أزمة السجون في إنجلترا بين الاكتظاظ والإفراج المبكر
في خَبَرَيْن قصة مأساوية تكشف أزمة السجون في إنجلترا مع اكتظاظ قياسي وإصلاحات للإفراج المبكر تثير غضب الضحايا والمجتمع. كيف تؤثر هذه التغييرات على العدالة وأمن المجتمع؟ قراءة ضرورية لفهم الواقع المعقد.

في بلدة لا تبعد كثيراً عن أكسفورد بجنوب إنجلترا، لا تزال ديبي أدلام تحمل صورة ابنها في زفافه. لم يمرّ على زواج الشرطي أندرو هاربر شهرٌ كامل حين قُتل في 2019، وهو يحاول إيقاف سرقة درّاجة رباعية العجلات. تشابك جسده في حبل جرٍّ متدلٍّ من سيارة اللصوص، فجُرّ على الأرض بسرعةٍ لأكثر من ميل. أُدين ثلاثة شبان بالقتل غير العمد، فحُكم على السائق بالسجن 16 عاماً، وعلى الاثنين الآخرَين بـ13 عاماً لكلٍّ منهما. لكنّ ما أصاب ديبي أدلام بصدمةٍ جديدة، بعد كلّ هذه السنوات، هو اكتشافها أنّ القواعد الأصلية للإفراج المبكر كانت ستسمح بخروج الرجلَين المحكوم عليهما بـ13 عاماً في غضون أشهر قليلة فقط. حين تحدّثت إلى صحيفة "ذا تلغراف" في يوليو الماضي، وصفت الأمر بكلمةٍ واحدة: "sick" أي مقزّز، وأضافت: "حياة أندرو لن تعود أبداً". أثارت شهادتها موجة غضبٍ واسعة، لتتحوّل قصّتها إلى واجهةٍ لأزمةٍ أعمق تتخبّط فيها سجون إنجلترا وويلز منذ سنوات.
فمنذ أسابيع، لا تكاد الصحافة البريطانية تخلو من تحذيراتٍ متتالية حول منظومة العدالة الجنائية، فيما يهدّد ضبّاط المراقبة (Probation) بالإضراب، ويحذّر مديرو السجون من أن الاكتظاظ قد يحوّل المؤسسات العقابية إلى ادخال واخراج نزلاء دون معالجةٍ حقيقية لجذور المشكلة. في هذا السياق المشحون، يبدأ يوم الخميس تطبيق برنامجٍ للإفراج المبكّر عن آلاف السجناء، وهو الملف الذي اضطرّ رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام إلى تعديل بعض بنوده تحت وطأة الغضب الشعبي، فيما تحذّر جمعيات الضحايا وخدمات المراقبة من أنها غير مؤهّلةٍ لاستيعاب تبعاته.
لماذا تمتلئ السجون عن آخرها؟
تُظهر بيانات الحكومة البريطانية أنّ نسبة إشغال السجون بلغت الشهر الماضي ما بين 97% و98%، مع توقّعاتٍ رسمية بأن تصل الطاقة الاستيعابية إلى حدّها الأقصى بحلول نوفمبر، ما لم تُتّخذ إجراءات عاجلة. من هنا جاءت إصلاحات كير ستارمر، رئيس الوزراء السابق، التي استهدفت خلق هامش تنفّسٍ داخل النظام العقابي عبر تقليص المدد الفعلية للمحكومية. بموجب هذه الإصلاحات، أصبح البالغون المدانون بجرائم أقلّ خطورة مؤهّلين للإفراج بعد قضاء ثلث مدّة العقوبة فقط، بدلاً من 40% أو نصفها كما كان معمولاً به سابقاً، فيما يُفرَج عن فئاتٍ أخرى بعد نصف المدّة بدلاً من ثلثيها. يخرج هؤلاء السجناء بموجب ما يُعرف بـ"الإفراج المشروط" (on license)، وهو ما يعادل نظام الإفراج تحت المراقبة (Parole). واستُثني من التصور الأصلي للإصلاحات المدانون بأخطر الجرائم، لكنّ الجدل الذي أثارته قضية أندرو هاربر دفع آندي بيرنهام إلى توسيع دائرة الاستثناءات لتشمل أيضاً المدانين بالقتل غير العمد، والقتل الناتج عن القيادة المتهوّرة، وجرائم الاعتداء الجنسي التاريخية على الأطفال.
تقول كلير واكسمان، مفوّضة الضحايا المستقلّة لإنجلترا وويلز: "سمعنا من ضحايا أصابهم مرضٌ حقيقي جرّاء سماعهم هذا الخبر"، مضيفةً أن بعضهم بات "غير قادرٍ على العمل، ويكافح لممارسة حياته الطبيعية". أما ديبي أدلام، فما زالت ترى أن أياً من هذه التعديلات لن يعيد لها ابنها: "حياة أندرو لن تعود أبداً".
ثلاثون عاماً من تضخّم الأحكام
لفهم جذور الأزمة، لا بدّ من العودة إلى تحوّلٍ بنيوي طويل المدى: فقد تضاعف عدد نزلاء سجون إنجلترا وويلز خلال العقود الثلاثة الماضية، وفق معهد الحوكمة (Institute for Government) في لندن، بينما ارتفعت مدد الأحكام بوتيرةٍ فاقت وتيرة بناء سجونٍ جديدة. والمفارقة أنّ هذا التصاعد جاء في وقتٍ تراجعت فيه معدلات الجريمة الإجمالية خلال العقد الأخير، فيما ازداد عدد من يُعاد سجنهم بسبب مخالفة شروط الإفراج المشروط، وعدد من يُحتجزون رهن التوقيف الاحتياطي (Remand) بانتظار المثول أمام المحاكم.
يشير خبراء علم الجريمة إلى أنّ الساسة يمتلكون قدرةً مباشرة على التأثير في العقوبات عبر سنّ تشريعاتٍ أكثر تشدّداً، وهي ظاهرة يسمّيها الباحثون "الشعبوية العقابية". هكذا ارتفع متوسّط الحدّ الأدنى لعقوبة القتل من 13 عاماً في عام 2000 إلى 21 عاماً في عام 2021، وقفز متوسّط مدّة الأحكام السالبة للحرية في الجرائم الأخرى من 13 شهراً في عام 2005 إلى 21 شهراً في عام 2023. أمام هذا التصاعد، وجّه خمسة من كبار القضاة السابقين في إنجلترا وويلز انتقاداً علنياً مشتركاً عام 2024، قالوا فيه: "لا شيء يبرّر هذا التضاعف في مدد الأحكام".
في المقابل، شهدت البلاد بين عامي 2010 و2024 حكم المحافظين، الذين خفّضوا تمويل الخدمات العامة عقب الأزمة المالية لعام 2008، فلم يُستحدث خلال تلك الفترة كلّها سوى 500 مكان إضافي صافٍ في السجون. وزاد جائحة كوفيد-19 الطين بلّة، إذ راكمت تأخيراً في القضايا المعروضة على المحاكم وأطالت فترات انتظار المتّهمين رهن الاحتجاز الاحتياطي، فيما ستحتاج برامج بناء السجون المخطّط لها سنواتٍ طويلة قبل أن تُترجَم إلى واقع.
نظامٌ "يعمل بأقصى طاقته دون هامشٍ للخطأ"
تصف بيا سينها، رئيسة مؤسسة إصلاح السجون (Prison Reform Trust) والمديرة السابقة لسجن HMP Liverpool شمال غرب إنجلترا، الوضع بعبارةٍ لافتة: "أنت تُشغّل النظام بأكمله وهو ساخن، وهذا يعني أنه لا مجال فيه للخطأ"، مشبّهةً الأمر بمعرفتك المسبقة بعدم وجود أسرّةٍ شاغرة في المستشفيات في وقتٍ يلوح فيه وباءٌ في الأفق.
ووفق سينها، فإنّ الاكتظاظ يقلّص الوقت المتاح لتقييم النزلاء بشكلٍ ملائم، ما قد يؤدّي إلى إيداع سجناء في مرافق أقلّ تأميناً ممّا تقتضيه خطورتهم. وقد سجّلت إنجلترا وويلز، بين أبريل 2024 ومارس 2025، إفراجاً خاطئاً عن 262 سجيناً، وهو رقمٌ قياسي يمثّل زيادةً بنسبة 128% عن العام السابق. كما يقضي النزلاء وقتاً أطول داخل زنازينهم مع فرصٍ أقلّ للوصول إلى برامج إعادة التأهيل، وهو ما يخلق، بحسب المقال، حافزاً أكبر لتعاطي المخدّرات غير المشروعة، ويرتبط بارتفاع معدّلات العنف ضدّ موظفي السجون. ولا تزال سجونٌ يعود بناؤها إلى العصر الفيكتوري جزءاً أساسياً من البنية التحتية العقابية في البلاد حتى اليوم.
بين عامي 2017 و2020، تولّت بيا سينها إدارة سجن HMP Liverpool، وخفّضت عدد نزلائه عمداً لتتمكّن من "إعادة بناء جناح السجن جناحاً تلو الآخر". تستذكر تلك التجربة بمقارنةٍ حادّة: "لا توجد طاقةٌ استيعابية مماثلة الآن، وهذا هو الفارق الجوهري الكبير... في 2017، كنت تعتبر نفسك في حالة اكتظاظ إذا بلغت نسبة الإشغال 80%. أما اليوم فهي 98%". وتحذّر من أنّ هذا الوضع "يخلق حالة عدم استقرار عبر كامل مسارات السجن، وعندها تصبح إدارته بأمانٍ هي الشغل الشاغل الوحيد".
ضبّاط المراقبة: "نتّجه نحو انهيارٍ كامل"
لا يقتصر الضغط على السجون وحدها، فخدمة المراقبة (Probation) المكلّفة بمتابعة المفرَج عنهم داخل المجتمع تقف هي الأخرى على حافّة الانهيار. صوّت أعضاء نقابة NAPO الممثّلة لضبّاط المراقبة، في أغسطس، بأغلبيةٍ ساحقة لصالح احتمال الدخول في إضراب بسبب الأجور وأعباء العمل. ويقول إيان لورانس، الأمين العام للنقابة: "نحن نتّجه نحو انهيارٍ كامل"، مضيفاً: "حتى قبل تطبيق برنامج الإفراج المبكّر، بلغت أعباء العمل ذروةً لم نشهدها من قبل. الغياب بسبب المرض في أعلى مستوياته على الإطلاق". ويكشف لورانس أنّ 60% من الموظفين الغائبين بسبب المرض يعانون من الإرهاق النفسي (Burnout)، فيما يلخّص أجواء الموظفين بجملةٍ واحدة: "الحالة العامة بين الأعضاء هي: كيف سأتمكّن من الصمود؟".
من جهتها، أعلنت الحكومة تخصيص 700 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 925 مليون دولار، لدعم خدمة المراقبة، مع خططٍ لتوظيف آلاف الضبّاط الجدد في إطار الإصلاحات المتعلّقة بإصدار الأحكام. غير أنّ لورانس يحذّر من أنّ الموظفين الجدد سيحتاجون وقتاً لاستيعاب تعقيدات هذه المهنة، محذّراً أيضاً من أنّ الضغط المتزايد قد يفرز "ثقافة أكثر تجنّباً للمخاطر" داخل الخدمة، وهو ما قد ينعكس سلباً على جودة المتابعة الميدانية للمفرَج عنهم.
حين يفقد الضحايا الثقة في العدالة
تحمل كلير واكسمان تحذيراً آخر لا يقلّ خطورةً: تراجع ثقة الضحايا أنفسهم في جدوى الملاحقة القضائية، وهي ظاهرةٌ تصفها بـ"تناقص الضحايا" (victim attrition)، أي أن "يبلّغ الضحية عن جريمةٍ ثمّ يسحب دعمه للملاحقة القضائية". وتوضح أنّ ضعف التواصل بشأن الأحكام قد يسرّع من وتيرة هذا التناقص، ناقلةً ما تسمعه مباشرةً من الضحايا: "نسمع الآن من ضحايا يقولون: ما الفائدة؟ لماذا عليّ الانتظار سنواتٍ لأمرّ بمنظومة العدالة الجنائية إذا كانت النتيجة النهائية أنكم ستفرجون عن الجاني في وقتٍ أبكر بكثير؟".
هذا السؤال بالذات هو ما يظلّ عالقاً في أذهان أشخاصٍ مثل ديبي أدلام، التي لم تعد تنظر إلى ملف الإصلاحات كسياسةٍ تقنية تخصّ نسب الإشغال أو ميزانيات المراقبة، بل كقرارٍ يمسّ مباشرةً ذاكرة ابنها. فبينما تحاول الحكومة البريطانية كسب سباقٍ مع الزمن قبل أن تمتلئ الزنازين عن آخرها في نوفمبر، يبقى السؤال الذي يطرحه ضحايا الجريمة وأسرهم دون إجابةٍ حاسمة: كيف توازن دولةٌ بين ضرورة تفريغ سجونٍ تنوء تحت أثقالها، وبين حقّ من فقدوا أحباءهم في ألا تتحوّل العدالة إلى مجرّد رقمٍ في معادلة الطاقة الاستيعابية؟
أخبار ذات صلة

الأمير أندرو يرفع دعوى ضد شرطة بريطانيا حول مذكرات التفتيش

إيران وراء الحادثة بقاعدة جوية بريطانية تضم قوات أمريكية.. لندن تؤكد

الشرطة البريطانية تفرج عن مشتبه بهم في قضية مؤامرة إرهابية عند قاعدة جوية
