إسبانيا لا تهزم سر السيطرة في كأس العالم
إسبانيا تهيمن على كأس العالم بأسلوب لعب لا يُقهر ولا يُحبط، دفاع صلب وتمريرات دقيقة تترك المنافسين عاجزين. جيل جديد يبشر بمزيد من الألقاب بعد تتويجه العالمي والأوروبي خَبَرَيْن يكشف سر نجاحهم.








-في لحظةٍ واحدة من لحظات كأس العالم 2026، تجلّى الفارق بين إسبانيا وبقية العالم. لم يكن هدفاً خارقاً، ولا مراوغةً تُحبس لها الأنفاس بل كانت الكرةُ تتنقّل بهدوءٍ مُحكم بين أقدامٍ حمراء، بينما يتفرّج المنافس عاجزاً، يبحث عن لحظةٍ للتدخّل فلا يجدها.
كما أشار حارس المرمى الإنجليزي السابق Joe Hart في تصريحاته : "لم يستطع أحدٌ أن يمسّ إسبانيا. لم يُسجَّل عليها سوى 10 تسديداتٍ على المرمى طوال البطولة كاملة. لإسبانيا طريقةٌ في اللعب لم يُثبت أحدٌ في العالم أنّه قادرٌ على الاقتراب منها." وهذا كلامٌ لا يمكن الاختلاف معه.
ربّما لم تكن إسبانيا مبهرةً في كأس العالم بالمعنى الجمالي الكامل، لكنّها كانت لا تُوقَف. نجح بعض المنافسين في إحباطها أحياناً، غير أنّ أحداً لم يكتشف كيف يؤلمها وهذا ما يطرح السؤال الكبير: بعد أن أضافت لقب العالم إلى تاج أوروبا الذي رفعته في ألمانيا قبل عامين، كم من الألقاب يمكن لهذا الجيل الإسباني أن يحصد في السنوات المقبلة؟
مرحلة المجموعات: تعثّرٌ مؤقّت
لم تبدأ إسبانيا البطولة بأفضل صورها. التعادل في الجولة الأولى أمام الرأس الأخضر جاء جزئياً بسبب غياب Lamine Yamal الذي لم يكن مكتمل العافية، إذ لم يشارك إلا في الـ15 دقيقة الأخيرة. وما إن عاد إلى التشكيلة الأساسية حتى سقط المنتخب السعودي بأربعة أهدافٍ دون ردٍّ في الجولة الثانية.
بيد أنّه حتى مع مشاركة Yamal 76 دقيقةً في الفوز الصعب 1-0 على الأوروغواي الذي أحكم الصدارة في المجموعة H، لم تبدُ إسبانيا بمستوى الفريق الذي أبهر أوروبا في يورو 2024. كانت مشكلة الهامسترينغ تُثقل خطوات Yamal وزميله على الجناح Nico Williams، فيما بدا Pedri دون مستواه المعهود.
لكنّ المدرّب Luis de la Fuente لم يُبدِ قلقاً. قال بعد الإبقاء على الشباك نظيفةً للمرة الثالثة توالياً: "هذا طريقٌ طويل، وهذا فريقٌ لا يُسجَّل عليه كثيراً. إنّهم لا يُقهرون."
Rangnick يشهد على الكمال
وصل Ralf Rangnick إلى الاستنتاج ذاته بعد أن شاهد منتخبه النمساوي يُفكَّك بمنهجيةٍ صارمة في خسارةٍ بثلاثة أهدافٍ نظيفة أمام إسبانيا في دور الـ32.
قال المدرّب الألماني السابق لـ Manchester United: "لم يتبقَّ لهم الكثير ليُحسّنوه. إنّهم آلةٌ دقيقة لا تُخطئ. لا أتذكّر أنّهم ارتكبوا خطأً غير مُستفزّ... أعتقد أنّ إسبانيا أظهرت اليوم أفضل أداءٍ لها. أجرؤ على القول إنّنا لم نواجه البطل الأوروبي فحسب، بل بطل العالم القادم أيضاً." وقد أثبتت الأيام أنّ Rangnick كان محقّاً.
دالاس: حيث يُحسم الأمر
أثبتت إسبانيا أنّها معادلةٌ لا حلّ لها. حتى البرتغال، بثلاثيّتها الوسطى Vitinha وJoao Neves وBruno Fernandes، عجزت عن انتزاع الكرة من Rodri ورفاقه في مواجهة دور الـ16 في دالاس. وهكذا واصلت إسبانيا ضغطها المتواصل حتى أثمر في الوقت بدل الضائع بهدف Mikel Merino الذي أسدل الستار على المباراة.
وعاد Merino ليُسجّل مجدّداً في ربع النهائي أمام بلجيكا، لكن هذه المرة في الدقيقة 88، بعد أن نجح رجال Rudi Garcia فعلاً في اختراق دفاع De la Fuente. كان Pau Cubarsi مسؤولاً عن هدف Charles De Ketelaere، لكنّ ذلك لم يُزعزع ثقة المدافع الشاب قيد أنملة، وكانت تسديدته التي صدّها الحارس هي التي مهّدت لـMerino كي يُطلق إسبانيا نحو نصف النهائي، حيث كان الجميع يتوقّع أصعب اختبارٍ في البطولة. غير أنّ تحييد الرباعي الأمامي الفرنسي المرهوب بدا في النهاية أمراً يسيراً.
Henry: "يعرفون ما يفعلونه منذ التاسعة من أعمارهم"
أذهل حجمُ هيمنة إسبانيا في دالاس الجميعَ تقريباً إلا المهاجم الفرنسي السابق Thierry Henry.
قال أسطورة الهجوم على قناة Fox Sports: "عشتُ هذا كلاعبٍ واجهت إسبانيا، وكمدرّبٍ أيضاً. وعشتُه كلاعبٍ في Barcelona، وكنتَ تحتاج إلى أن تفهم أنّ الكرة تتحرّك. كلٌّ منهم يجب أن يبقى في مكانه. ثق بزملائك. دع الكرة تطير.
"يبدو هذا بسيطاً لكنّه ليس كذلك. لقد مرّروا الكرة حول فرنسا كأنّها غير موجودة. ما أحاول قوله هو أنّه لا يهمّ من يلعب، فهم يعرفون ما يجب عليهم فعله منذ التاسعة من أعمارهم. لا يهمّ من يأتي. إنّهم يعرفون. لهذا أسأل: من أنتم؟ ما فلسفتكم؟ ما هويّتكم؟
"حين يأتي اللاعب، سواءٌ كانت هذه مباراته الأولى أو العاشرة، يعرف النظام لأنّه لعب دائماً بالنظام نفسه. يبدو الأمر بسيطاً جداً، لكنّك تحتاج إلى التفكير فيه."
الأرجنتين تُحاول... بالأقدام
فكّر Lionel Scaloni طويلاً في كيفية إيقاف إسبانيا في نهائي الأحد، لكنّ أفضل ما توصّل إليه كان محاولة إيقاعها في أخطاء متعمّدة. وهنا أبدى Zlatan Ibrahimovic تفهّمه لعدوانية الأرجنتين وإحباطها.
قال المهاجم السويدي السابق على قناة Fox: "كلاعب، أتذكر أنّه حين لا تلمس الكرة، حين يملكها منافسٌ دائماً، أُصاب بالجنون وأفقد صبري وأريد فقط أن أركض نحوه وأبدأ بالركل. إنّهم أفضل أمّةٍ كروية في العالم."
وهذا لا يبدو أنّه سيتغيّر في المدى المنظور.
إسبانيا وحدها تملك الاستقرار
لا تزال البرازيل ذات الخمس ألقاب تبدو ضائعةً تحت قيادة Carlo Ancelotti. وثمّة تساؤلاتٌ جدية حول الجودة الحقيقية لإنجلترا وتكتيكات Thomas Tuchel. والأرجنتين قد تخسر قريباً الليونيلَين Messi وScaloni اللذين أدّيا دوراً محورياً في حقبة نجاحاتها. وفرنسا لم تخطُ خطواتها الأولى بعد تحت إشراف الخليفة المرتقب لـDeschamps، Zinedine Zidane. فيما ينتظر Jurgen Klopp عملٌ جبّار مع ألمانيا.
إسبانيا، على النقيض التام، تعيش صورةً من الاستقرار النادر تحت قيادة De la Fuente، الذي لم يُمنَ إلا بخسارتين في المباريات التنافسية منذ أن خلف Luis Enrique إثر خروج إسبانيا المخيّب في دور الـ16 من كأس العالم 2022 وإحدى الخسارتين جاءت بركلات الترجيح أمام البرتغال في نهائي دوري الأمم الذي لا يعني الكثير.
والغريب أنّه كانت هناك شكوكٌ جدية حول ما إذا كان De la Fuente هو الرجل المناسب لخلافة Luis Enrique، نظراً لعدم فوزه بأي لقبٍ رفيع المستوى في مسيرته التدريبية مع الفرق الكبار. بيد أنّه بالأساليب ذاتها التي أوصلته إلى لقبَي بطولة أوروبا للشباب تحت 19 وتحت 21 عاماً، قاد De la Fuente إسبانيا إلى لقبها العالمي الأول منذ 2010 وبسادس أصغر تشكيلةٍ في بطولةٍ تضمّ 48 منتخباً. فكيف سيكون حال الثنائي Cubarsi وYamal، ذوَي الـ19 عاماً، حين تحلّ كأس العالم القادمة؟
السرّ: التضامن لا النجوم
لكنّ التركيز على الأفراد يُفوّت جوهر الصورة. كما قال De la Fuente، سرّ نجاح إسبانيا هو التضامن لا النجومية. حتى Yamal نفسه مستعدٌّ للتضحية في سبيل المنظومة.
أشار Ibrahimovic إلى هذه النقطة بوضوح: "لم يكن في أفضل حالاته، ولم يُقدّم أفضل بطولاته، ومع ذلك هيمنت إسبانيا على كل مبارياتها هذا يُخبرك كم هم عظماء كفريق. فازوا بكأس العالم دون أن يُؤدّي هذا اللاعب بمستواه المعتاد، لأنّ إسبانيا حين تبدأ في اللعب، حين تبدأ في تمرير الكرة، تسرق روحك وتسرق أملك."
لأنّه كما قال Henry، قد يتغيّر اللاعبون لكنّ الفلسفة تبقى ثابتة. لإسبانيا "فكرةٌ" واضحة جداً عن طريقة اللعب كما وصفها De la Fuente، وإيمانها بكرتها هو ما أعادها إلى قمّة العالم.
قال المدرّب: "هؤلاء اللاعبون يستحقّون كلّ شيء. يوماً بعد يوم، أثبتوا التزامهم ووحدتهم وكرمهم وموهبتهم."
الجولة المقبلة... وما بعدها
ما يُرعب المتطلّعين إلى عرشها حقّاً هو أنّ إسبانيا لم تنتهِ بعد. الجوع لا يزال يسكن هذا الفريق، وليس في نيّة "لا روخا" الاستراحة على أمجادها.
كشف De la Fuente بعد الفوز على الأرجنتين: "اللاعبون سألوني ماذا تبقّى لنا لنفوز به. وتوصّلنا معاً إلى أنّه المباراة القادمة في سبتمبر أمام إنجلترا في دوري الأمم، لأنّ هذا الفريق لا يتوقّف." وكلّ منتخبٍ واجه إسبانيا في أمريكا الشمالية سيوافق على هذا الوصف.
قال Deschamps عن خسارة فرنسا في نصف النهائي: "في مباراةٍ كهذه، أمام فريقٍ كإسبانيا، يجب أن تكون في أقصى مستوياتك. فرنسا لم تكن عند هذا المستوى." لكنّ أحداً ليس عند هذا المستوى الآن، وقد لا يكون لفترةٍ طويلة لأنّ ثمّة احتمالاً حقيقياً بأن تزداد إسبانيا قوّةً في السنوات المقبلة.كما قال Juan Mata : "هذا ليس فريق الحاضر فحسب، بل فريق المستقبل أيضاً."
ما شهدناه الأحد، إذن، قد لا يكون نهاية الطريق الذي تحدّث عنه De la Fuente، بل خطوةً أخرى نحو بناء سلالةٍ كروية قد تكتب عقداً من الهيمنة لم يسبق له مثيل.
أخبار ذات صلة

كاسيميرو يحقق حلمه بجانب ميسي ويشيد بهالاند بعد سحق البرازيل في كأس العالم

آلة الأهداف: نجم بنفيكا يسحر برشلونة بـ"ثلاثية ساحرة"

لاعبٌ مطلوبٌ من ريال مدريد وبرشلونة يغادر الدوري الألماني برسومٍ منخفضة
