تصعيد العقوبات الأمريكية يضيق الخناق على إيران
خَبَرَيْن يكشف تفاصيل حزمة العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران التي تستهدف النفط والذهب والتكنولوجيا والشحن البحري بهدف تصعيد الضغط الاقتصادي وإجبار الشركاء التجاريين على قطع علاقاتهم مع طهران وتعزيز الحصار البحري.

حين أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump عن حزمة عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، وصفتها بأنّها "يوم النورماندي الاقتصادي"، كانت الحرب الأمريكية على إيران تقترب من إتمام ستة أشهر. الرسالة واضحة في مضمونها: واشنطن تريد تصعيد الضغط الاقتصادي إلى مستوياتٍ غير مسبوقة.
أعلن وزير الخزانة الأمريكي Scott Bessent عن هذه العقوبات يوم الاثنين، مقرونةً بإعلان حصارٍ بحري على الموانئ الإيرانية. وقال Bessent إنّ العقوبات تستهدف المصادر الرئيسية لعائدات إيران، في مقدّمتها قطاعا النفط والغاز، مطالباً دول العالم بقطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران.
ما طبيعة هذه العقوبات؟
أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أنّ العقوبات الجديدة تطال قطاعات الطيران والأصول الرقمية والذهب والتكنولوجيا والشحن البحري، فضلاً عن فرض قيودٍ على 60 شخصاً وسفينةً بعينها.
وفي هذا السياق، قال المحلّل الجيوسياسي المقيم في طهران بيمان صالحي: "النقطة الجوهرية هي أنّ إيران تبدو اليوم أضيق هامشاً بكثيرٍ مقارنةً بالسنوات الماضية في التحايل على العقوبات".
وأشار Bessent كذلك إلى أنّ العقوبات الجديدة تُعرّض شركاء طهران التجاريين لعقوباتٍ ثانوية. وبحسب بيان وزارة الخزانة الصادر يوم الاثنين، تشمل الأهداف سفناً مرتبطة بدول من بينها Singapore والصين وHong Kong.
وعلّقت Rachel Ziemba، الزميلة الأولى المنتسبة إلى مركز أبحاث Center for a New American Security، على هذه الإجراءات بقولها: "العقوبات المُعلنة اليوم تدريجيةٌ في معظمها، لكنّها تندرج ضمن مساعي ترهيب الشركاء التجاريين المتبقّين لدفعهم إلى قطع علاقاتهم مع إيران". وأضافت: "ثمّة قدرٌ كبير من الإشارات والتهويل يستهدف حثّ الدول الأخرى على الضغط على الكيانات المنخرطة في التجارة الرمادية، غير أنّ الإجراءات الجديدة تبقى تدريجيةً في الوقت الراهن". والتجارة الرمادية مصطلحٌ يُشير إلى التجارة غير المشروعة والسرّية، وكذلك التجارة غير المُقنَّنة التي يصعب تتبّعها.
وأوضحت وزارة الخزانة أنّ إيران لجأت إلى العملات المشفّرة للتحايل على العقوبات المفروضة عليها منذ أمد بعيد، وتسهيل المعاملات المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي (IRGC) وأعضاء النظام الإيراني. كما أشارت إلى أنّ طهران استخدمت الذهب لدعم قيمة عملتها في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية.
وتستهدف العقوبات البحرية الجديدة الأسطول التجاري الإيراني المرتبط بالدولة، الذي تقول وزارة الخزانة أنّه يُستخدم لنقل النفط و"مكوّنات أسلحةٍ حسّاسة". أمّا عقوبات التكنولوجيا فتهدف إلى تقييد حصول إيران على مواد يمكن توظيفها في برامجها التسليحية. وتستهدف عقوبات الطيران شركاتٍ إيرانية تتّهمها وزارة الخزانة باستخدام طائراتها لنقل الأسلحة والعسكريين، إضافةً إلى تحويل الموارد المالية إلى وكلاء إيران في المنطقة.
وعلى صعيدٍ آخر، علّقت واشنطن إلى أجلٍ غير مسمّى جملةً من الاستثناءات الواسعة على عقوباتها المستمرّة ضدّ إيران، شملت التبادلات الأكاديمية وتحويلات الأموال الشخصية وبعض الأنشطة الرياضية. ومُنحت المنظّمات المنخرطة حالياً في هذه الأنشطة مهلةً حتى 8 سبتمبر للإنهاء التدريجي لعملياتها.
وترى Ziemba أنّ هذه الإجراءات "ستُلقي بظلالها على الإيرانيين عموماً، لا على النظام وحده".
ما العقوبات المفروضة أصلاً؟
تعود العقوبات الأمريكية على إيران إلى عام 1979، حين احتجز طلابٌ إيرانيون رهائن في السفارة الأمريكية بطهران، وتصاعدت وتيرتها على مدى 45 عاماً. وقد شهدت توقّفاً مؤقّتاً إثر توقيع إدارة الرئيس Barack Obama والقوى الكبرى الاتفاق النووي مع طهران عام 2015، قبل أن تنسحب منه إدارة Trump خلال ولايتها الأولى عام 2018، مستعيدةً العقوبات القديمة ومضيفةً إليها عقوباتٍ جديدة.
وفرضت واشنطن عقوباتٍ إضافية خلال الولاية الثانية لـ Trump، كثيرٌ منها سبق الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت إيران في 28 فبراير.
ففي فبراير 2025، فرضت وزارة الخزانة عقوباتٍ على 30 شخصاً وسفينةً متورّطين في "الوساطة لبيع ونقل المنتجات النفطية الإيرانية"، وفق ما جاء في بيان الوزارة. وتوزّعت هذه الأهداف على دولٍ عدّة، من بينها الهند والصين.
وفي ديسمبر 2025، فرضت واشنطن عقوباتٍ على 29 سفينةً اتّهمتها بالانتماء إلى ما يُعرف بـ"الأسطول الخفي" المخصّص لنقل النفط الإيراني. كما طالت العقوبات رجل الأعمال المصري حاتم السيد فريد إبراهيم صقر بسبب ارتباط أعماله بسبعٍ من تلك السفن التسع والعشرين، في إطار استمرار حملة العقوبات المفروضة منذ 1979 على قطاع النفط الإيراني.
وفي أبريل 2026، صعّدت وزارة الخزانة من وتيرة العقوبات مجدّداً، إذ استهدفت نحو أربعةً وعشرين شخصاً وشركةً وسفينةً تعمل ضمن شبكة تهريب النفط الإيراني التي يديرها محمد حسين شمخاني، نجل المسؤول الأمني الإيراني الرفيع الراحل علي شمخاني.
وفي الشهر ذاته، استهدفت وزارة الخزانة ما وصفته بـ"العملات المشفّرة المرتبطة بالنظام"، وأعلنت مصادرة ما يقارب نصف مليار دولار من "شبكات المصارف الخفية".
كيف أثّرت العقوبات على المستهلك الأمريكي؟
أسهم الضغط على سوق النفط الإيراني، سواءٌ عبر العقوبات القائمة أو من خلال الحرب الجارية، في تضييق المعروض النفطي العالمي، وانعكس ذلك على الدول المستوردة للنفط الإيراني.
فالصين، على سبيل المثال، هي الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني، إذ تستوعب نحو 90 بالمئة من صادراته النفطية الخام، وقد بلغت وارداتها 1.4 مليون برميل يومياً خلال عام 2025.
في الوقت ذاته، تعتمد الأسواق الآسيوية، بما فيها الصين، اعتماداً كبيراً على النفط العابر عبر مضيق هرمز ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة، الذي كان يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل أن تُغلق إيران هذا الممرّ.
وقد أفضى ذلك إلى ضغطٍ على الإمدادات النفطية العالمية، ما دفع أسعار النفط القياسية إلى الارتفاع، وانعكس بدوره على أسعار الوقود والمواد الغذائية.
وقد تجلّى هذا الأثر بوضوحٍ للمستهلك الأمريكي عند محطّات الوقود؛ إذ بلغ متوسّط سعر الغالون الواحد من البنزين (3.78 لترات) 4.09 دولارات، مقارنةً بـ 2.98 دولار في 28 فبراير حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما الأولى على إيران، وفق ما رصدته جمعية السيارات الأمريكية (AAA) التي تتابع أسعار الوقود يومياً.
ويحذّر الخبراء من أنّ أيّ تصعيدٍ في الردّ الإيراني قد يُلقي بأعباءٍ ثقيلة على الأمريكيين. وقال John Deal، المدير التنفيذي لأسواق رأس المال في بنك الاستثمار Post Oak Group: "إذا استفزّت العقوبات إيران فردّت على الشحن الخليجي، أو تراجعت صادرات النفط بصورةٍ ملموسة، أو أحجمت شركات التأمين والشحن عن المنطقة، فإنّ الأمريكيين سيشعرون بالوقع سريعاً من خلال أسعار البنزين والديزل وتذاكر الطيران وتكاليف الشحن، وصولاً إلى التضخّم في نهاية المطاف".
وتتصاعد أهمّية ملفَّي الاقتصاد وإيران مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في ظلّ استياءٍ شعبي واضح على الجبهتَين. وقد يُشكّل ذلك ضغطاً على المرشّحين الجمهوريين في الدوائر التنافسية، بما فيها ولاياتٌ تُعدّ تقليدياً معقلاً جمهورياً كـ Texas.
وأشار استطلاعٌ أجرته Reuters/Ipsos في أواخر يوليو إلى أنّ نحو ثلث الأمريكيين فقط يؤيّدون الحرب، فيما أبدى 28 بالمئة فقط من المستطلَعين رضاهم عن أداء Trump في الملفّ الإيراني.
وعلى صعيد الاقتصاد، أظهر استطلاع AP/NORC أنّ 32 بالمئة من الأمريكيين يوافقون على أداء Trump الاقتصادي. في المقابل، كشف استطلاعٌ حديث لـ Reuters/Ipsos أنّ الديمقراطيين يتقدّمون بفارقٍ ضيّق على الجمهوريين في ثقة الناخبين بشأن إدارة الاقتصاد، وهو أوّل تقدّم ديمقراطي من هذا النوع منذ نحو عقد.
كيف أثّرت العقوبات على الأسواق المالية؟
ألقى الإعلان عن العقوبات الأخيرة بظلاله على Wall Street وأسواق النفط والذهب على حدٍّ سواء.
فعقب الإعلان، قفز سعر الذهب الذي يُعدّ ملاذاً آمناً في أوقات الغموض الاقتصادي بنسبة 0.8 بالمئة ليبلغ 4,639.49 دولاراً للأونصة (28 غراماً) في تعاملات منتصف النهار، مسجّلاً بذلك أعلى مستوياته منذ منتصف مايو.
أمّا النفط فقد تراجعت أسعاره يوم الاثنين بعد أسبوعَين من المكاسب المتواصلة، حيث انخفض سعر خام Brent القياسي العالمي بأكثر من 2 بالمئة ليستقرّ عند 85.22 دولاراً للبرميل.
وعلى Wall Street، جاءت المؤشّرات الرئيسية متبايِنة في ظلّ العقوبات الجديدة وإعلان Trump فرض رسومٍ جمركية إضافية على كندا. فقد تراجع مؤشّر Nasdaq بنسبة 0.5 بالمئة، وانخفض S&P 500 بنسبة 0.2 بالمئة، في حين سلك مؤشّر Dow Jones Industrial Average مساراً معاكساً مرتفعاً بنسبة 0.2 بالمئة عن مستوى افتتاح الاثنين.
وتكبّد قطاع النفط خسائر ملموسة؛ إذ تراجعت أسهم Chevron بنسبة 0.8 بالمئة، وهوت أسهم ExxonMobil بنسبة 0.9 بالمئة، وتراجعت BP بأكثر من 2 بالمئة، فيما انخفضت Shell بنسبة 0.2 بالمئة.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
