أسواق النفط تواجه تحديات الحرب وتوازن الأسعار
ستة أشهر على الحرب مع إيران والأسواق النفطية تواجه تحديات كبيرة لكن لا تزال صامدة بفضل زيادة الإنتاج وتحويل طرق الشحن وتراجع الطلب. هل تستمر الأسعار مستقرة أم نواجه موجة جديدة من الارتفاع؟ تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

ستة أشهر مضت على اندلاع الحرب مع إيران، وأسواق النفط العالمية لا تزال تعمل — بصعوبة، وبكلفة باهظة، لكنّها تعمل. الأسرة الأمريكية المتوسطة دفعت ما يقارب 800 دولار إضافية في فاتورة الوقود منذ بدء النزاع، وخسر السوق ما يُعادل 13 مليون برميل يومياً من الإمدادات — وهو أكبر صدمة عرض في تاريخ النفط الحديث. ومع ذلك، لم ينهار الاقتصاد العالمي، ولم تتجاوز الأسعار حدود الكارثة. السؤال الذي يشغل المحللين الآن ليس كيف صمد السوق حتى اليوم، بل إلى متى يمكنه الاستمرار على هذا المنوال.
كيف بقيت الأسواق واقفة على قدميها؟
الجواب مركّب، ولا يُختزل في عبارة واحدة. نتاشا كانيفا، كبيرة محللي السلع في JPMorgan، لخّصته بجملة لافتة: "البراميل تجد طريقها للتدفق". لكنّ هيليما كروفت، المسؤولة عن السلع العالمية في RBC Capital Markets والمحللة السابقة في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كانت أكثر صراحةً: "ليس اليد الخفية للسوق هي من تفعل ذلك. إنّه الجيش يجد طريقه".
ما جرى فعلياً هو تضافر ثلاثة عوامل: بدايةً، حوّلت المملكة العربية السعودية عدة ملايين من براميل النفط يومياً عبر خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، متفاديةً نقطة الاختناق الأكثر حساسيةً في العالم. وفي الوقت ذاته، رفعت كلٌّ من الولايات المتحدة وفنزويلا والبرازيل وغيانا وكندا إنتاجها بمقدار نحو 2 مليون برميل يومياً مجتمعةً. أمّا العامل الثالث، فكان الأقل توقّعاً: انخفض الطلب العالمي على النفط بحوالي 5 ملايين برميل يومياً، جرّاء تراجع حركة السفر وانتشار السيارات الكهربائية والعمل عن بُعد، فضلاً عن شُح طاقة التكرير في الشرق الأوسط وروسيا والصين.
الاحتياطيات على المحك
لم تمرّ الأشهر الستة دون ارتجاجات. في يوليو، وصلت مرافق تخزين النفط في كوشينغ بولاية أوكلاهوما — المستودع المرجعي لخام غرب تكساس الوسيط — إلى حدودها التشغيلية الدنيا، مثيرةً مخاوف جدية من انقطاع في الإمدادات. غير أنّ المستودع تعافى جزئياً في الأسابيع الأخيرة.
الصين من جهتها لا تزال تستورد نفطاً بمعدلات أقل بملايين البراميل يومياً مقارنةً بما كانت عليه قبل الحرب، وإن كانت قد رفعت وارداتها تدريجياً في الفترة الأخيرة. وتُشير التقديرات إلى أنّ مخزوناتها الاستراتيجية تبلغ نحو مليار برميل. والمفارقة أنّ الصين ذاتها باتت تُصدّر من السيارات الكهربائية ما يُثقل طاقة الشحن البحري العالمية.
ماذا تقول التوقعات؟
الأسبوع الماضي، نشر JPMorgan تقريراً يُقدّر أسعار النفط عند نحو 87 دولاراً للبرميل إذا استمرّ النزاع، مقابل 64 دولاراً في حال التوصّل إلى تسوية. وفي السياق ذاته، توقّعت مجموعة Rapidan Energy Group أن يبلغ خام برنت 89 دولاراً للبرميل العام المقبل في ظلّ استمرار الصراع. بوب مكنالي، رئيس ومؤسّس المجموعة والمستشار الأمريكي السابق للطاقة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، لم يُخفِ قلقه: "لا نرى عودةً كاملة لمضيق هرمز. الحرب الأبدية — بتهديدها لأهمّ منطقة إمداد في العالم — ستُعجّل بطفرة في أسعار النفط والغاز".
وكالة معلومات الطاقة الأمريكية توقّعت الأسبوع الماضي أن تظلّ صادرات مضيق هرمز مقيّدة حتى نهاية العام. وأفادت S&P Global Energy بأنّها لا تتوقّع عودة إنتاج النفط في الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول نهاية العام المقبل. جيم بوركهارد، رئيس أبحاث النفط الخام في S&P Global Energy، صاغ المشهد بدقّة: "السوق لا يعود إلى الهدوء. إنّه يتكيّف مع الوضع الطبيعي الجديد الذي تحدّده النزاعات غير المحسومة والمخاطر البحرية المستمرّة".
هيليما كروفت طرحت السؤال الجوهري بصراحة تامّة: "هل نحن إلى الأبد في خدمة المرافقة؟ هذا عبءٌ ثقيل. هذه حلول بديلة مُكلفة". وفي المقابل، أبدى مسؤول تنفيذي في أحد كبرى البنوك — فضّل عدم الكشف عن هويّته — قدراً من التهدئة: "لا أقلق كثيرًا حيال ذلك، لكن يجب أن نكون مستعدّين. الحرب الأبدية ستجعل الجميع قلقين، لكن بعد نقطة معيّنة تدرك أنّه ببساطة الوضع الطبيعي الجديد".
ما يُنتظر في المرحلة المقبلة
المعادلة التي يقف أمامها السوق اليوم هشّة بطبيعتها: 13 مليون برميل مفقودة يومياً تُعوَّض جزئياً بخفض الطلب وزيادة الإنتاج خارج المنطقة وتحويل مسارات الشحن، لكنّ هذه الحلول البديلة تنطوي على تكاليف عسكرية ولوجستية متصاعدة. أيّ تصعيد في مضيق هرمز — الممرّ الذي يمرّ عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية — كفيل بأن يُعيد رسم خريطة الأسعار بسرعة. وبين توقّع JPMorgan عند 87 دولاراً وتوقّع Rapidan عند 89 دولاراً للبرميل، ثمّة هامش ضيّق جداً بين الاستقرار الهشّ وموجة أسعار لا تُحمد عقباها — لا سيّما إذا تزامنت مع أيّ تراجع في المخزونات الاستراتيجية أو تصعيد بحري مفاجئ.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
