تصعيد إسرائيلي مستمر وحصار خانق على غزة والفلسطينيين
خَبَرَيْن يكشف تصاعد العنف الإسرائيلي في غزة والضفة مع استهداف المدنيين وقصف المنازل وتهجير العائلات وسط تحركات استيطانية متزايدة وتدهور إنساني حاد يعمق الأزمة ويهدد استقرار المنطقة.

في اليوم السابع عشر من يوليو، وبعد ساعاتٍ قليلة من إعلان الكنيست الإسرائيلي حلَّ نفسه رسمياً وتحديد السابع والعشرين من أكتوبر موعداً للانتخابات، استهدفت طائرةٌ مسيّرة إسرائيلية موكبَ تشييع خارج مسجد أحمد ياسين في مخيّم النصيرات، فقتلت ما لا يقلّ عن ثمانية مشيّعين كانوا يشاركون في تشييع رجلٍ استشهد قبل ساعاتٍ من ذلك.
وأفاد مكتب حقوق الإنسان الأممي بأنّ الهجمات الإسرائيلية أودت بحياة ما لا يقلّ عن 57 شهيدًا فلسطينياً، بينهم ستة أطفال وثماني نساء، خلال الفترة الممتدة بين 13 و20 يوليو، محذّراً من أنّ هذا النمط المتكرّر «يثير قلقاً جدياً إزاء استمرار انتهاكات القانون الإنساني الدولي وارتكاب جرائم حرب وجرائم فظاعة محتملة في غزة».
في الأسبوع ذاته، واصل الجيش الإسرائيلي عمليات القتل اليومية، وتسابق الوزراء لتمرير تشريعاتٍ قبيل حلّ الكنيست، فيما أصدرت الإدارة المدنية أوامر هدمٍ ومصادرة أراضٍ، وشنّ المستوطنون هجماتٍ على الفلسطينيين في ظلّ إفلاتٍ شبه تام من العقاب.
كلّ هذا يُنبئ بأشهرٍ من العنف المتواصل والتهجير القسري في الفترة الفاصلة عن الانتخابات.
أسبوعٌ دامٍ في غزة
إلى جانب ضربة موكب التشييع في النصيرات، شهد الأسبوع في غزة سلسلةً من الغارات الجوية التي استهدفت المنازل والعائلات النازحة.
في الخامس عشر من يوليو، أسفر هجومٌ بطائرة هليكوبتر إسرائيلية عن استشهاد عمر سامي أبو قاسم وزوجته أسماء غازي وابنتهما البالغة من العمر ست سنوات حبيبة في دير البلح، فيما نجا طفلهما ذو الثلاث سنوات وحده. وفي الثامن عشر من يوليو، قصفت طائرةٌ حربية إسرائيلية دون إنذارٍ مسبق مبنىً سكنياً في حيّ النصر بمدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد أدهم نسمان وزوجته مروى وثلاثة من أطفاله، في حين نجا طفلٌ رابع بمحض الصدفة إذ لم يكن في المنزل. وادّعى الجيش الإسرائيلي أنّ نسمان قائدٌ في حركة Hamas، غير أنّ الحركة لم تُصدر أيّ بيانٍ يؤكّد ذلك.
وفي اليوم التالي، استشهد رضا أبو عصر بقصفٍ مدفعي إسرائيلي في حيّ الزيتون، وهو أحد عددٍ من الشهداء في الحيّ ذاته ذلك اليوم، في وقتٍ تقدّمت فيه الدبابات باتجاه تقاطع الدولة وفق ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية وفا. كما أدت الغارات الإسرائيلية إلى استشهاد سبعة ضباط شرطة، من بينهم مدير مركز شرطة جباليا، في هجومٍ على نقطة تفتيش في الرابع عشر من يوليو، فضلاً عن استهداف متكرّر للخيام التي تأوي العائلات النازحة في المواصي طوال الأسبوع، وفق وفا.
ثمّ في الليل الفاصل بين الحادي والعشرين والثاني والعشرين من يوليو، أسفر قصفٌ جوي إسرائيلي عن استشهاد فراس المصري وزوجته سلسبيل وأطفالهما الأربعة وهم نيامٌ في مدينة غزة، وفق ما أفاد به مسؤولون طبيون.
وفي خضمّ هذه الهجمات المتواصلة، أدلى وزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz بتصريحاتٍ لقناة 14 خلال جولةٍ في شمال غزة، أعرب فيها عن شعوره بالرضا حين شاهد مشاهد الدمار، مؤكّداً أنّها نتاج سياسةٍ إسرائيلية متعمّدة. وأضاف أنّ إسرائيل تدرس إقامة ثلاثة بؤرٍ استيطانية ذات طابعٍ عسكري في شمال غزة.
وتزامنت تصريحات Katz مع مسيرةٍ نظّمتها حركة Nachala الاستيطانية يوم الأحد نحو السياج الحدودي مع غزة، شارك فيها يمينيون إسرائيليون برفقة أكثر من اثني عشر وزيراً وعضو كنيست، من بينهم وزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir ووزير المالية Bezalel Smotrich، وبمباركةٍ من حزب Likud برئاسة رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu، وطالبوا فيها بإعادة إحياء المستوطنات داخل قطاع غزة.
على الجانب الآخر من السياج، تواصل توسّع ما يُعرف بـ«الخطّ الأصفر» الخاضع للسيطرة الإسرائيلية غرباً، مع وضع حواجز جديدة قرب القرارة وصولاً إلى دوّار أبو ميري شرق دير البلح، ما اضطرّ مئات العائلات إلى النزوح مجدّداً هرباً من التقدّم الإسرائيلي، وفق مصادر محلية.
في هذا السياق، تواصل تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة على النحو الذي وثّقه تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الأممي (OCHA) الصادر في السادس عشر من يوليو. إذ لا يتجاوز ما تحصل عليه 63% من الأسر في غزة من مياه الشرب ستة لتراتٍ يومياً، فيما يعيش 60% منهم على بُعد عشرة أمتار أو أقلّ من مياه الصرف الصحي المكشوفة. وأكّدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أنّ استيراد الأعلاف الحيوانية بات محظوراً منذ أكثر من شهر، ما أدّى إلى مضاعفة أسعار الشعير ثلاث مرات، مع توقّعاتٍ بنفوق جماعي للمواشي في أغسطس قد يُجهض التعافي المحدود الذي شهدته القطعان بين أكتوبر 2025 ومايو 2026.
طرقٌ للمستوطنين وبواباتٌ تُغلق على الفلسطينيين
وازى التصعيد في غزة حملةٌ متصاعدة لفرض وقائع ميدانية في الضفة الغربية المحتلة. ففي الأسبوع الماضي، أقرّ مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي تخصيص 1.3 مليار شيكل (ما يعادل 426.3 مليون دولار) لإنشاء 34 مستوطنةً جديدة غير مشروعة. وفي الخامس عشر من يوليو، أقرّ مليار و75 مليون شيكل إضافية (352.5 مليون دولار) لبنية تحتية من الطرق الاستيطانية وفق ما نقلته وفا، وهي طرقٌ ستخدم معظم المستوطنات والبؤر الاستيطانية الجديدة في مناطق نائية من الضفة. ووصف Smotrich هذا القرار بأنّه «ثورةٌ استيطانية وأمنية»، تستهدف إقامة أكثر من 100 مستوطنة و160 بؤرة زراعية ورعوية.
وقد وفّر هذا الإطار التمويلي السياقَ لموجة الهدم التي شهدها الأسبوع، والتي لم تعد تتذرّع بمخالفات البناء بقدر ما تستهدف تهيئة الأرض لمشاريع البنية التحتية الاستيطانية المتكاثرة.
وتواصل مشروع الحاجز الإسرائيلي المعروف بـ«الخيط القرمزي» تدميرَ البنية التحتية المائية الفلسطينية في شمال غور الأردن بصورةٍ ممنهجة، إذ أقدمت قواتٌ إسرائيلية ومستوطنون على تدمير ثلاثة آبار ارتوازية قرب العطوف، ومصادرة المضخّات والمولّدات، وقطع نحو 800 متر من خطوط الأنابيب التي تخدم 4,500 دونم من الأراضي الزراعية، وفق ما أفاد به مجلس قرية العطوف.
وفي مسافر يطا، ربطت لجنة مقاومة الجدار والاستيطان موجةَ أوامر الهدم ووقف العمل في الديرات والرفاعية مباشرةً بمشروع طريقٍ استيطاني مخطّط إنشاؤه بمحاذاة الطريق 356، وهو مشروعٌ يهدّد ثلاثة من أصل خمسة مدارس تخدم 700 طفل في المنطقة، من بينها مدرسة الرفاعية التي خسرت طعنها القضائي ضدّ أمر الهدم في الثامن من يوليو.
وأصدرت السلطات الإسرائيلية أمراً عسكرياً بمصادرة أراضٍ في جبع، شمال القدس الشرقية المحتلة، لصالح ما يقول مسؤولون فلسطينيون إنّه طريقٌ استيطاني آخر يربط الطريق 60 بمستوطنة نبي يعقوب، في أحدث سلسلة من أوامر المصادرة العسكرية المستخدمة لتسهيل البنية التحتية الاستيطانية.
وقد بات هذا المسار التوسّعي يُعيد تشكيل جغرافية العنف في الضفة الغربية المحتلة، ولا سيّما في المغيّر شمال شرق رام الله، حيث فارق الحياة في الثامن عشر من يوليو الشاب فادي النعسان، 17 عاماً، لاعب المنتخب الوطني الشبابي لكرة القدم، متأثّراً بجراحٍ أصيب بها إثر اقتحامٍ نفّذه مستوطنون وجنود في الحادي عشر من يوليو، ليكون بذلك سابع شهيد من أبناء المغيّر منذ أكتوبر 2023، من بينهم أربعة قاصرين. وقد ربط الناشط الإسرائيلي Jonathan Pollack عمليات القتل المتكرّرة هناك بمخطّطٍ ممنهج لشقّ ممرٍّ استيطاني يصل بين تجمّع شيلو وغور الأردن.
وعلى الصعيد ذاته، شهدت الضفة الغربية إغلاقَ عددٍ من البلدات بالكامل خلف بواباتٍ عسكرية. وتحمّلت سنجل، شمال رام الله، العبءَ الأكبر من هذه الحملة، إذ ردمت القوات الإسرائيلية مداخل البلدة بالتراب وأحاطتها بأسلاكٍ شائكة ابتلعت أراضي زراعية، قبل أن تشنّ مداهماتٍ ليلية متكرّرة وفق ما أوردته وفا والناشط المحلي أيد جفري. وفي ليلة السادس عشر من يوليو، هاجم أكثر من 100 مستوطنٍ مسلّح أطراف البلدة، فتصدّى لهم السكان عن قربٍ وأجبروهم على الفرار وسط ما وصفه جفري بإطلاق نارٍ «من كلّ اتجاه». وعاد المستوطنون عند الفجر تحت حماية الجيش لحرق المحاصيل الزراعية.
وفي السياق ذاته، أغلقت القوات الإسرائيلية المدخل الغربي لريف بيت لحم ببوّابةٍ حديدية جديدة عند الشولي، قاطعةً بذلك الوصول إلى حوسان وبتير ونحّالين ووادي فوكين؛ وأغلقت نقطتَي تفتيش عطارة وعين سينيا وكانت الأخيرة من آخر المعابر الموثوقة أمام سكان رام الله في آنٍ واحد لساعاتٍ متواصلة؛ كما عزّزت بالبلوك الخرساني بوّابة إذنا غرب الخليل التي أُغلقت قبل ثلاث سنوات، وفق وفا.
وشهدت دير جرير شرق رام الله مداهمةً عسكرية دامية في ليلة التاسع عشر من يوليو، حين تزامنت عمليةٌ عسكرية واسعة مع محاولة مستوطنين سرقة نحو 70 رأساً من الأغنام، ما أسفر عن استشهاد رجلَين بطلقاتٍ نارية هما أحمد أبو مخو، 26 عاماً، وعودة فراخنة، 53 عاماً. وأشار Pollack إلى أنّ الشهود قدّموا روايات متضاربة حول ما إذا كانت الطلقات القاتلة أُطلقت من قِبَل الجنود أم المستوطنين.
وتكرّر خلال الأسبوع سرقة المواشي تحت حماية عسكرية بصورةٍ لافتة، شملت مصادرة أكثر من 180 رأسٍ من الأغنام من عائلةٍ واحدة في خربة أم نزال، ومداهماتٍ متكرّرة على قطعان في وادي الرخيم المجاور، حتى باتت هذه الحوادث شرطاً ثابتاً من شروط الحياة في مسافر يطا على حدّ تعبير الناشط المحلي أسامة مخامرة.
وفي التواني، أيضاً في مسافر يطا، أقدم مستوطنون على إحراق مسجد القرية وكتب أحدهم على الجدار مفاخراً «أنا تحت الإقامة الجبرية»، فضلاً عن إحراق منزلَين ومصنعٍ للألبان في الثامن عشر والتاسع عشر من يوليو، وفق ما أفاد به مخامرة ومراد سمارة ووفا.
رسائل للقاعدة الانتخابية
في غضون ذلك، أعلنت حركة حماس في العشرين من يوليو انتخاب خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي، منهيةً بذلك نحو عامَين من القيادة الجماعية التي أعقبت استشهاد القائد يحيى السنوار.
وفي ساعاتها الأخيرة قبيل حلّ الحكومة، أقدم الائتلاف الإسرائيلي المنتهية ولايته على تمرير حزمةٍ تشريعية مكثّفة، شملت قانون الاتصالات الذي يمنح الحكومة صلاحية السيطرة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، إلى جانب تشريعاتٍ تُعفي الحريديم من الخدمة العسكرية.
وفي الأسبوع ذاته الذي انضمّ فيه وزراء إلى ناشطين يطالبون بإعادة الاستيطان في غزة، أعادت وزيرة البيئة Idit Silman تصنيف تمساح النيل بوصفه نوعاً «مُعتنى به»، وهو تصنيفٌ قانوني يُطلق على الأنواع البرية التي تُربّى وتُدار في الأسر لأغراضٍ تجارية. وهذا القرار يفتح الطريق قانونياً أمام مقترح Ben-Gvir القاضي بمحاطة مرافق الاحتجاز الفلسطينية بهذه الزواحف، بدءاً من سجن Ktziot حيث يُحتجز أطباءٌ من غزة وغيرهم دون توجيه اتهاماتٍ إليهم.
أخبار ذات صلة

ارتقاء ثمانية أشخاص في غزة على يد إسرائيل رغم خطة ترامب لنزع سلاح حماس

اتفاق نزع سلاح حماس يلقى ترحيباً حذراً على الصعيد الدولي

السعودية تُجرّ نحو صراعٍ حاولت تجنّبه بإصرار
