خَبَرَيْن logo

تهديد الذكاء الاصطناعي لحقوق العمال في أمريكا

عيد العمال العالمي يحتفل به العالم في الأول من مايو، لكن الولايات المتحدة تفضل الاحتفال في سبتمبر. مع تزايد تأثير الذكاء الاصطناعي، تتعرض حقوق العمال للتهديد، مما يجعل مستقبلهم أكثر غموضًا. اكتشف المزيد على خَبَرَيْن.

صورة تظهر ظلال أشخاص يعملون أمام شاشات كمبيوتر مع خلفية تحمل كلمة "الذكاء الاصطناعي"، تعكس تأثير التكنولوجيا على سوق العمل.
ستزداد مشاعر الخوف في مكان العمل بلا شك مع ظهور "موظفي الذكاء الاصطناعي" الذين لا يهتمون بالحقوق ويبدأون في انتزاع الوظائف من هنا وهناك، كما تكتب بيلين فرنانديز.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الأول من مايو من كلّ عام، يحتفل معظم دول العالم بعيد العمال العالمي، إحياءً لذكرى نضال حركة العمال وما انتزعته من حقوق على مرّ العقود. وعلى الرغم من أنّ هذا اليوم إجازةٌ رسمية في كثيرٍ من دول العالم، فإنّه ظلّ على الدوام مناسبةً غير مرحَّبٍ بها في الولايات المتحدة، التي لم تُبدِ يوماً حماسةً كبيرة لا للتضامن العمالي الدولي ولا لحقوق العمال في حدّ ذاتها.

تختار الولايات المتحدة وجارتها كندا الاحتفال بعيد عمالهما الخاص في سبتمبر، بمعزلٍ عن الاحتفال العالمي. والمفارقة أنّ جذور عيد العمال العالمي تمتد إلى الأراضي الأمريكية ذاتها؛ ففي الأول من مايو عام 1886، اندلعت إضراباتٌ جماهيرية واسعة مطالِبةً بتحديد يوم العمل بثماني ساعات، فكان ردّ الأجهزة الأمنية قمعاً دامياً أودى بحياة عددٍ من المحتجّين.

أمّا اليوم، فحقوق العمال تواجه تهديداً من نوعٍ مختلف: الذكاء الاصطناعي، الذي بات يهدد حقّ العمال في العمل أصلاً.

في يناير الماضي، أعلنت Amazon ثاني أكبر جهةٍ توظيف في الولايات المتحدة بعد Walmart عن تسريح 16,000 موظف، في أحدث جولةٍ من موجات التسريح الواسعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وكان The New York Times قد كشف في أكتوبر 2025 أنّ الشركة تضع خططاً «لاستبدال أكثر من نصف مليون وظيفة بالروبوتات».

تتصدّر الولايات المتحدة حالياً سباق تطوير الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، وهو أمرٌ لا يثير الدهشة في بلدٍ يجعل من الرأسمالية المتشدّدة ديناً، ومن العامل آلةً ينبغي أن تعمل دون توقّف. فما الخطوة المنطقية التالية إذن سوى استبدال هذه الآلة البشرية بآلةٍ حقيقية؟

على صعيدٍ شخصي، أحرص عادةً على تجنّب الولايات المتحدة قدر الإمكان، إذ وجدتها بيئةً مقلِقة ومُنفِّرة قبل أن يبدأ عصر الذكاء الاصطناعي بوقتٍ طويل. وفي زيارةٍ أخيرة لمدينة San Francisco، المركز العالمي للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بدت المدينة أشدّ قتامةً ممّا عهدتها؛ لافتاتٌ إعلانية في كلّ مكان تدفع الذكاء الاصطناعي إلى حلوق المارّة دفعاً.

كنت في زيارةٍ لشابٍّ كولومبي التقيته في داريان غاب (Darien Gap)، ذلك الممرّ المميت الذي يشقّ طريقه عبره المهاجرون وسط مخاطر جسيمة، حين كان يشقّ طريقه شمالاً بحثاً عن الحلم الأمريكي أو على أقلّ تقدير عن رزقٍ يكفيه. كان يعمل في قطاع البناء في منطقة خليج San Francisco، وكنت أظنّ أنّ هذه المهنة على الأقلّ بمنأى عن تأثيرات الذكاء الاصطناعي، غير أنّ البحث على الإنترنت أثبت لي خطأ هذا الظنّ.

