بيان Palantir يثير الجدل حول الثقافة والسياسة
تثير Palantir Technologies جدلاً واسعاً بعد نشرها وثيقة تدعو للخدمة الوطنية الإلزامية وتؤكد على "الواجب الأخلاقي" لشركات التكنولوجيا في الدفاع العسكري. هل هي رؤية جديدة أم خطر يهدد الحريات؟ اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

تخيّل أنّ شركة برمجيات تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي وثيقةً من 22 نقطة تدعو فيها إلى الخدمة الوطنية الإلزامية، وتُقرّر أنّ على شركات التكنولوجيا "واجباً أخلاقياً" للمشاركة في الدفاع العسكري، وتُميّز بين ثقافات "متقدّمة" وأخرى "متخلّفة ومضرّة". هذا بالضبط ما فعلته Palantir Technologies هذا الأسبوع.
نشرت شركة Palantir التكنولوجية الأمريكية العملاقة ما وصفته بملخّص لكتاب يحمل عنوان "The Technological Republic"، من تأليف الرئيس التنفيذي للشركة Alex Karp ورئيس الشؤون المؤسّسية Nicholas Zamiska. والكتاب ليس مجرّد رؤية تقنية؛ إذ تتجاوز مواقفه بمراحل ما يُتوقّع عادةً من شركة في قطاع التكنولوجيا: فهو يدعو إلى تطبيق الخدمة الوطنية، ويؤكّد على "الواجب الأخلاقي" لشركات التكنولوجيا في المشاركة الدفاعية، ويُقرّ بضرورة القوة الصلبة لانتصار ما يسمّيه القوى الحرّة والديمقراطية، ويُرحّب بحضور الدين في الحياة العامة.
جاء نشر هذه الوثيقة التي تبدو بياناً سياسياً من 22 نقطة في توقيتٍ بالغ الحساسية لـ Palantir، التي تواجه انتقاداتٍ واسعة على مستوى العالم بسبب دعمها لحملة الترحيل الصارمة التي يقودها الرئيس الأمريكي Donald Trump، وبسبب دعمها للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية المحتلّة.
وقد أثار تركيز الكتاب على التراتبية الثقافية وما يصفه بالثقافات "المتخلّفة" قلقاً واسعاً في أوساط كثيرة.
وعلّق Eliot Higgins، مؤسّس منصّة التحقيقات الرقمية Bellingcat، بسخريةٍ لافتة على ما وصفه بـ"الأمر الطبيعي تماماً" أن تنشر شركة تكنولوجيا بياناً يهاجم المعايير الديمقراطية. وأضاف Higgins: "من المهمّ أيضاً أن نكون واضحين بشأن هويّة من يُجادل بهذا الكلام. Palantir تبيع برمجيات تشغيلية لوكالات الدفاع والاستخبارات والهجرة والشرطة. هذه النقاط الـ 22 ليست فلسفةً معلّقةً في الهواء، بل هي الأيديولوجيا العلنية لشركةٍ تعتمد إيراداتها على السياسات التي تروّج لها."
فما هي Palantir، ولماذا تُثير كلّ هذا الجدل، ولماذا نشرت هذا "البيان" الآن؟
ماذا يقول الكتاب؟
إلى جانب الحديث عن القوة الصلبة اللازمة لاستبدال "الخطاب الرنّان" الذي كان يُستخدم للدفاع عن "المجتمعات الحرّة والديمقراطية"، يهاجم الكتاب ما يسمّيه "نفسنة السياسة الحديثة" (psychologization of modern politics)، في إشارةٍ تبدو نقداً لكلّ من يرى المؤلّفان أنّه بات متعلّقاً عاطفياً بممثّليه السياسيين وهويّته.
ويرى المنتقدون أنّ الدعوة إلى الاهتمام الأقلّ بالسياسة ما هي إلّا محاولةٌ للتهرّب من المواقف السياسية المثيرة للجدل التي تتبنّاها Palantir، وانفتاحها على العمل مع سياساتٍ حكومية تُقيّد الحريات. ويُثير قلقاً إضافياً تأكيد الكتاب على "التزام" قطاع التكنولوجيا بالمشاركة في الدفاع الوطني، وعلى ما يصفه بحتمية تطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي.
