خَبَرَيْن logo

أزمة غذائية تهدد حياة الملايين في الصومال

تتفاقم أزمة الجفاف في الصومال، حيث يعاني 6.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. الحيوانات تموت، والأسر مضطرة للنزوح بحثاً عن الطعام. الأطفال هم الأكثر تضرراً، مع معدلات سوء التغذية في ارتفاع. اكتشفوا تفاصيل هذه الكارثة على خَبَرَيْن.

صورة تظهر جثة حيوان ميت على الأرض الجافة قرب كيسمايو، مما يعكس تأثير الجفاف على الثروة الحيوانية والأمن الغذائي في الصومال.
رجل تأثر بالجفاف يمر بجوار جثة حيوانات، بالقرب من مخيم للنازحين في ضواحي مدينة كيسمايو، في 21 أبريل 2026 [AFP]
التصنيف:مناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-على أطراف مدينة كيسمايو الساحلية جنوبي الصومال، تحوّلت الأرض إلى مقبرةٍ مفتوحة للماشية. بعض الحيوانات تُترك حيث سقطت، وأخرى تموت في أماكن ضحلة إثر مواسم أمطارٍ متتالية باءت بالفشل.

بالنسبة لكثيرٍ من الأسر الرعوية التي تعتمد على الثروة الحيوانية في غذائها ودخلها، كانت قطعان الماشية تمثّل كلّ شيء. ما كان يوماً شرياناً للحياة بات اليوم رمزاً صارخاً للخسارة.

والأثر لا يقتصر على كيسمايو وحدها، بل يمتدّ عبر البلاد كلّها: 6.5 مليون شخص مضطرّون يومياً إلى تخطّي وجباتهم والنوم على الجوع. والجفاف مع ارتفاع الأسعار يدفعان البلاد نحو مزيدٍ من الانهيار.

تقول فرانشيسكا سانجيورجي، المديرة الإنسانية في منظمة Save the Children، إنّ هذه الأزمة تتغذّى على صدماتٍ مناخية متكرّرة تتراكم آثارها مع الوقت. وتوضح: "نشهد فشل مواسم أمطارٍ متعددة متتالية في أرجاء البلاد"، مضيفةً أنّه حتى حين تهطل الأمطار، فإنّها كثيراً ما تكون متفرّقة وتأتي متأخّرة جداً لاستعادة سُبُل العيش التي انهارت أصلاً.

ما حجم الأزمة؟

الأزمة الغذائية في الصومال بالغة الخطورة وتتفاقم بوتيرةٍ متسارعة.

يعاني ثلث السكان من انعدامٍ حادّ في الأمن الغذائي مصنَّفون في المرحلة الثالثة أو أعلى وفق مؤشّر التصنيف المرحلي المتكامل (IPC) ويعجز كثيرٌ من الأسر عن تأمين الحدّ الأدنى من احتياجاتها الغذائية اليومية، بل يصل الأمر في بعض الحالات إلى الحرمان التامّ من الطعام، ممّا يُعرّضهم لخطر سوء التغذية وأمراضٍ كالإسهال والحصبة وسواها من الأوبئة.

ومن بين هؤلاء، يقع أكثر من 2 مليون شخص في المرحلة الرابعة أو مستوى الطوارئ، حيث تواجه الأسر شُحّاً بالغاً في الموارد وتُضطرّ بشكلٍ متزايد إلى النزوح بحثاً عن الاحتياجات الأساسية، نحو مخيّمات إغاثةٍ مكتظّة أصلاً تتآكل مواردها يوماً بعد يوم.

والأطفال هم الأكثر تضرّراً. فوفق الأمم المتحدة، يتعرّض ما يُقدَّر بـ 1.8 مليون طفلٍ دون سنّ الخامسة في الصومال لخطر سوء التغذية الحادّ، مع تهديدٍ مباشر لحياتهم.

وتُلاحظ سانجيورجي أنّ التدهور يسير بخطىً متسارعة وآثاره باتت ظاهرة للعيان. وتشرح: "الوضع في أوساط الأطفال في البلاد مثيرٌ للقلق البالغ. نشهد انتشاراً لأمراض الأطفال في شتّى أنحاء البلاد، ومعدّلات التسرّب المدرسي مرتفعةٌ جداً الآن وتواصل ارتفاعها بسبب الجفاف. نريد أن نضمن للأطفال فرصةً للحياة الحصول على خدمات الصحة والتغذية التي يحتاجونها، فضلاً عن التعليم."

وبحسب منظمة أطباء بلا حدود (MSF)، اضطرّ أكثر من 3.3 مليون شخص إلى النزوح، ممّا يُلقي بأعباءٍ ثقيلة على الموارد والخدمات الأساسية المحدودة أصلاً في هذه المجتمعات.

كيف تبدو الأزمة على أرض الواقع؟

قرب كيسمايو، نشأ أحد أكبر مخيّمات النازحين في الصومال، يأوي أسراً لا تجد ما تأكله وقطعت مسافاتٍ طويلة من أرجاء إقليم جوبالاند.

تروي إحدى النساء كيف تقلّص قطيعها من 200 رأسٍ من الماشية إلى أربعة فقط، وهو ما يعني انهيار مصدر رزقها بالكامل.

أمّا بروقو عدن، النازحة من جمامة في منطقة جوبا السفلى، فقد وصلت إلى المخيّم منذ فترةٍ وجيزة، غير أنّ طفلتها البالغة ثمانية أشهرٍ باتت في المستشفى المحلّي تُعالَج من سوء تغذيةٍ حادّ جرّاء شُحّ الموارد.

وتصل أسرٌ أخرى بعد رحلاتٍ مُضنية، فرّت من مناطق تسيطر عليها حركة الشباب المسلّحة. فهودان محمد، إحدى النازحات، مشت أياماً وعبرت نهر جوبا بالقارب قبل أن تصل إلى مستوطنةٍ مكتظّة، لا تعلم ما الذي ستجده. وكحال كثيرٍ من الوافدين الجدد، هي الآن تنتظر مساعداتٍ شحيحة وغير مضمونة.

وتوضح سانجيورجي أنّ النزوح المتكرّر أي اضطرار من نزحوا أصلاً إلى النزوح مرةً أخرى بات يتكرّر بوتيرةٍ متصاعدة. وتقول: "مع استمرار تراجع الخدمات والسلع في أرجاء البلاد، تواصل أسعار السلع الأساسية ارتفاعها أيضاً."

يبلغ عدد النازحين الصوماليين حالياً أكثر من 3.8 مليون شخص، أي ما يعادل 22 بالمئة من إجمالي السكان. وكثيرٌ منهم اقتُلعوا من ديارهم أكثر من مرّة، ينتقلون من مستوطنةٍ إلى أخرى كلّما تآكلت موارد الإغاثة وضاقت سُبل الحصول على الدعم.

ما الذي يُغذّي هذه الأزمة؟

في جوهرها، تتحرّك الأزمة أساساً بفعل الصدمات المناخية.

شهد الصومال ثلاثة مواسم أمطارٍ متتالية فاشلة في السنوات الأخيرة، أدّت إلى جفاف الأنهار والآبار والمراعي.

وعلى المجتمعات التي تعتمد على الثروة الحيوانية، كان الأثر فورياً: الحيوانات تنفق وسُبل العيش تتلاشى معها.

ومع انهيار الإنتاج المحلّي، باتت الأسر مضطرّةً إلى الشراء من الأسواق في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الغذاء والوقود والمياه. وفي المناطق الريفية تحديداً، لم تعد الدخول تكفي لتغطية الاحتياجات.

ويُضاف إلى ذلك انعدام الأمن الناجم عن النزاعات المسلّحة، الذي يُهجّر المجتمعات ويُقيّد وصول العاملين في المجال الإنساني إلى بعض المناطق.

وخارج الصومال، أسهمت الأزمة الاقتصادية العالمية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تضييق سلاسل الإمداد. وأفاد مسؤولٌ أممي رفيع لوكالة Reuters في مارس بأنّ هذه الاضطرابات تُراكم التكاليف وتُضعف القدرة على إيصال المساعدات في ظلّ ضغوطٍ متنامية على المنظومة الإنسانية.

وأفادت منظمة أطباء بلا حدود الشهر الماضي بأنّ تكاليف النقل ارتفعت بنسبةٍ تصل إلى 50 بالمئة في أجزاءٍ من الصومال، ممّا يجعل وصول الناس إلى المرافق الصحية أمراً أعسر، ويرفع تكلفة تقديم الرعاية مع ارتفاع أسعار الوقود.

كما أشارت المنظمة إلى أنّ أكثر من 200 منشأةٍ صحية وتغذوية أغلقت أبوابها منذ مطلع عام 2025 بسبب تقليصاتٍ حادّة في التمويل، تاركةً ثغراتٍ كبيرة في خدماتٍ صحية كانت أصلاً مُثقَلة بفوق طاقتها.