في الطريق إلى المدينة، كان من العسير أن تقع عينك على لافتةٍ إعلانية لا تروّج للذكاء الاصطناعي. وكانت حملةٌ إعلانية محلية نفّذتها وكالة Artisan للذكاء الاصطناعي ومقرّها San Francisco قد استقطبت اهتماماً إعلامياً واسعاً بسبب صراحتها الصادمة. إذ حملت ملصقات الشركة رسائل من قبيل: «توقّف عن توظيف البشر»، و«عصر الموظف الذكي قد حلّ»، و«الـ Artisans لن يشكوا من التوازن بين العمل والحياة».

وقد دافع المدير التنفيذي للشركة Jaspar Carmichael-Jack، البالغ من العمر 24 عاماً، عن الحملة بوصفها مقصودةً لإثارة الجدل، مؤكّداً أنّ هدف شركته ليس بالقسوة التي تبدو عليها: «نحن نسعى إلى استبدال الأعمال التي لا يريد الناس القيام بها، حتى يتفرّغوا للأعمال التي يستمتعون بها حقّاً».

بيد أنّ ثمّة شيئاً اسمه الواقع يقف في وجه هذا الطرح. فبالنسبة لشريحةٍ واسعة من الناس، الوظيفة ليست ترفاً أو مجالاً للمتعة، بل هي وسيلةٌ لتأمين قوت يومهم وتغطية متطلّبات الحياة الأساسية — وهو أمرٌ يزداد صعوبةً يوماً بعد يوم، لا سيّما في بلدٍ يُفضّل تمويل الحروب على توفير السكن الملائم والرعاية الصحية لمواطنيه.

بمعنى آخر، من المستبعد جداً أن يجد موظّف Amazon الذي فقد عمله بسبب الذكاء الاصطناعي نفسَه فجأةً يمارس ما «يستمتع به» — كأن يكون، مثلاً، مديراً تنفيذياً في الرابعة والعشرين من عمره لوكالة ذكاء اصطناعي في California.

وفي هذا السياق، قالت لي Liza Featherstone، مؤلّفة كتاب Selling Women Short: The Landmark Battle for Workers' Rights at Walmart: «تسعى الطبقة المليارديرية إلى عالمٍ بلا عمّال، أو على أقلّ تقدير إلى عالمٍ يشعر فيه العمّال بأنّهم زائدون عن الحاجة وفي وضعٍ هشٍّ دائم. إنّهم يحبّون الذكاء الاصطناعي لأنّهم لا يريدون التعامل مع مطالب العمّال البشريين بأن يُعامَلوا كـ... بشر!»

والحقيقة أنّ الهشاشة الوظيفية ليست وافدةً جديدة؛ فهي مكوّنٌ بنيوي في النظام الرأسمالي، إذ إنّ العامل الذي يخشى فقدان وظيفته يُحجم عن المطالبة بحقوقه.

ولا يحتاج المرء إلى النظر بعيداً؛ يكفي استحضار السجلّ الحديث لحملات تفكيك النقابات التي شنّتها شركاتٌ كـ Amazon و Starbucks و Trader Joe's، مستخدِمةً أساليب مخالفة للقانون صراحةً، من بينها فصل العمّال المؤيّدين للتنظيم النقابي والتهديد بحرمان الموظفين من مزايا الرعاية الصحية إن هم رفضوا السير في الاتجاه المعادي للنقابات.

ولا شكّ أنّ المناخ من الخوف في بيئات العمل سيتصاعد حين تبدأ «الموظّفات الرقمية» التي لا تعرف المطالبة بالحقوق في اقتناص الوظائف.

في المحصّلة، لا يمثّل الذكاء الاصطناعي سوى تتويجٍ لمسيرةٍ طويلة من الجهود المؤسّسية الرامية إلى تحويل سكّان الكوكب إلى آلاتٍ مدمنة على الفضاء الرقمي، فضلاً عن أنّه يمثّل استمراراً لسجلٍّ ممتدّ من قمع العمّال.

وعلى سبيل الاستطلاع، بحثت في Google عن «مشكلات الذكاء الاصطناعي» لأرى ما ستجيب به خاصية AI Overview. جاء الجواب بأنّ المشكلات تتراوح بين «الإخفاقات التقنية الآنية والمعضلات الأخلاقية إلى المخاطر المجتمعية وتهديدات السلامة على المدى البعيد».

وأشار الملخّص إلى أنّه حتى مطلع عام 2026، تتضمّن «القضايا الجوهرية» «الميل إلى توليد معلومات مضلِّلة، وترسيخ التحيّزات، وإحداث مخاطر بيئية وأمنية معلوماتية جسيمة».

غير أنّ شيئاً من هذا لم يُثنِ أثرياء المؤسّسات الكبرى عن المراهنة على الذكاء الاصطناعي. ففي 29 أبريل، كشف The New York Times أنّه في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام وحدها، ضخّت كلٌّ من Google وAmazon و Meta وMicrosoft ما مجموعه «130.65 مليار دولار في النفقات الرأسمالية، يتوجّه معظمها نحو مراكز البيانات التي تُشغّل الذكاء الاصطناعي».

وقد أشار بعض كبار المديرين التنفيذيين إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يكلّف حالياً أكثر بكثيرٍ من العمالة البشرية. لكنّ هذه التفاصيل لا تبدو مقلقةً لأحد.

أمّا الرئيس الأمريكي Donald Trump، فهو من أشدّ المتحمّسين للذكاء الاصطناعي، وقد أعلن البيت الأبيض في بيانٍ صدر في مارس أنّ إدارته «ملتزمةٌ بالفوز في سباق الذكاء الاصطناعي لاستهلال حقبةٍ جديدة من الازدهار الإنساني والتنافسية الاقتصادية والأمن القومي للشعب الأمريكي».

بيد أنّه لا مكان للازدهار الإنساني في عالمٍ تجاوز الإنسان. وفي هذا اليوم العمالي، كما في سائر الأيام، لا ينبغي أن يكون ثمّة مكانٌ للذكاء الاصطناعي على حساب حقوق العمّال.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لـ Al Jazeera.

أخبار ذات صلة

Loading...
جنود إسرائيليون في موقع عسكري محصن، مع دبابات تحمل الأعلام الإسرائيلية، في خلفية الصحراء، تعكس أجواء الحرب والتوتر.

الجنائية الدولية: منظمة بلجيكية تطالب الهند باعتقال ضابط إسرائيلي احتياطي

في خطوة جريئة، تقدمت منظمة هند رجب بشكوى تطالب باعتقال جندي إسرائيلي في الهند بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. هل ستتحرك السلطات؟ تابعوا التفاصيل حول هذه القضية.
حقوق الإنسان
Loading...
اجتمع مسؤولون ومواطنون في مؤتمر صحفي، حيث يتحدث ضابط شرطة عن حادثة عنف في Shelby، بينما يقف خلفه مجموعة من الرجال والنساء.

ضابط شرطة في كارولاينا الشمالية يفقد وظيفته بعد فيديو يوثّق ضربه امرأة بشكلٍ متكرر أثناء الاعتقال

في مدينة شيلبي، وثقت كاميرا مراقبة حادثة صادمة تعيد فتح نقاش العنف الشرطي ضد الأمريكيين من أصول أفريقية. مشهد يثير الغضب ويشعل الاحتجاجات. تابعوا التفاصيل الكاملة عن هذه القضية المأساوية وما تبعها من ردود فعل.
حقوق الإنسان
Loading...
محتجون يحملون لافتات تدعو لمناهضة كراهية الأجانب في جوهانسبرغ، تعبيراً عن التضامن مع المهاجرين وسط تصاعد التوترات العنصرية.

العنف ضدّ المهاجرين في جنوب أفريقيا: ما الأسباب الحقيقية؟

تتزايد المخاوف في جنوب أفريقيا مع تصاعد الهجمات العنصرية ضد المهاجرين، حيث تتصدر مجموعات مناهضة للهجرة المشهد. اكتشف كيف تؤثر هذه الأوضاع على حياة المهاجرين وما هي الحلول المطروحة. تابع القراءة لمعرفة المزيد!
حقوق الإنسان
Loading...
فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة، تتحدث خلال مؤتمر صحفي، مع شعار الأمم المتحدة خلفها، في سياق مناقشة حقوق الفلسطينيين.

الولايات المتحدة تؤكد عدم تغيير موقفها من عقوبات ضد فرانتشيسكا ألبانيز

في خضم التوترات السياسية، تبرز قضية فرانشيسكا ألبانيز، التي تمثل تحدياً حقيقياً للسياسات الأمريكية. هل ستنجح في استعادة حقوقها؟ اكتشف المزيد عن هذه المعركة القانونية المثيرة والمليئة بالتحديات.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية