خَبَرَيْن logo

الخط الأصفر في غزة يسرق الأرض ويقيد الحياة

في غزة توسع الخط الأصفر يسرق الأراضي ويزيد التهجير، مع تدمير المنازل وفرض حصار على الخدمات. سكان يواجهون الموت الزاحف وسط صمت عالمي وضغط متصاعد على بنية تحتية على وشك الانهيار خَبَرَيْن

كتلة خرسانية صفراء على طريق في غزة، ترمز لتقدم الخط الأصفر الإسرائيلي وتوسيع مناطق الاحتلال وسط دمار المنازل المحيطة.
كتلة صفراء تحدد "الخط الأصفر"، الذي يفصل بين المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل والمناطق الفلسطينية في قطاع غزة منذ "وقف إطلاق النار" في أكتوبر، تظهر في خان يونس جنوب غزة، 22 يناير 2026 [عبد الكريم حنا/وكالة أسوشيتد برس]
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في غزة، لا يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى أكثر من تحريك كتلةٍ خرسانية صفراء بضعة أمتار لإعادة رسم الجغرافيا على الأرض. هذه الكتل وُضعت في الأصل بوصفها علاماتٍ ميدانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار، لتفصل بين قوات الاحتلال والمناطق المقرّر الانسحاب منها، غير أنها تحوّلت اليوم إلى خطٍّ أمامي متقدّم يزحف نحو الغرب.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، اتّسعت منطقة الوصول المقيَّد التي تُعرف إسرائيلياً بـ«الخط الأصفر» لتغطّي 64.9 بالمئة من مساحة قطاع غزة بحلول يونيو 2026، مقارنةً بـ53 بالمئة في مطلع العام ذاته. أما على صعيد الانتهاكات، فقد رصد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة 3,795 خرقاً إسرائيلياً لاتفاق وقف إطلاق النار، أسفرت عن استشهاد 1,168 فلسطينياً منذ إبرام الاتفاق في أكتوبر من العام الماضي. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلث هذه الوفيات وقع في مناطق مجاورة لخط التماسّ المتحرّك.

كابوسٌ في دير البلح

في أعقاب أوامر الإخلاء التي بثّتها طائرات الاستطلاع الإسرائيلية مساء الجمعة 17 يوليو، روى حازم سعيد، أحد سكان شرق دير البلح، كيف تقدّمت الآليات العسكرية تحت جنح الظلام. دفعت هذه الآليات الكتل الصفراء ما بين 300 و350 متراً نحو الغرب، مع التهديد بإطلاق النار على كلّ من يرفض المغادرة.

أفضى هذا التحرّك المفاجئ إلى وضع الحواجز الخرسانية مباشرةً على شارع سلطان عثمان، ما أدّى إلى مصادرة أراضٍ زراعية وسكنية واسعة تعود لعائلات أبو غرابة وأبو غليبة وأبو بليمة والترهوني.

وقال سعيد: «المكعّب الأصفر بات يبعد بين متريْن وأربعة أمتار عن بيوت المواطنين»، مشيراً إلى أن عائلات كبن سعيد واللوح وأبو غرابة باتت تقطن غرب الخط مباشرةً بعد أن فقدت أراضيها الزراعية التي كانت مصدر رزقها الوحيد.

«موتٌ زاحف» في الزيتون

في حيّ الزيتون شرق مدينة غزة، أقامت 71 عائلة مهجّرة مخيّماً عشوائياً أسمته «أهل الصمود» على شارع صلاح الدين، على بُعد 70 متراً فحسب من «الخط الأصفر». أوضح رمضان أبو عمو، المشرف على المخيّم، أن اختيار الموقع لم يكن نابعاً من الشعور بالأمان، بل لأنه لم يكن ثمّة خيارٌ آخر.

«نحن نحمل أرواحنا على أكفّنا، لكن إلى أين نذهب؟ ليس لنا مكانٌ آخر»، قال أبو عمو، مضيفاً أن الشظايا تتساقط شبه يومياً، وأن والديه لا يزالان مدفونَيْن تحت أنقاض منزله القريب، فيما تُمنع فرق الإنقاذ من الوصول إلى المنطقة المقيَّدة حديثاً.

وصف الصحفي الفلسطيني سائد حسب الله، المقيم بالقرب من المخيّم، تقدّم الكتل بأنه «موتٌ زاحف»، شارحاً أن كثافةً من إطلاق النار والقصف تسبق دائماً كلّ عملية تحريك. وأضاف لقناة الجزيرة أن السكان يتعرّضون لنيرانٍ حيّة تُصوَّب مباشرةً نحو منازلهم لإجبارهم على الرحيل، قائلاً: «الاحتلال يريد تهجيرنا بالقوة، لكن الناس متمسّكون بأرضهم».

محوٌ ممنهج في الشمال

في شمال غزة، لا يقتصر تقدّم «الخط الأصفر» على التهجير، بل يترافق مع طمسٍ كامل للمعالم. أفاد سهيل عودة، أحد السكان، بأن الخط تقدّم نحو 1.5 كيلومتر، امتداداً من شارع السكة قرب بيت حانون إلى شارع ترانس قرب دوّار الشيخ زايد. ووصف كيف تُسوّي الجرّافات الإسرائيلية المنازل بالأرض يومياً، فيما تتولّى طائرات الاستطلاع تفجير ما تبقّى من مبانٍ خلف الخط.

وبحسب عودة، أقامت القوات الإسرائيلية سواتر ترابية ضخمة عند تلّة تل الزعتر، وركّبت أبراج مراقبة توفّر إشرافاً مباشراً على المنطقة، محوّلةً الحيّ بأسره إلى منطقة مراقبة عسكرية مكشوفة.

كما أشار إلى أن مجموعاتٍ مسلّحة موالية لإسرائيل تعتقل الشباب بصورة اعتيادية وتعتدي عليهم قرب الخط، مستشهداً بحادثةٍ أخيرة جرى فيها ضرب شابٍّ قرب دوّار الجنزير في بيت لاهيا قبل تسليمه للجيش.

ضمٌّ بالوقائع وشللٌ في الخدمات

يُلقي توسّع الخط بظلاله على مجمل الحياة المدنية في القطاع. أفاد محمد السرساوي، رئيس الإعلام في بلدية غزة، بأن فرق البلدية باتت عاجزةً عن الوصول إلى ما يقارب نصف مساحة مدينة غزة، شاملاً ذلك أحياء الشجاعية وشرق التفاح والزيتون وأجزاء من الدرج. وقد عزلت الخطوط المتقدّمة آباراً للمياه ومنشآت صرف صحّي وغرف تحكّم رئيسية، في حين يتكدّس أكثر من نصف سكان المدينة البالغ عددهم 950,000 نسمة في رقعةٍ ضيّقة من مساحتها الأصلية. وحذّر السرساوي من أن الضغط المتراكم على بنيةٍ تحتية آيلة للانهيار يُنذر بكارثةٍ بيئية وصحية ممتدّة.

تتقاطع هذه الشهادات الميدانية مع ما يصفه المحلّل السياسي أحمد التناني بأنه استراتيجية مقصودة لترسيخ السيطرة العسكرية. ولفت التناني إلى أن إسرائيل تنتقل من مرحلة الانسحاب المتدرّج إلى توسيع قبضتها الإقليمية من 195 كيلومتراً مربعاً إلى 235 كيلومتراً مربعاً، محذّراً من أن إنشاء مواقع عسكرية على امتداد الخط يستحضر ما أعقب حرب 1967 حين جرى احتلال الضفة الغربية، في مسعىً لتحويل الوجود المؤقّت إلى استيطانٍ دائم.

ويعزّز هذا التوجّه تحقيقٌ أجري، رصدت فيه 40 موقعاً عسكرياً إسرائيلياً دائماً في أرجاء غزة، بعضها أُنشئ من الصفر بعد اتفاق «وقف إطلاق النار» العام الماضي.

والنيّة الضمّية لا تبقى في دوائر التحليل، بل تُجاهر بها قيادات إسرائيلية على الملأ. ففي تجمّعٍ شعبي أخير، احتفى وزير الأمن القومي Itamar Ben-Gvir بهذا التوسّع قائلاً: «لو قال أحدٌ قبل ثلاث سنوات إننا سنسيطر على 70 بالمئة من قطاع غزة، لما صدّقه أحد... غزة لنا».

في هذا السياق، تبقى قنوات إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة وحركة المدنيين خارج القطاع مكبَّلةً بقيودٍ مشدّدة، إذ لا تتجاوز نسبة التزام إسرائيل بالاثنتين 35 بالمئة، تاركةً القطاع يختنق خلف حدودٍ تتحرّك دون توقّف.

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان كثيف يتصاعد من مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد هجوم صاروخي للحوثيين تسبب في أضرار وخسائر بشرية.

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

تصاعدت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد بالرياض، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيره على الأمن السعودي واستعد للمزيد من التغطية الحصرية. اقرأ الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
ناقلات نفط عالقة في مياه هادئة وسط ضباب كثيف قبالة سواحل، تعكس تأثير العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيراني وحصار الملاحة البحرية.

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

تواجه صادرات النفط الإيراني أزمة حادة مع توقف الشحنات منذ سبتمبر وسط حصار أمريكي خانق، والاقتصاد ينهار بسرعة. اكتشف كيف يصمد النظام رغم العقوبات القاسية واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
مجموعة من الجنود اليمنيين على متن شاحنة عسكرية في طريق ريفي، في سياق التصعيد العسكري لاستعادة مناطق الحوثيين في اليمن.

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين

تتصاعد الحرب في اليمن مع انطلاق هجوم واسع لاستعادة مناطق الحوثيين، ما يهدد الملاحة الدولية ويزيد من معاناة الأسر جوعاً. تعرف على تفاصيل المعركة وتأثيرها الإنساني والاقتصادي في قلب الصراع اليمني المستمر. تابع المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
منظر جوي لموقع نووي إيراني في الصحراء يعكس التوترات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.

ترامب مستعدّ لتخفيف العقوبات على إيران مقابل تقدّم ملموس في الملفّ النووي

تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط شروط أمريكية صارمة ورفض مقترحات إيرانية حول مضيق هرمز. هل تنجح الوساطة القطرية في كسر الجمود؟ تابع التفاصيل لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية