نينيو القاتل يهدد أسعار الغذاء وأمن أفريقيا
ظاهرة النينيو الفائقة تهدد أسعار القهوة وزيت النخيل وتفاقم أزمات الغذاء في شرق وجنوب أفريقيا مع فيضانات وجفاف حادين. تعرف كيف تؤثر هذه التغيرات المناخية على الأسواق العالمية والمحلية عبر خَبَرَيْن.

تتشكّل في المحيط الهادئ هذا الموسم ظاهرة النينيو فائقة القوة، تقترب من أعلى مستويات مسجَّلة تاريخياً، وتتجه نحو ذروتها خلال فصلي الخريف والشتاء. هذا الرقم وحده لا يبدو مثيراً لغير المتخصصين، لكنّ ما وراءه ارتفاع غير اعتيادي في درجة حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي قد يترجَم خلال الأشهر المقبلة إلى ضغطٍ إضافي على أسعار الغذاء العالمية، وإلى أزماتٍ محلية حادة في شرق أفريقيا وجنوبها تحديداً، وفق ما يرصده خبراء الاقتصاد الزراعي.
النينيو ليس حدثاً طقسياً عابراً، بل دورة مناخية دورية تتكرر كل بضع سنوات، وتصاحبها اضطرابات في أنماط الهطول حول العالم: جفاف في أستراليا، وفيضانات في شرق أفريقيا، وارتفاع عام في موجات الحرّ القصوى. وحين تشتد هذه الدورة كما هو متوقَّع هذا العام تتسع رقعة تأثيرها لتطال سلاسل الإمداد الغذائي العالمية التي تعاني أصلاً من ضغوط جيوسياسية متراكمة في الشرق الأوسط والبحر الأسود.
لماذا يرتفع سعر القهوة والشوكولاتة وزيت النخيل تحديداً؟
من بين السلع الأكثر عرضة للتأثر: القهوة والشوكولاتة وزيت النخيل، وهي منتجاتٌ استوائية حسّاسة بطبيعتها لتغيّر أنماط الهطول المطري. في البرازيل وفيتنام، وهما من أكبر مناطق إنتاج القهوة عالمياً، تؤدي التحوّلات في مواسم الأمطار المصاحبة للنينيو إلى اضطراب دورة النمو، وتتكرر الظاهرة ذاتها في مناطق زراعة القهوة بأمريكا الوسطى. وبالفعل، تشهد جنوب شرق آسيا فيضانات، بينما تضرب موجة جفاف أمريكا الوسطى، في مؤشرٍ مبكر على ما قد يأتي لاحقاً قبل أن تبلغ الظاهرة ذروتها الفعلية بثلاثة إلى أربعة أشهر على الأقل.
أما زيت النخيل، الذي يُستخدم في الأغذية ومستحضرات التجميل والوقود الحيوي على حدٍّ سواء، فتتركّز زراعته في أجزاء من آسيا، وعلى رأسها إندونيسيا، أكبر منتج عالمي. تعاني إندونيسيا حالياً من جفافٍ مرتبط بالنينيو، بعدما انزاحت كمياتها المعتادة من الأمطار الغزيرة نحو مناطق أخرى، وهو ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة يُرجَّح أن ينافس موسمها الحالي أسوأ مواسم الحرائق المسجَّلة في البلاد، والتي وقعت خلال نينيو فائق سابق بين عامي 2015 و2016. تضرب هذه الحرائق الإنتاج مباشرة، وقد ينعكس أي نقصٍ في زيت النخيل على أسعاره حتى خارج مناطق الإنتاج، بما في ذلك الولايات المتحدة.
ويرى نيلسون فيلوريا، الخبير الاقتصادي الزراعي في جامعة ولاية كانزاس، أنّ هذه الفئة من السلع هي الأكثر عرضة للارتفاع فعلياً، قائلاً: "السلع الاستوائية مثل زيت النخيل وزيت جوز الهند والقهوة ودقيق السمك، تُظهر أكبر الزيادات". ويضيف أنّ تأثير النينيو على الأسعار لا يظهر فوراً بل بتأخّرٍ زمني، إذ قد تبقى أسعار الزيوت النباتية والقهوة مرتفعة لمدةٍ تصل إلى عام كامل بعد انتهاء الظاهرة.
أفريقيا: حيث تتحول الأمطار والجفاف إلى أزمة خبز
إذا كانت تأثيرات النينيو على المحاصيل الحبوبية عالمياً محدودة نسبياً إذ تشير دراسات فيلوريا إلى أنّ هذه المحاصيل ليست شديدة الحساسية للظاهرة بشكل عام، كما أنّ الدول الصناعية عادةً لا تتعرض لأضرار كبيرة في محاصيلها الحبوبية جراء الظواهر الجوية المتطرفة فإنّ الذرة في شرق أفريقيا وجنوبها تمثل استثناءً خطيراً. يصف فيلوريا هذه المنطقة بأنها "شديدة الحساسية"، محذراً من أنّ أسعار الذرة قد ترتفع بنحو 20% تقريباً، مع "عواقب وخيمة على سكان تلك المناطق".
السبب يكمن في طبيعة الظاهرة في المنطقتين: ففي شرق أفريقيا، تجلب النينيو فيضانات قد تُغرق المحاصيل الحبوبية بالكامل، بينما تبقى جنوب أفريقيا منطقة معرَّضة للجفاف بطبيعتها أصلاً. والمعضلة الأكبر أنّ أسواق شرق وجنوب أفريقيا شبه منفصلة عن الأسواق العالمية، ما يحدّ بشدة من قدرة هذه الدول على تعويض النقص عبر الاستيراد، ويحوّل أي صدمة إنتاجية محلية إلى أزمة أسعار مباشرة يصعب تخفيفها.
هذا التفاوت في القدرة على التكيّف هو جوهر المشكلة: فالدول النامية تملك قدرة أقل بكثير على امتصاص صدمات نقص الأسمدة أو ضعف محاصيل الحبوب الأساسية، كما أنها أقل مرونة أمام الظواهر الجوية المتطرفة مقارنة باقتصادات أكثر تنوعاً وتماسكاً. ولهذا يتوقع الخبراء أن تتركز الأزمات الغذائية الحادة محلياً في شرق وجنوب أفريقيا تحديداً، بينما يبقى الأثر العالمي العام على الإمدادات الغذائية أكثر محدودية.
أزمة غذاء عالمية تتشكل ببطء
يربط ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، بين النينيو وسلسلة ضغوط أخرى تتراكم على النظام الغذائي العالمي أصلاً، من التوترات الجيوسياسية إلى الحواجز التجارية. يقول توريرو: "وجهة نظري حالياً أننا نتجه ببطء نحو أزمة غذائية ستضربنا في نهاية هذا العام وبداية العام المقبل. ومدى عمقها سيتوقف إلى حدٍّ كبير على عامل النينيو الإضافي".
من بين هذه الضغوط: أزمة إمدادات النفط المرتبطة بالتوتر مع إيران، والتي ترفع تكاليف البنزين والديزل، وتحدّ في الوقت ذاته من إمدادات الأسمدة الزراعية وهو عامل يضاعف التأثير السلبي على الإنتاج الزراعي في وقتٍ واحد من جهتين مختلفتين. كما أنّ الحواجز التجارية التي تفرضها الولايات المتحدة ودول أخرى تؤثر على أسعار سلعٍ قادمة من دول عديدة، وقد تحدّ من قدرة الأسواق على الاستجابة لتقلبات النينيو عبر التجارة.
ويرى كريستوفر باريت، أستاذ الاقتصاد الزراعي والغذائي في جامعة كورنيل، أنّ التجارة يمكن أن تكون "صمّام أمان" يساعد الدول على التعامل مع تداعيات النينيو، لكنّ الحواجز التجارية قد تقيّد هذه الاستجابة وترفع الأسعار على المستويين الوطني والإقليمي. ويضيف باريت أنّ هذا النينيو، وهو على الأرجح الأكثر شدة في السجلات المتاحة، يضرب الاقتصاد العالمي في "توقيتٍ سيئ للغاية"، مؤكداً: "نحن لسنا في أوقاتٍ عادية".
وقد بدأت تداعيات الظاهرة تظهر فعلياً في تقديرات الإنتاج: فقد خفّضت منظمة الأغذية والزراعة توقعاتها بفعل النينيو، وفق توريرو، بعدما أدت ظروف الرياح الموسمية الأضعف من المعتاد إلى تراجع حصاد الأرز في الهند، بينما يُتوقَّع أن يكون محصول القمح في أستراليا أقل من المعتاد مع تحوّل الأجواء نحو الجفاف والحرارة الزائدة. وإذا قررت الهند تقييد صادرات الأرز بدافع الحفاظ على أمنها الغذائي الداخلي، فإنّ أسعار الأرز العالمية ستشهد ارتفاعاً إضافياً. وتجدر الإشارة إلى أنّ تقييم توريرو لحجم الأزمة المحتملة يفترض استمرار التوترات في مضيق هرمز، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، أي أنّ أي تهدئة في هاتين الجبهتين قد تُخفف من حدة السيناريو المتوقَّع.
ويلخّص باريت القاعدة العامة بوضوح: "أسعار الغذاء ترتفع دائماً تقريباً قليلاً مع ظواهر النينيو، وترتفع أكثر كلما كانت الظاهرة أشد، وكلما كان توقيتها أسوأ". وهو يصف حجم النينيو الحالي بأنه "كبير بشكل جنوني" مقارنة بسوابقه.
وماذا عن المستهلك الأمريكي؟
على عكس الصورة في أفريقيا وأجزاء من الدول النامية، لا يتوقع خبراء الأمن الغذائي أن تواجه الولايات المتحدة نقصاً فعلياً في الغذاء بسبب النينيو، مستندين إلى وفرة الإنتاج الزراعي الأمريكي. لكنّ ذلك لا يعني غياب الأثر تماماً: فأسعار المنتجات المتأثرة، وبخاصة القهوة والشوكولاتة ومنتجات زيت النخيل، قد ترتفع في الأسواق الأمريكية خلال بقية عام 2026 وحتى عام 2027 وما بعده، بحسب التقديرات الحالية.
ويبقى حجم الارتفاعات المتوقعة في أسعار الغذاء عموماً متبايناً بشدة، إذ يتوقف إلى حدٍّ بعيد على شدة النينيو نفسه من جهة، وعلى السياسات التي تختار الحكومات اتباعها في التعامل مع الحواجز التجارية والأزمات الإقليمية من جهة أخرى. فبين دورة مناخية تقترب من ذروتها خلال الأشهر المقبلة، وصراعاتٍ جيوسياسية مفتوحة في الشرق الأوسط والبحر الأسود، يبدو أنّ مصير أسعار الغذاء العالمية خلال الأشهر المقبلة سيُحسم عند تقاطع هذين المسارين، لا عند أيٍّ منهما بمفرده.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
