خَبَرَيْن logo

مخاطر تسرب النفط على بيئة مضيق هرمز

تحتوي مياه الخليج العربي على عالم بيئي نادر، لكن التوترات الحالية تهدد الدلافين والشعاب المرجانية. اكتشف كيف تؤثر التسريبات النفطية على الحياة البحرية في مضيق هرمز، وأهمية هذا المكان الفريد. اقرأ المزيد على خَبَرَيْن.

مضيق هرمز، الفاصل بين إيران وعُمان، يتميز بتنوعه البيئي واحتوائه على الشعاب المرجانية والدلافين، وسط تهديدات التلوث النفطي.
تمر أسماك القرش الحوتية المهاجرة عبر المضيق بشكل موسمي، بينما تعيش الدلافين الحدباء والدلافين ذات الأنف القاروري في منطقة شبه جزيرة مسندم شمال عمان. وتعد الجزر الواقعة قبالة سواحل إيران والإمارات مواقع تعشيش لسلحفاة البحر الخضراء وسلحفاة منقار الصقر.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-على مقربةٍ من السفن المحتجزة في مياه الخليج العربي، يكمن عالَمٌ بيئي نادر. فمضيق هرمز المتنازَع عليه بشدّة يأوي الدلافين وأكثر التجمّعات المرجانية تنوّعاً في المنطقة بأسرها عالَمٌ مائيٌّ تحت السطح يحذّر العلماء من أنّه بات مهدَّداً وسط التوتّرات المتصاعدة من حوله.

في الوقت الراهن، تحمل نحو 2,000 سفينة محتجزة في الخليج ما مجموعه نحو 21 مليار لتر من النفط. وقد شهدت مياه الخليج العربي والمناطق المجاورة لمضيق هرمز ما لا يقلّ عن 16 هجوماً على سفن منذ اندلاع الحرب.

وأفادت Nina Noelle، المتحدّثة باسم منظمة Greenpeace المعنية بالشؤون البيئية، بأنّ باحثي المنظمة «يرصدون بصفةٍ منتظمة بقعَ نفطٍ في المنطقة» من خلال المراقبة المستمرّة، من بينها بقعةٌ مرتبطة بالسفينة الإيرانية «شهيد باقري» التي استهدفتها طائرةٌ حربية أمريكية في مطلع مارس الماضي.

وبحسب المنظمة، لا تزال السفينة تُسرِّب النفط «بالقرب من مضيق خوران، ما يُشكّل خطراً محتملاً على الأراضي الرطبة المحمية المجاورة». ومضيق خوران ممرٌّ ضيّق يمتدّ شمالي مضيق هرمز.

يمنح الموقعُ الجغرافي لمضيق هرمز أهميةً استثنائية لا سياسيةً فحسب، بل بيئيةً كذلك؛ إذ يقع عند نقطة التقاء خليج عُمان العميق البارد بالمياه الضحلة الدافئة للخليج العربي. تجلب التيّاراتُ القادمة من خليج عُمان مغذّياتٍ وطفيلياتٍ تُغذّي ازدهار العوالق البحرية والشعاب المرجانية، فيما تستقطب المياه العميقة أسماك الشعاب وأسماك القرش الحوتي المهاجرة التي تعبر المنطقة موسمياً.

في أوقات السلم، كانت محافظة مسندم العُمانية المطلّة على المضيق وجهةً سياحية تستقطب هواة الغوص ومشاهدة الدلافين. ويوفّر المضيق مواقع تعشيش لسلاحف البحر، فيما تحتضن سواحل عُمان الحيتانَ الحدباء العربية المهدَّدة بالانقراض التي لا تهاجر، إلى جانب أبقار البحر (الدُّغونغ) والثعابين البحرية في المياه المحيطة.

ومع استمرار النزاع، يتزايد قلق العلماء إزاء تأثير تسرّبات النفط على الكائنات الحيّة في المنطقة.

يقول Martin Grosell، أستاذ ورئيس قسم علم الأحياء البحرية والبيئة في كلية Rosenstiel للعلوم البحرية والجوية والأرضية بجامعة University of Miami: «كثيرٌ من المركّبات الموجودة في النفط الخام تستهدف وظائف القلب والجهاز التنفّسي. والتعرّض المطوّل للنفط يُفضي إلى إجهادٍ مزمن ، ممّا يُثبّط جهاز المناعة ويجعل الحيوانات أكثر عرضةً للعدوى وسائر الاعتداءات البيئية».

وأضاف Grosell أنّ النفط الخام يُخلّ بالجهاز العصبي للحيوانات، فيضعف حواسّها وقدرتها على التوجّه ومعالجة المعلومات والتكيّف مع بيئتها. ويؤثّر ذلك في استجابتها للمفترسين وقدرتها على الصيد، ما يعني أنّ الأضرار التي تلحق بالأفراد قد تتموّج عبر المنظومة البيئية بأكملها.

ما الكائنات التي تعيش في المضيق؟

يقع مضيق هرمز، الممرّ الضيّق الفاصل بين إيران شمالاً وعُمان والإمارات جنوباً، عند مدخل الخليج العربي. ويصفه Aaron Bartholomew، أستاذ علم الأحياء في الجامعة الأمريكية في الشارقة الذي أجرى أبحاثاً ميدانية في المنطقة، بأنّه «التاج البيئي للخليج».

دلفين يسبح في مياه الخليج العربي، حيث يُعتبر مضيق هرمز موطناً لأكثر التجمعات المرجانية تنوعاً وبيئة بحرية غنية.
Loading image...
دلفين يقفز عبر مياه مضيق هرمز قبالة خصب في شبه جزيرة مسندم العمانية في عام 2025. جيuseppe كاكاسي/أ ف ب/صور غيتي.

يقول Bartholomew: «يشتهر مضيق هرمز بامتلاكه أكثر الشعاب المرجانية تنوّعاً وبعضاً من أعلى معدّلات الغطاء المرجاني في الخليج كلّه». وتتركّز أغنى هذه التجمّعات على الجانب الإيراني من المضيق، فضلاً عن أجزاء من الساحل الجنوبي للخليج. وقد تعرّضت الشعاب المرجانية في المنطقة لأحداث تبييضٍ حادّة مرتبطة بارتفاع درجات حرارة المحيطات، غير أنّها صمدت في حين أخفقت شعابٌ أخرى في مناطق مختلفة من العالم.

يوضح Bartholomew أنّ ظروف الخليج تدفع الكائنات البحرية إلى حدودها الفسيولوجية القصوى. «لدينا درجات حرارة شديدة الارتفاع صيفاً وبرودةٌ مفاجئة شتاءً»، يقول. «كما نعاني من ملوحةٍ مرتفعة بفعل التبخّر الهائل من الخليج»، في إشارةٍ إلى التركيزات العالية من الأملاح المذابة في الماء التي تُسبّب عادةً أضراراً بيئية.

في معظم محيطات العالم، ستكون هذه الظروف القاسية مميتةً للمرجان. لكنّها هنا أنتجت «ما يمكن القول إنّه أصلب شعاب مرجانية في العالم»، وفق Bartholomew. ويُشير إلى أنّ هذه الشعاب تحظى باهتمامٍ بحثيٍّ متزايد، إذ يدرسها العلماء نموذجاً لفهم كيفية تكيّف المرجان مع المحيطات الأكثر سخونةً وتقلّباً التي ستجلبها أزمة المناخ التي يُغذّيها النشاط البشري.

«الشعاب المرجانية هي أكثر النظم البيئية تنوّعاً في المحيطات، وتدعم مجموعةً واسعة من أنواع الأسماك واللافقاريات»، يضيف Bartholomew. «وهي بالغة الأهمية للصيد والسياحة على حدٍّ سواء».

شعاب مرجانية ملونة تتألق تحت سطح الماء في مضيق هرمز، موطن لتنوع بيئي غني يواجه تهديدات من التلوث والنزاع.
Loading image...
منظر للشعاب المرجانية النابضة بالحياة في أحد مواقع الغوص الشهيرة في شبه جزيرة مسندم بكُهَسَب، عُمان، في أغسطس 2025. توفر هذه الشعاب مأوى وغذاء لمجموعة واسعة من الأنواع البحرية.

خارج نطاق الشعاب المرجانية، تحتضن المياه المحيطة بالمضيق مجتمعاً حيوانياً كثيفاً ومتنوّعاً. تعيش دلافين الحدباء الهندية الهادئة ودلافين العُنق الزجاجي الهندية الهادئة على امتداد شبه جزيرة مسندم في شمال عُمان. ويُبدي Bartholomew قلقه على هذه الثدييات التي تضطرّ إلى الصعود إلى السطح للتنفّس.

وتُشكّل الجزر البعيدة عن الشاطئ، كجزيرة Sir Bani Yas المنتشرة بين إيران والإمارات، مواقع تعشيشٍ لسلاحف البحر الخضراء وسلاحف منقار الصقر. يقول Bartholomew: «ثمّة توثيقٌ واضح يُثبت أنّ تسرّبات النفط في المياه الإماراتية تؤدّي إلى نفوق السلاحف، إذ تموت في بقعة النفط مباشرةً ثمّ تُلقيها الأمواج على الشاطئ».

وتسكن الثعابين البحرية المياه الساحلية الضحلة في الإمارات. أمّا أسماك القرش الحوتي فتعبر المنطقة موسمياً تبعاً لأسماك التونة الإسقمري التي تتكاثر في المياه الغنية بالنفط قبالة سواحل قطر. وبما أنّ الصيد محظورٌ بالقرب من منصّات الحفر، تحوّلت هذه المياه بصورةٍ غير مقصودة إلى منطقة بحرية محمية. يشرح Bartholomew: «تتبع أسماك القرش الحوتي أسماك التونة وتتغذّى على بيوض التونة الإسقمري أثناء موسم التكاثر».

وتنتشر أشجار المانغروف «على امتداد الساحل الجنوبي، ولا سيّما في إمارة أبوظبي، وكذلك في الإمارات الشمالية كرأس الخيمة وأمّ القيوين»، وفق Bartholomew. وتُعدّ أشجار المانغروف الرمادية، أو Avicennia marina، وفيرةً في المنطقة وتتمتّع عموماً بمقاومةٍ للتسرّبات النفطية، «ما لم تُغطَّ جذورها الهوائية (Pneumatophores)»، يقول Bartholomew. والجذور الهوائية هي بنياتٌ جذرية بارزة تعمل كأنابيب تنفّس، ترتفع فوق السطح لنقل الأكسجين إلى الجذور تحت الأرض. لذا، «يمكن للمانغروف عموماً النجاة من التسرّبات النفطية، إلّا إذا غُطّيت جذورها الهوائية فتتضرّر وربّما تموت».

وفي المراعي العشبية البحرية الضحلة غرب أبوظبي وجنوب قطر، يقطن ثاني أكبر تجمّع في العالم من الدُّغونغ، وهو ثديٌّ بحري وثيق الصلة بالأطوم (Manatee). «لدينا بعض أكبر مروج الأعشاب البحرية المتواصلة في العالم هناك»، يقول Bartholomew. ورغم أنّ الدُّغونغ بعيدٌ حالياً عن دائرة الصراع في المضيق، يُنبّه Bartholomew إلى أنّ أيّ تسرّب نفطي يصل إلى مياهه الساحلية سيُشكّل تهديداً بالغ الخطورة.

ماذا يفعل النفط بالحيوانات؟

أمضى Grosell من جامعة University of Miami خمسة عشر عاماً يدرس تأثيرات النفط على الحياة البحرية في أعقاب كارثة Deepwater Horizon عام 2010 في خليج المكسيك.

«ربّما سمعتَ المقولة الشائعة بأنّ النفط والماء لا يمتزجان، لكنّ هذا ليس صحيحاً»، يقول Grosell.

تستطيع حركة الأمواج على سطح الماء تفتيت النفط إلى قطراتٍ صغيرة تغوص إلى أعماق المحيط. «النفط الخام، بل والنفط المكرَّر أيضاً، خليطٌ بالغ التعقيد من آلاف المركّبات الكيميائية». كما تنطلق مركّباتٌ سامّة من النفط وتنتشر في الماء (Water Column)، وهو الوسط المائي الممتدّ من السطح حتّى قاع البحر.

حين تذوب المواد الكيميائية النفطية في الماء، تمتصّها الكائنات المائية كالأسماك عبر خياشيمها، وتمتصّها الشعاب المرجانية مباشرةً عبر أنسجتها. أمّا النفط العائم على السطح فيُشكّل خطراً على الكائنات التي تصعد إلى السطح للتنفّس كالدلافين وسلاحف البحر والثعابين البحرية.

وسواءٌ أكانت الكائنات تتنفّس الهواء أم الماء، تستهدف كثيرٌ من مركّبات النفط الخام القلبَ والجهاز التنفّسي والجهاز المناعي والجهاز الحسّي والجهاز العصبي المركزي.

سلحفاة بحرية تتواجد على شاطئ رملي، تحت سماء زرقاء مغطاة بالسحب، تمثل التنوع البيئي في مضيق هرمز.
Loading image...
تترك سلحفاة آثارها على الشاطئ بعد أن دفنت بيضها في الرمال في يونيو 2021 في محمية رأس الحد للسلحفاة في عُمان. يقوم حوالي 10,000 سلحفاة خضراء بالرحلة على هذا الشاطئ كل عام. هايثم الفارسي/سولنت نيوز/شترستوك

«بعض هذه المركّبات تؤثّر في الأجهزة الحسّية: القدرة على الشمّ، والقدرة على الرؤية، والقدرة على استشعار الاهتزازات في البيئة المحيطة»، يقول Grosell. وتواجه الشعاب المرجانية تأثيراتٍ مماثلة، «إذ تصطاد فرائسها من الماء عبر مجسّاتٍ دقيقة وتتعرّض للمواد الكيميائية المنتشرة في الماء أثناء التلوّث النفطي».

«ثمّة أيضاً تقاريرٌ عن تأثيراتٍ على الجهاز العصبي المركزي»، تمسّ قدرة الحيوانات على معالجة المعلومات الحسّية. وأشار Grosell إلى أنّ الأبحاث المتعلّقة بالتسرّبات النفطية في خليج المكسيك أثبتت أنّ التعرّض للنفط قد يُقلّل من قدرة الأسماك على التكاثر.

مجتمعةً، تؤثّر هذه العوامل في قدرة الحيوانات على اتّخاذ القرار وفي متوسّط أعمارها. والتأثيرات الكيميائية للنفط الخام قد تكون أقلّ فتكاً على المدى الفوري مقارنةً بالاختناق المباشر في بقعة النفط، «لكن في بيئةٍ معقّدة تتوازن فيها باستمرار بين الحصول على الموارد وتجنّب الافتراس، فإنّ هذه التأثيرات على القرار أو الحواسّ أو حتّى التأثيرات الخفيّة على القلب قد تُفضي إلى أعمارٍ أقصر لكثيرٍ من هذه الكائنات».

وبسبب تشابك علاقات المفترس والفريسة، ستتموّج الأضرار التي تلحق بالكائنات الفردية عبر المنظومة البيئية بأسرها، يقول Grosell. ويرى أنّه مع بقاء المزيد من السفن في المضيق، تزداد احتمالية وقوع تسرّباتٍ نفطية جديدة، ممّا يُضاعف التداعيات البيئية الضارّة.

أخبار ذات صلة

Loading...
جزيرة زافودوفسكي البركانية النائية في المحيط الجنوبي، تظهر تأثيرات الاحترار العالمي على بيئة البطاريق.

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

في جزيرة زافودوفسكي النائية، تراجع عدد بطريق الحنجرة السوداء بنسبة 63% منذ 2011 بسبب الاحترار العالمي وتأثيره على الغذاء. اكتشف التفاصيل المذهلة واستكشف تأثير التغير المناخي على الحياة البرية الآن.
علوم
Loading...
نقوش فرعونية في معبد أبيدوس تظهر ملوكاً وخدمًا، تعكس ممارسات دفن الخدم وتضحية الخدم في مصر القديمة.

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

كشف تحليل جنائي حديث في أبيدوس عن إصابات قاتلة في جماجم خدم الملوك المصريين القدماء، مما يدعم فرضية التضحية البشرية. اكتشف أسرار دفن الملوك واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
كوكب محتمل من الجيل الثاني يتشكل من رماد نجم ميت قرب قزم أبيض HS 0209+0832 مع غبار وغازات تحيط به في الفضاء.

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة

هل يمكن أن يولد كوكب جديد من رماد نجم ميت؟ رصد فريق فلكي أدلة كيميائية وضوئية على قزم أبيض قد يشير لتشكّل كوكب من الجيل الثاني. اكتشف المزيد عن هذا الاكتشاف الثوري الآن!
علوم
Loading...
خط تتبع توضيحي لتلسكوب Swift الفضائي أثناء اقترابه من الغلاف الجوي للأرض ضمن مهمة إنقاذ فاشلة لشركة Katalyst.

مرصد ناسا التاريخي قد يسقط على الأرض بعد فشل محاولة الإنقاذ

مرصد Swift الفضائي يقترب من سقوطه بعد فشل محاولة إنقاذ غير مسبوقة، لكن هل يشكل حطامه خطرًا على الأرض؟ اكتشف التفاصيل والتقنيات المستقبلية التي ستغير مستقبل الفضاء في مقالنا الكامل.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية