ارتفاع أسعار النفط وتأثيره على الاقتصاد العالمي والمستهلكين
سعر النفط يعود فوق 100 دولار بعد ضربات أمريكية على ناقلات إيرانية وهجمات حوثية على السعودية مما يزيد التوتر في مضائق النفط الرئيسية ويدفع أسعار الوقود والديزل للارتفاع ويزيد الضغط على المستهلكين في خَبَرَيْن.

تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل مجدّداً، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ يوليو الماضي، في جلسة تداول واحدة أعادت رسم خريطة المخاوف الاقتصادية العالمية. الرقم وحده كافٍ لإثارة القلق، لكنّ ما يجعله أشدّ وطأةً هو السياق الذي جاء فيه: ضربات أمريكية على ناقلات إيرانية، وهجمات حوثية على البنية التحتية السعودية، وممرّات ملاحية باتت مصدر توتّر يومي.
أرقام الجلسة: ارتفاع حادّ في يوم واحد
ارتفع خام Brent بنسبة 3.36% يوم الأربعاء، مستقرّاً عند 101.21 دولار للبرميل في أعلى إغلاق يُسجّله منذ 22 مايو. وعلى الجانب الأمريكي، قفز خام النفط الأمريكي بنسبة 3.25% ليُغلق عند 96.05 دولار للبرميل، وهو أيضاً أعلى إغلاق منذ 22 مايو. والأرقام التراكمية أكثر إثارةً للانتباه: كلا المؤشّرَين سجّلا ارتفاعاً يتجاوز 65% منذ مطلع العام الجاري.
للتذكير بالسياق الزمني: تجاوز Brent حاجز 100 دولار لأوّل مرة هذا العام في 12 مارس، ثمّ تراجع إلى 72 دولاراً في يونيو إثر الاتفاق الأمريكي-الإيراني الذي أعاد فتح مضيق هرمز، قبل أن يعود للتسلّق فوق هذا المستوى في يوليو، ويستمرّ الصعود حتى اليوم.
الشرارة: ضربات في الخليج وهجمات على الأراضي السعودية
الحدث المباشر الذي أشعل الأسواق يوم الثلاثاء كان مزدوجاً: شنّت الولايات المتحدة ضربات على 4 ناقلات إيرانية في خليج عُمان وناقلة خامسة قرب جزيرة خارك، وهي الجزيرة التي تُشكّل عصب صادرات النفط الإيرانية. في الوقت ذاته، شنّ الحوثيون المدعومون من إيران هجمات على المملكة العربية السعودية، استهدفت منشآت نفطية وبنية تحتية حيوية.
هذا التوسّع الجغرافي للصراع من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب هو ما يُقلق المحلّلين أكثر من أيّ حدث منفرد. فالمضائق الثلاثة تمثّل شرايين رئيسية لحركة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، وأيّ اضطراب فيها يُترجَم فوراً إلى أسعار في المضخّة وعلى طاولة المستهلك.
قال Dennis Kissler، نائب الرئيس الأوّل للتداول في BOK Financial: "سيظلّ المتداولون مركّزين على حركة أحجام النقل الخارجة من الشرق الأوسط، إذ بات واضحاً أنّ هذه الأحجام قادرة على التغيّر بسرعة كبيرة جدّاً."
ما يدفعه المستهلك: الوقود والديزل والضغط على الدخل
الأثر الأوضح للارتفاع النفطي يتجلّى في محطّات الوقود الأمريكية، وإن كانت التداعيات أبعد مدىً من ذلك بكثير. ارتفع متوسّط سعر البنزين في الولايات المتحدة بمقدار 7.3 سنتات للغالون يوم الأربعاء، وهو أكبر ارتفاع يومي منذ 1 مايو، ليبلغ 4.22 دولار للغالون أعلى مستوى منذ 4 يونيو. وللمقارنة: كان السعر 3.19 دولار للغالون قبل عام، و2.98 دولار قبل اندلاع الحرب مع إيران.
لكنّ الرقم الأكثر حدّةً كان سعر الديزل، الذي سجّل رقماً قياسياً بلغ 5.94 دولار للغالون. الديزل ليس وقود السيارات الخاصة فحسب، بل هو وقود الشاحنات والسفن وسلاسل الإمداد بأسرها وهذا ما يجعل ارتفاعه أكثر إيلاماً على المستوى الاقتصادي الكلّي.
أوجز Ole Hansen، رئيس استراتيجية السلع في Saxo Bank، المشهد بعبارة دقيقة: "إنّ التزامن بين ارتفاع أسعار الديزل وزيت الطائرات ووقود السفن والغاز الطبيعي يُشكّل ضغطاً بالغ الإزعاج على المستهلكين حول العالم، الذين يجدون أنفسهم أمام دخلٍ متاح يتآكل يوماً بعد يوم."
وتجدر الإشارة إلى أنّ موسم ما بعد عيد العمال الأمريكي اعتاد تاريخياً أن يشهد تراجعاً في أسعار الوقود، لكنّ هذا العام يسير عكس المنطق الموسمي المعتاد.
توقّعات EIA والأفق الزمني للأزمة
أصدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) تحديثاً لتوقّعاتها يعكس حجم التحوّل في المشهد. تتوقّع الإدارة أن يبلغ متوسّط سعر Brent 91 دولاراً للبرميل في عام 2023، ارتفاعاً من توقّع 87 دولاراً قبل شهر واحد فقط. وفي عام 2024، يُرجَّح أن يبلغ المتوسّط 74 دولاراً، مقارنةً بتوقّع سابق عند 69 دولاراً.
أمّا على صعيد المستهلك الأمريكي، فتتوقّع EIA أن يبلغ متوسّط سعر البنزين 3.84 دولار للغالون خلال 2023، و3.35 دولار في 2024. والأهمّ من ذلك أنّ الإدارة تتوقّع أن يظلّ إنتاج النفط في الشرق الأوسط دون مستويات ما قبل الصراع حتى الربع الثاني من عام 2024 على الأقلّ وهو مؤشّر على أنّ الضغط على الأسعار لن يتبدّد قريباً.
ما وراء النفط: الأسواق المالية وسعر الفائدة
لم تكن أسواق الأسهم بمنأى عن هذا الاضطراب. تراجع مؤشّر S&P 500 بنسبة 0.4% يوم الأربعاء، ليكون قد فقد نحو 2% من قيمته منذ تسجيله مستوىً قياسياً في منتصف أغسطس. وتزامن ذلك مع ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.84%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023.
هذا التزامن ارتفاع أسعار الطاقة مع ارتفاع العوائد يضع البنوك المركزية في موقف بالغ الحساسية. الضغط التضخّمي الناجم عن الوقود قد يدفع نحو رفع أسعار الفائدة أو إبقائها مرتفعة لفترة أطول، في حين أنّ التباطؤ الاقتصادي المحتمل يستدعي المنطق المعاكس.
متغيّر آخر يستحقّ المتابعة: الطلب الصيني على النفط. التراجع في واردات الصين أسهم حتى الآن في تخفيف حدّة الارتفاع السعري، لكنّ أيّ تعافٍ في هذا الطلب سيُضيف وقوداً إضافياً على نار الأسعار المشتعلة أصلاً.
ما يُنتظر هذا الأسبوع
المشهد الراهن يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات: هل ستتّسع رقعة الصراع لتطال منشآت إنتاج إضافية في المنطقة؟ وهل ستُفضي الهجمات الحوثية على السعودية إلى تراجع في طاقتها الإنتاجية أو التصديرية؟ وكيف ستتعامل البنوك المركزية مع موجة تضخّم مدفوعة بعوامل جيوسياسية لا بعوامل طلب؟
المتداولون سيُبقون أعينهم على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر، وعلى أيّ تصريحات تصدر عن أوبك+ بشأن مستويات الإنتاج. في أسواق الطاقة، السرعة التي تتغيّر بها الأحجام — كما أشار Kissler باتت هي المتغيّر الأصعب في المعادلة.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
