خَبَرَيْن logo

صراع النفوذ الأمريكي والشيعي على مستقبل العراق

علي العبيدي رئيس وزراء العراق بلا قاعدة سياسية حقيقية والضغط الأمريكي يسيطر على المشهد بينما النفوذ المالي الأمريكي يحدد مستقبل بغداد والصراع مع الفصائل المسلحة مستمر والرهان الأكبر على النفط والغاز في خَبَرَيْن.

علي العيدي رئيس وزراء العراق يجلس مع الرئيس الأمريكي ترامب في المكتب البيضاوي خلال لقاء سياسي حاسم يناقش النفوذ الأمريكي في بغداد.
يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس وزراء العراق علي الزيدي (يسار) في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 14 يوليو 2026. [سول لوب/وكالة فرانس برس]
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في يومٍ من أيام هذا الأسبوع، جلس علي العبيدي في المكتب البيضاوي أمام الرئيس الأمريكي Donald Trump. كان يحمل لقب رئيس وزراء العراق. أمّا السلطة الفعلية، فكانت موضع تساؤل.

قبل أحد عشر أسبوعاً من ذلك اللقاء، وبعد أشهرٍ من الشلل السياسي، استغرق تحالف الإطار التنسيقي الشيعي خمساً وعشرين دقيقةً فحسب ليختار العبيدي رئيساً للوزراء. ذلك التوافق المفاجئ لم يكن وليد قناعةٍ داخلية، بل جاء تحت ضغطٍ أمريكي مكثّف.

فقد جمّدت وزارة الخزانة الأمريكية شريان العراق الدولاري، وهي الشحنات النقدية التي تُنقل جوّاً من ولاية نيوجيرسي إلى البنك المركزي العراقي. وكان نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق والمرشّح الأوفر حظاً للعودة إلى المنصب، قد اضطرّ إلى التخلّي عن طموحاته بعد أن أسقطه الفيتو الأمريكي. فلم يبقَ في الميدان سوى العبيدي، المصرفي البالغ من العمر 40 عاماً والذي يفتقر إلى أي قاعدة سياسية راسخة.

وغياب هذه القاعدة هو بالضبط ما يجعله مفيداً. فهو لا يدين بمنصبه لصناديق الاقتراع في بغداد بقدر ما يدين به للضغط الذي مارسته خزانة Trump. غير أنّ سجلّ الرجل المصرفي لا يخلو من ملاحظات. ففي عام 2024، حظر البنك المركزي العراقي مصرف الجنوب الإسلامي الذي يرتبط به العيدي من إجراء معاملاتٍ بالدولار، وذلك في إطار حملةٍ أوسع لمكافحة تدفّق الدولار غير المشروع نحو إيران. لم يُوجَّه إليه أي اتهام، ولا هو ولا المصرف مدرجان حالياً على قوائم العقوبات. لكنّ الملفّ موجود، وقد يمنح واشنطن ورقةَ ضغطٍ إضافية في حال تلكّأ العيدي عن تنفيذ ما هو مطلوب منه.

Tom Barrack: الرجل الذي يمسك بالخيوط

السلطة الحقيقية في بغداد اليوم تتركّز في يد رجلٍ واحد. Tom Barrack يجمع ثلاثة عناوين في آنٍ واحد: سفيراً لدى Türkiye، ومبعوثاً إلى سوريا، والآن مبعوثاً إلى العراق. ونفوذه لا يرتكز على الدبلوماسية بالمعنى التقليدي، بل على الرافعة المالية التي تمتلكها واشنطن في مواجهة بغداد.

عائدات النفط العراقية محفوظةٌ في حسابٍ لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي أبريل الماضي، أوقفت واشنطن شحنةً نقدية بلغت قيمتها قرابة 500 مليون دولار مسحوبةً من تلك العائدات، وعلّقت في الوقت ذاته أجزاءً من التعاون الأمني مع بغداد. والنفط يموّل ما يقارب 90% من الموازنة العراقية. في ضوء ذلك، لا يحتاج Barrack إلى التلويح بالقوة العسكرية؛ فالإدارة التي يمثّلها قادرةٌ على الوصول مباشرةً إلى المنظومة المالية التي يقوم عليها الاقتصاد العراقي.

ملفّ الفصائل المسلّحة: حركةٌ حقيقية وسقفٌ بعيد

المطلب الأمريكي بإخضاع جميع الفصائل المسلّحة لسلطة الدولة لا يزال بعيداً عن الحلّ. صحيحٌ أنّ رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر حلّ ميليشيا سرايا السلام في أواخر مايو الماضي، وأنّ فصائل أخرى كعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي أعلنت خطواتٍ نحو تسليم أسلحتها أو وضعها تحت إشراف الدولة بصورةٍ أكبر. وهذا تحرّكٌ حقيقي لا يمكن إنكاره.

لكنّ كتائب حزب الله وحركة النجباء، وهما الفصيلان الأكثر ارتباطاً بطهران، رفضا نزع السلاح رفضاً قاطعاً، مؤكّدَين في تصريحاتهما أنّ أسلحتهما ليست موضع تفاوض. وردّت واشنطن بالمثل؛ إذ أوقعت ضربات راح عشرات القتلى من المقاتلين من قوات الحشد الشعبي المدعومة إيرانياً خلال الربيع الماضي، فيما فرضت وزارة الخزانة عقوباتٍ على سبعة قادة ميليشيا بأسمائهم. وقد حدّدت بغداد الثلاثين من سبتمبر موعداً نهائياً لنزع الأسلحة، وهو التاريخ ذاته المقرّر لانسحاب القوات الأمريكية المتبقية من العراق. هل ستنحني الفصائل الأكثر تشدّداً قبل ذلك الموعد؟ هذا هو السؤال المفتوح الذي لم تجب عنه واشنطن بصراحةٍ حتى الآن.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ سلطة المرجع الديني الأعلى علي السيستاني تبقى ذات حدود، كما كانت دائماً. فتواه عام 2014 شكّلت الأساس التأسيسي لقوات الحشد الشعبي، غير أنّ نداءه كان للدفاع عن العراق تحت قيادة الدولة، لا لتأسيس ميليشيات مستقلّة. الفصائل المتشدّدة لم تستجب يوماً لمرجعية النجف، بل ترتبط بطهران مباشرةً. وقد طالب ممثّل السيستاني في كربلاء علناً بأن تكون الدولة وحدها صاحبة السلاح. نفوذ السيستاني لا يزال وازناً، لكنّه لم يمتدّ قطّ ليشمل هذه الفصائل بالكامل، والمأزق الراهن يجعل هذه الحقيقة أصعب تجاهلاً من أي وقتٍ مضى.

الجائزة الحقيقية: النفط والغاز

ما تريده واشنطن فعلاً يقبع تحت الأرض. تتفاوض Chevron على توسيع دورها في القطاع النفطي العراقي، فيما تسعى شركاتٌ أمريكية أخرى للحصول على عقودٍ في مجالات الغاز والكهرباء وبنية التصدير. وتطمح بغداد إلى رفع إنتاجها من 4.5 مليون برميل يومياً إلى 7 ملايين خلال ثلاث سنوات، وهو مسعىً يستلزم حصّةً أكبر بكثير ضمن أوبك. أمّا احتياطيات الغاز في غرب العراق، التي لم تُستغلّ في معظمها حتى الآن، فقد تُحوّل البلاد يوماً ما إلى لاعبٍ طاقوي إقليمي مهيمن ومُصدِّر رئيسي. هذا هو الكنز الذي يُطلب من العبيدي فتح أبوابه مقابل الولاء الذي تسعى إليه واشنطن.

كردستان: شريكٌ بشروط

موقع كردستان في هذا الترتيب الناشئ لا يزال ضبابياً. وصف Barrack النموذج الفيدرالي القديم بين بغداد وأربيل صراحةً بأنّه «بلقنةٌ» (Balkanization)، متّهماً إيّاه بأنّه أفسح المجال لإيران كي تملأ الفراغ. ومع ذلك، قضى المبعوث ذاته معظم شهر يونيو يضغط على رئيس إقليم كردستان Masrour Barzani لإعادة تفعيل برلمان الإقليم وتشكيل حكومةٍ جديدة، لا لحلّه. يُقرأ هذان الموقفان معاً على النحو الآتي: واشنطن تريد إقليم كردستان فاعلاً ومتعاوناً وداخلاً بوضوحٍ في فلكها، لا ورقةً مستقلّةً خارج السيطرة ولا تابعاً للكتل الطائفية في بغداد.

رؤية واشنطن مجرّدةً من الطلاء الدبلوماسي

إذا جُرِّدت رؤية واشنطن للعراق من قشرة الدبلوماسية، بدت على النحو الآتي: لا ميليشيات خارج سلطة الدولة، ولا حقّ نقضٍ إيراني على السياسة العراقية، ولا طائفةٌ واحدة تهيمن على القرار من بغداد، وتوجّهٌ اقتصادي غربي مُثبَّت بالعقود لا بالمشاعر، وشركاتٌ أمريكية في مقدّمة المستفيدين، ورئيسُ وزراء يستجيب في الواقع العملي لـ Tom Barrack قبل أن يستجيب لبرلمانه. أمّا التساؤلات الأخرى، كما إذا كان العراق سيُضغط عليه للانضمام إلى اتفاقيات Abraham Accords، وما إذا كانت التيارات القومية والمجاورة لحزب البعث ستجد متنفّساً من جديد، وما إذا كانت الأحزاب الطائفية ستخسر مقاعدها فعلاً في صناديق الاقتراع، فهذه كلّها توقّعاتٌ لا وقائع محسومة.

ما هو واضحٌ أبسط من ذلك وأكثر حدّةً. أمضى العراق عقدَين من الزمن ساحةً للصراع غير المباشر بين إيران وأمريكا، عبر الوكلاء والعقوبات. أمّا اليوم فهو يتحوّل إلى شيءٍ مختلف: دولةٌ تُعاد مفاوضة نفطها ومنظومتها المصرفية وفصائلها المسلّحة في آنٍ واحد تحت ضغطٍ أمريكي مكثّف. وفي قلب هذا التحوّل يقف رئيسٌ للوزراء اختير في خمسٍ وعشرين دقيقة، ويُنتظر منه أن يُنجز المطلوب بحلول الثلاثين من سبتمبر.

النموذج الخليجي، من الرياض وأبوظبي إلى المنامة والكويت والدوحة ومسقط، استغرق عقوداً حتى ترسّخ. واشنطن في عهد Trump تريد ضغط النسخة العراقية في ولايةٍ رئاسية واحدة. هل تصمد بغداد أمام هذا الضغط وتخرج سليمةً، أم أنّها ستكتفي بتبديل العاصمة التي تُملي عليها قراراتها؟ هذا هو السؤال الذي غادرت زيارة العبيدي دون أن تجيب عنه.

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان كثيف يتصاعد من مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد هجوم صاروخي للحوثيين تسبب في أضرار وخسائر بشرية.

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

تصاعدت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد بالرياض، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيره على الأمن السعودي واستعد للمزيد من التغطية الحصرية. اقرأ الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
ناقلات نفط عالقة في مياه هادئة وسط ضباب كثيف قبالة سواحل، تعكس تأثير العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيراني وحصار الملاحة البحرية.

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

تواجه صادرات النفط الإيراني أزمة حادة مع توقف الشحنات منذ سبتمبر وسط حصار أمريكي خانق، والاقتصاد ينهار بسرعة. اكتشف كيف يصمد النظام رغم العقوبات القاسية واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
مجموعة من الجنود اليمنيين على متن شاحنة عسكرية في طريق ريفي، في سياق التصعيد العسكري لاستعادة مناطق الحوثيين في اليمن.

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين

تتصاعد الحرب في اليمن مع انطلاق هجوم واسع لاستعادة مناطق الحوثيين، ما يهدد الملاحة الدولية ويزيد من معاناة الأسر جوعاً. تعرف على تفاصيل المعركة وتأثيرها الإنساني والاقتصادي في قلب الصراع اليمني المستمر. تابع المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
منظر جوي لموقع نووي إيراني في الصحراء يعكس التوترات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.

ترامب مستعدّ لتخفيف العقوبات على إيران مقابل تقدّم ملموس في الملفّ النووي

تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط شروط أمريكية صارمة ورفض مقترحات إيرانية حول مضيق هرمز. هل تنجح الوساطة القطرية في كسر الجمود؟ تابع التفاصيل لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية