع نصفها لتعاونية غذائية والنصف الآخر في ثلاثة أسواق مزارعين أسبوعياً. تكاليفه من الديزل وصناديق الكرتون والأسمدة ارتفعت جميعها بنسب مضاعفة الرقم خلال العام الماضي. يلخّص توكي مأزق جيله من صغار المزارعين بجملة واحدة: «القدرة على تكوين أسرة وإدارة مزرعة في آنٍ واحد تبدو شبه مستحيلة».
وإلى جانب الأسمدة والوقود، أضافت الحروب التجارية، وتحديداً مع الصين، طبقة أخرى من الضرر، إذ تقلّصت فرص وصول فول الصويا الأمريكي إلى واحدة من أكبر أسواقه التصديرية، ما يهدّد المزارعين بخسارة حصص سوقية طويلة الأمد لا يسهل استعادتها حتى لو تحسّنت الظروف لاحقاً. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الفائدة الذي رفع كلفة القروض قصيرة الأجل التي يعتمد عليها المزارعون تقليدياً لتمويل الفترة الممتدّة بين الزراعة والحصاد.
عائلات تقاوم من أجل البقاء في الأرض
القصص الفردية تختصر حجم الأزمة أكثر من أيّ إحصاء. جورج كيبي، الذي تقاعد في يوليو بعد 40 عاماً في الزراعة، بِيعت الأرض التي كان يستأجرها في مقاطعة أورانج بكاليفورنيا لصالح مشاريع سكنية، فانتقل مع زوجته شمالاً هذا الصيف لمساعدة توكي في مزرعته. يختصر كيبي تجربته الطويلة بمرارة: «نحن صغار المزارعين لا نملك فرصة تُذكر»، ويضيف: «تعمل بجهدٍ كبير من دون أن تجني مالاً».
من ولاية آيوا، يروي آرون ليمان، رئيس اتحاد مزارعي آيوا والمزارع من الجيل الخامس الذي يزرع الذرة وفول الصويا والشوفان والتبن، الصورة نفسها: «مزرعتنا والغالبية العظمى من المزارع التي أعرفها تتوقّع خسارة المال هذا العام، والغالبية العظمى خسرت المال العام الماضي أيضاً». والأخطر من الخسارة العابرة، بحسب ليمان، هو تكرارها: «الزراعة تشهد صعوداً وهبوطاً بطبيعتها، لكن حين يتكرّر الأمر سنةً بعد سنة، تفقد في النهاية تصنيفك كجهة ائتمانية جيدة، ولا يعود بإمكانك اقتراض المال لمواصلة الزراعة».
ويميّز ليمان بين نوعين من المخاطر: تلك التي اعتاد عليها المزارعون، وتلك المفروضة عليهم من خارج حقولهم: «المزارعون معتادون على التعامل مع عدم القابلية للتنبّؤ في الطقس، وحالة التربة، والماشية»، لكنّه يضيف بامتعاض واضح: «القرارات السياسية التي وضعت المزارعين في الصفّ الأمامي للضرر الاقتصادي، هذا ما يثير الإحباط الشديد».
بين الكونغرس والمزرعة: سباق مع الوقت
على الصعيد التشريعي، تتحرّك بعض الجهات لمعالجة الأزمة، وإن ببطء. السيناتور تشارلز غراسلي ضغط من أجل حظر صادرات الديزل الأمريكي، في محاولة لكبح الأسعار المحلية. أما الاتحاد الأمريكي لمكاتب المزارع فيسعى إلى تمرير مشروع قانون زراعي جديد أقرّه مجلس النواب بالفعل، ينصّ على رفع سقوف القروض الزراعية الفيدرالية التي ظلّت من دون تغيير منذ عام 2018.
جون نيوتن، نائب رئيس الاتحاد لشؤون السياسات العامة والتحليل الاقتصادي، يعوّل على المرحلة التشريعية التي تعقب الانتخابات النصفية وتسبق انعقاد الكونغرس الجديد: «حين تدخل جلسة الكونغرس المنتهية ولايته، أعتقد أنّنا قادرون على إيجاد مسار ثنائي الحزبية للمضيّ قدماً في كثيرٍ من الملفّات». غير أنّ التوقيت يظلّ العائق الأكبر: حتى لو تراجعت أسعار الديزل لاحقاً، فإنّ ذلك لن يفيد المزارعين الذين يحصدون محاصيلهم الآن، إذ تُنفق التكاليف الأعلى فعلياً قبل أن يصل أيّ إغاثة تشريعية إلى حقولهم.
في المقابل، يخطّط سامي توكي للزراعة من جديد في الربيع المقبل، ويستعدّ في الوقت ذاته لحفل زفافه المقرّر أواخر أكتوبر تذكيرٌ بأنّ الحياة في الأرض تستمرّ رغم كلّ الضغوط. لكن السؤال الذي يتردّد بين المزارعين أنفسهم يبقى أكثر إلحاحاً من أيّ رقم في تقرير مالي: هل سيصمد ما تبقّى من المزارع العائلية حتى يصل أيّ إصلاح تشريعي فعلي، أم أنّ موجة الإفلاسات التي حذّر منها أجامي ستكون قد حسمت مصير كثيرٍ منها قبل ذلك؟
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
