اكتشافات مذهلة في أعماق المحيطات المجهولة
اكتشف العلماء 1,121 نوعًا جديدًا من الحياة البحرية، من بينها ديدان غريبة وقروش غامضة، خلال مشروع Ocean Census. مع تزايد التهديدات البيئية، باتت الحاجة ملحة لفهم وحماية هذه الأنواع قبل أن تختفي. اقرأ المزيد على خَبَرَيْن.

في أعماق المحيطات، حيث تسود الظلمة وتشتدّ الضغوط، تقيم دودةٌ داخل ما يشبه "القلعة الزجاجية"، ويسبح قرشٌ شبحيٌّ غامض، وتترصّد إسفنجةٌ مفترسة فرائسها بخطّافاتٍ مجهرية. هذه الكائنات الثلاثة ليست من وحي الخيال العلمي، بل هي من بين 1,121 نوعاً بيولوجياً "مجهولاً سابقاً" اكتشفه العلماء في محيطات العالم خلال العام الماضي.
أعلن عن هذه النتائج يوم الثلاثاء مشروع Ocean Census، وهو مبادرةٌ علمية عالمية لرسم خرائط الحياة البحرية، تضمّ أكثر من 1,000 باحث في 85 دولة. و وفق المنظّمة التي أتمّت ثلاث سنوات على تأسيسها بقيادة مؤسّسة Nippon Foundation اليابانية ومعهد Nekton البريطاني لاستكشاف المحيطات، يمثّل هذا الرقم ارتفاعاً بنسبة 54% مقارنةً بالاكتشافات اسنوية السابقة.
محيطاتٌ تزخر بالمجهول
يُعدّ المحيط من أقلّ النظم البيئية على كوكبنا دراسةً واستكشافاً، ولا سيّما أعماقه البعيدة. وقد كان الاعتقاد السائد في السابق أنّ بيئاته القاسية لا تُتيح ازدهار الحياة، غير أنّ السنوات الأخيرة كشفت عن نظمٍ بيئية غنيّة بأنواعٍ غريبة وأحياناً بالغة الغرابة.
وتواجه الحياة تحت الماء تحدياتٍ جسيمة: تغيّر المناخ يرفع حرارة المحيطات، فيما تُلقي الأنشطة البشرية بظلالها الثقيلة من خلال التلوّث الصناعي والزراعي. ويُضاف إلى ذلك التهديد المتصاعد لاستخراج المعادن من قاع البحار، الذي بات يقترب من الواقع العملي بخطواتٍ متسارعة.
وقالت Michelle Taylor، رئيسة قسم العلوم في Ocean Census: "مع تعرّض كثيرٍ من الأنواع لخطر الانقراض قبل أن تُوثَّق حتى، نحن في سباقٍ مع الزمن لفهم الحياة البحرية وحمايتها."
رحلاتٌ إلى حيث لا تصل أشعة الشمس
أجرى علماء Ocean Census 13 رحلةً استكشافية إلى بعض أكثر المحيطات في العالم عزلةً خلال العام الماضي.
قبالة السواحل اليابانية، وعلى عمق يبلغ نحو 790 متراً، اكتشف الباحثون نوعاً جديداً من الديدان الشعيرية (Polychaete) يعيش داخل إسفنجة زجاجية ذات هيكلٍ شفّاف شبكيّ الشكل مصنوعٍ من السيليكا وهي المادّة الأساسية للزجاج يُعرف بـ"القلعة الزجاجية". وتربط الإسفنجةَ والدودةَ علاقةٌ تكافلية؛ إذ تجد الدودة في القلعة الزجاجية مأوىً آمناً غنيّاً بالمغذّيات، وفي المقابل تُزيل الدودة الحطام الضارّ عن سطح الإسفنجة.
وفي أستراليا، رصد العلماء نوعاً من "قرش الأشباح" (Chimaera) على أعماق تصل إلى نحو 820 متراً. هذه الأسماك هي أقاربٌ بعيدة للقروش والأشعّة، انفصلت عنها في شجرة التطوّر منذ نحو 400 مليون سنة.
وفي تيمور الشرقية، عثر الباحثون على نوعٍ من الديدان الشريطية بطول 2.5 سنتيمتر، تتزيّن بخطوطٍ برتقالية زاهية تُعلن عن دفاعاتٍ كيميائية قوية. وقد خضعت السموم التي تُنتجها هذه الديدان لأبحاثٍ علمية باعتبارها علاجاتٍ محتملة لمرض ألزهايمر والفصام.
أمّا في الخندق الشمالي لجزر ساوث ساندويتش تلك الجزر غير المأهولة في جنوب المحيط الأطلسي فقد اكتشف العلماء على أعماق تقترب من 3,650 متراً إسفنجةً مفترسة تُعرف بـ"كرة الموت". يُغطّي جسمَها خطّافاتٌ مجهرية تشبه الخطّاف اللاصق (Velcro)، تنصب بها فخّاً للقشريات العائمة مع التيارات البحرية، ثمّ تلتهمها.
توثيقٌ علمي في سباقٍ مع الانقراض
قد يستغرق التحقّق من أنّ هذه الأنواع جديدةٌ كلياً على العلم وقتاً طويلاً. فمن المعتاد أن يمرّ ما متوسّطه 13.5 سنة بين اكتشاف النوع وتوصيفه الرسمي في الأدبيات العلمية، وفق ما أفادت به Ocean Census.
وللتسريع من هذه العملية، باتت المنظّمة تعتمد وضع "مُكتشَف" بوصفه حالةً علميةً يمكن تسجيلها فوراً في قاعدة بياناتها للأنواع البحرية. وأوضح متحدّثٌ باسم المنظّمة أنّه فور تحقّق خبيرٍ من الاكتشاف، يمكن إدراجه في منصّةٍ مفتوحة الوصول، مشيراً إلى أنّ "هذا يجعل النوع مرئياً فوراً لدى المجتمع العلمي وصانعي السياسات."
و أوضحت Tammy Horton، الباحثة العلمية في المركز الوطني لعلم المحيطات في المملكة المتحدة، أنّ نوعاً يُظنّ أنّه جديد قد يتبيّن بعد الفحص الدقيق أنّه معروفٌ سابقاً، مستدركةً: "لا أعتقد أنّ هذا يحدث كثيراً."
و أكّدت على أهمية التوصيف الرسمي، قائلةً إنّه "يُنجز العمل الفعلي للتحقّق من الجِدّة، ويمنح النوع 'جواز سفره' سجلّه الرسمي. فبدون هذا الاسم المعترف به رسمياً، لا يوجد النوع عملياً بالنسبة للعلم، ومن ثمّ لا يوجد بالنسبة للسياسات فالأنواع التي لا تحمل أسماءً لا يمكن حمايتها."
وأضافت: "المهمّ أنّ العلماء يواصلون سنةً بعد سنة اكتشاف أنواعٍ جديدة مثيرة للاهتمام في جميع أنحاء المحيط العالمي وعلى كلّ الأعماق."
الاستثمار في الأعماق أم في الفضاء؟
تسعى Ocean Census إلى أن تكون هذه الاكتشافات دافعاً لحماية الحياة البحرية ذات القيمة البيئية والعلمية والاقتصادية الهائلة وتدعو إلى ضخّ مزيدٍ من الاستثمارات في مساعي استكشاف الأنواع الجديدة.
وقال Oliver Steeds، مدير Ocean Census: "نُنفق مليارات الدولارات بحثاً عن حياةٍ على المريخ أو في الجانب المظلم من القمر. أمّا اكتشاف الجزء الأكبر من الحياة على كوكبنا في محيطنا فلا يكلّف سوى جزءٍ ضئيل من ذلك. السؤال ليس: هل نستطيع تحمّل تكلفة هذا؟ بل: هل نستطيع تحمّل تكلفة عدم فعله؟"
أخبار ذات صلة

حطام الحيتان في أعماق المحيط: اكتشافٌ يُعيد تعريفنا بدورة الحياة البحرية

لقطات نادرة لسمكة القرش الأبيض الكبيرة في البحر الأبيض المتوسط التقطتها كاميرا الغواص الشبح

رواد الفضاء بالمحطة الدولية يستعدون لإخلاء محتمل وسط إصلاحات التسرب