ومن بين ما يتضمّنه الكتاب دفاعٌ ضمني عن المليارديرات، ومنهم Elon Musk، إذ يرى المؤلّفان أنّ إنجازاته لا تُقابَل بـ"فضول أو اهتمام حقيقي"، بل يُسخر منها من قِبَل من يستهزئون برجل الأعمال المولود في جنوب أفريقيا. وكان Musk قد تعرّض لانتقاداتٍ حادّة بسبب ترؤّسه لـ DOGE أو "وزارة كفاءة الحكومة الأمريكية"، التي ألغت عدداً من الوكالات الحكومية دون مراعاةٍ تُذكر للأدوار التي تضطلع بها، أو للإجراءات القانونية والسياسية اللازمة لإغلاقها.
ويختتم بيان Palantir بانتقاد "إغراء التعدّدية الفارغة والجوفاء"، مُقرِّراً أنّ الالتزام الأعمى بالشمولية والتعدّدية "يتجاهل حقيقة أنّ ثقافاتٍ بعينها، بل وثقافاتٍ فرعية، أنتجت روائع. في حين ثبت أنّ ثقافاتٍ أخرى متوسّطة، بل متخلّفة وضارّة".
كيف تفاعل الناس مع البيان؟
بشكلٍ سلبي إلى حدٍّ بعيد.
وصف Mark Coeckelbergh، الفيلسوف البلجيكي المتخصّص في فلسفة التكنولوجيا والأستاذ في جامعة Vienna، رسائل Palantir بأنّها "نموذجٌ للفاشية التكنولوجية"، فيما قال الاقتصادي اليوناني ووزير المالية السابق Yanis Varoufakis إنّ Palantir أعلنت فعلياً استعدادها "لإضافة تهديد الذكاء الاصطناعي لوجود البشرية إلى جانب خطر الإبادة النووية".
أمّا Arnaud Bertrand، رجل الأعمال والمحلّل الجيوسياسي، فقد كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ Palantir كشفت عن "أجندةٍ أيديولوجية" خطيرة.
وأضاف: "هم يقولون فعلياً: أدواتنا ليست لخدمة سياستك الخارجية، بل لفرض سياستنا نحن."
ما هي Palantir؟
تُعدّ Palantir Technologies واحدةً من أكثر شركات تحليل البيانات نفوذاً في العالم، وقد حصلت على عقودٍ ضخمة مع حكوماتٍ وجيوشٍ وشركاتٍ عالمية كبرى.
تأسّست الشركة عام 2003 على يد Alex Karp و Peter Thiel، بدعمٍ من In-Q-Tel، الذراع الاستثمارية لوكالة CIA الأمريكية، وبنت أعمالها الأولى على العمل الاستخباراتي الذي أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثمّ توسّعت دولياً لتشمل عقوداً في أوروبا والشرق الأوسط وما هو أبعد.
ويُفهم أنّ Thiel، رغم احتفاظه بحصصه في الشركة، لم يعد يؤدّي دوراً فاعلاً في إدارتها اليومية، فيما رسّخ Karp نفسه بوصفه الواجهة العلنية للشركة.
في عهد Karp، استعانت Palantir بشكلٍ لافت بخبرات عناصر سابقة من وحدة الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية المعروفة بـ"الوحدة 8200". وبعد إعلان الشركة "شراكةً استراتيجية" مع إسرائيل في يناير 2024، توسّعت مشاركتها في غزة والضفة الغربية المحتلّة توسّعاً ملحوظاً. إذ بدأت Palantir بدمج مصادر متعدّدة من اتصالاتٍ مُعترَضة وصورٍ فضائية وبياناتٍ رقمية متنوّعة لإنتاج قواعد بيانات استهداف، أو ما يُعرف بـ"قوائم القتل"، لصالح الجيش الإسرائيلي.
كما نسجت الشركة علاقاتٍ وثيقة مع أجهزة الأمن الأمريكية، لا سيّما في عهد إدارة Trump التي يُعدّ Thiel من أبرز المتحمّسين لها، وعملت أيضاً مع إسرائيل في سياق احتلال الضفة الغربية والإبادة الجارية في غزة.
ووفقاً لمنتقدي الشركة، ومنهم منظمة Amnesty International لحقوق الإنسان، فإنّ "Palantir لديها سجلٌّ حافل بالتجاهل الصريح للقانون الدولي ومعاييره، سواءٌ في انتهاكات حقوق المهاجرين في الولايات المتحدة التي تُسهم في تعزيزها، أو في استمرار تزويدها الجيشَ الإسرائيلي وأجهزة استخباراته بمنتجاتٍ وخدمات ذكاءٍ اصطناعي مرتبطة بالإبادة الجارية في غزة."
ما التهم الموجّهة إلى Palantir في إسرائيل والولايات المتحدة؟
واجهت Palantir Technologies انتقاداتٍ واسعة حول العالم بسبب تمكينها لأنظمة المراقبة الحكومية والمنظومات العسكرية في الولايات المتحدة وإسرائيل.
في الولايات المتحدة، تُتّهم الشركة بدعم أدوات تطبيق قوانين الهجرة والشرطة التي تجمع كمياتٍ هائلة من البيانات الشخصية، بما فيها المعلومات الطبية، ممّا يُتيح التنميط ويُثير مخاوف جدّية تتعلّق بضمانات المحاكمة العادلة والخصوصية. وفي إسرائيل، يزعم المنتقدون أنّ منصّات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات التابعة لها استُخدمت في العمليات العسكرية بغزة، وربّما أسهمت في قراراتٍ استهدافية تقف وراء الإبادة الإسرائيلية هناك.
وفي ردٍّ على بعض الأسئلة في وقتٍ سابق من هذا العام، قال متحدّثٌ باسم Palantir: "بوصفها شركة، تدعم Palantir إسرائيل. اخترنا دعمها بسبب الأحداث التي وقعت في السابع من أكتوبر. وبشكلٍ أوسع، اخترنا دعمها لأنّنا نؤمن بدعم الغرب وحلفائه وإسرائيل حليفٌ مهمّ للغرب.
لماذا نشرت Palantir هذا "البيان" الآن؟
السياق يُجيب عن هذا السؤال إلى حدٍّ بعيد.
فضلاً عن القلق المتصاعد في أوساط الديمقراطيين الأمريكيين، وجّه سياسيون في ألمانيا وإيرلندا والبرلمان الأوروبي انتقاداتٍ حادّة للشركة، إذ أشار أحد المشرّعين الألمان المتخصّصين في الأمن السيبراني إلى أنّ منتجاتها لا ترقى إلى معايير الأمن المعمول بها في الاتحاد الأوروبي.
وفي المملكة المتحدة، أشعل الجدلُ حول اعتماد هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) لتكنولوجيا Palantir موجةً من أشدّ الانتقادات حتى الآن. ففي نقاشٍ برلماني الأسبوع الماضي، وصف أعضاء البرلمان الذين طالبوا بالاستفادة من فرصة الخروج المبكّر من عقد الشركة البالغة قيمته 330 مليون جنيه إسترليني (446.4 مليون دولار) مع هيئة الصحة الوطنية، وصفوا Palantir بأنّها "مروّعة" و"مخزية"، وهو ما اضطرّت معه الحكومة البريطانية ذاتها إلى الإقرار بأنّها "ليست من المعجبين" بسياسات الشركة الأمريكية.
في المقابل، دافع Louis Mosley، رئيس Palantir Technologies في المملكة المتحدة، عن الشركة بالقول إنّها لا تهتمّ ببيانات المرضى، وإنّها لا تعدو كونها أداةً لتحسين إدارة موارد الخدمات الصحية.
ما الذي يعنيه كلّ هذا فعلياً؟ يعني أنّ Palantir تجد نفسها في مواجهةٍ متصاعدة مع الرأي العام الغربي في الوقت ذاته الذي تسعى فيه إلى توطيد عقودٍ حكومية ضخمة. ونشر هذا البيان الأيديولوجي في هذا التوقيت لا يبدو دفاعاً، بل يبدو رهاناً على أنّ الهجوم أحياناً هو أفضل وسائل الدفاع.
أخبار ذات صلة

IBM وشركاء يحصلون على 2 مليار دولار أمريكي لتعزيز التفوق الكمي

ترامب قد يوقّع أمراً تنفيذياً بشأن الذكاء الاصطناعي الخميس المقبل

الثورة الشمسية الكوبية: كيف تتحدّى الحصار بتكنولوجيا صينية