كيف يبدو انهيار المنظومة الإنسانية؟

في الوقت الذي تتصاعد فيه الحاجة إلى المساعدات، تتقلّص قدرات التمويل الإنساني والاستجابة بشكلٍ متواصل.

خطّة الاستجابة الأممية للصومال لا تحظى حالياً إلّا بتمويلٍ يعادل 20 بالمئة ممّا تحتاجه إذ تبلغ الحاجة 1.42 مليار دولار، في حين لم يُجمَع سوى 288 مليون دولار. وقد أجبر هذا الفارق الشاسع على تقليصاتٍ جوهرية، إذ انخفض عدد المستهدفين بالمساعدة من 6 ملايين شخصٍ إلى 1.3 مليون فقط.

وبالنسبة للصومال الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على الغذاء المستورد والمساعدات الخارجية، فإنّ التداعيات فورية: إمداداتٌ أقلّ تصل إلى الموانئ، وتكاليف توصيل المواد الأساسية في ارتفاعٍ مستمرّ، ممّا يختبر منظومةً هشّة أصلاً.

وكما قال توم فليتشر، المسؤول الأممي عن الشؤون الإنسانية، لوكالة Reuters في مارس: "هذه القيود ستُلحق الضرر بسلاسل إمدادنا الإنسانية، وستُقلّص الإمدادات الإنسانية التي يمكننا إيصالها إلى من يحتاجونها، كما ستدفع تكاليف الطاقة والغذاء نحو الارتفاع في المنطقة بأسرها. هذا حقاً عاصفةٌ مثالية من العوامل المتشابكة في هذه اللحظة، وأنا قلقٌ بالغ القلق."

وقد جرى تقليص الاستجابة الإنسانية بنسبة 75 بالمئة، ما يعني أنّ ملايين الصوماليين لم يعودوا يتلقّون أيّ مساعدة، حتى وهي الأزمة تتعمّق يوماً بعد يوم على أرض الواقع.

أخبار ذات صلة

Loading...
جهاز قياس بحري في المحيط، يراقب صحة المحيطات، وسط سماء غائمة، في سياق تقليص تمويل مشروع رصد المحيطات.

المحيطات في أزمة.. إدارة ترامب تتخلّى عن نظام مراقبة قاع البحار الحيوي

تسجل المحيطات تغيرات غير مسبوقة، بينما تتخذ إدارة ترامب خطوات مقلقة لتفكيك منظومة رصد المحيطات. هل نغامر بمستقبل كوكبنا؟ تابع القراءة لتكتشف كيف يؤثر هذا القرار على المناخ والعلوم البحرية.
مناخ
Loading...
امرأة تحمل مثلجات وتخرج من محطة مترو في لندن خلال موجة حر غير مسبوقة، حيث تتجاوز درجات الحرارة 34 درجة مئوية.

أوروبا تعاني من موجة حرّ مبكّرة فتّاكة: الأسباب العلمية

تضرب أوروبا موجة حرّ غير مسبوقة في مايو 2026، حيث سجّلت المملكة المتحدة درجات حرارة قياسية تفوق المعدلات الطبيعية. هل نحن أمام تحول مناخي خطير؟ اكتشف المزيد عن تداعيات هذه الظاهرة المقلقة وتأثيراتها على حياتنا.
مناخ
Loading...
رجل يرتدي نظارات شمسية ووشاحًا برتقاليًا يسير في شارع مزدحم، بينما تظهر امرأة ترتدي حجابًا خلفه، مما يعكس تأثير موجة الحر الشديدة في الهند.

كيف احتكرت دولة واحدة أعلى 50 درجة حرارة على الأرض في يوم واحد

في أبريل، شهدت الهند حدثًا غير مسبوق، حيث احتلت مدنها المراتب الخمسين الأولى في قائمة أشدّ مدن العالم حرارة. هل تستعد لمواجهة تحديات المناخ المتزايدة؟ اقرأ المزيد لتكتشف التأثيرات المدمرة لموجات الحرّ على البلاد.
مناخ
Loading...
جسيمات صغيرة ملونة من البلاستيك، تتجمع على أصابع اليد، تمثل تلوث الميكروبلاستيك وتأثيره على الاحترار العالمي.

المحيط الهادئ يعج بالبلاستيك: كارثة مرئية وأزمة خفية أعمق

بينما تتكدس النفايات البلاستيكية في المحيط الهادئ، تكشف دراسة جديدة عن تأثيرها الخفي على المناخ. هل تساءلت يومًا كيف يمكن لجسيمات صغيرة أن تؤثر في الاحترار العالمي؟ اكتشف المزيد عن هذه الظاهرة المثيرة.
مناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية