الأزمات والحروب تجرّ الجوع إلى العالم
تتزايد أزمة الجوع في العالم بسبب الحروب، كما يكشف برنامج الأغذية العالمي. ارتفاع أسعار الوقود وإغلاق مضيق هرمز يزيدان من معاناة الفئات الهشة. هل ستتحمل الدول الغنية المسؤولية؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

في عالَمٍ يُعاد فيه رسم خرائط الأزمات كلَّ أسبوع، ثمّة مسلّمةٌ ينبغي أن نختبرها بهدوء: هل نفهم حقاً كيف تتشابك الحروب مع الجوع؟ الإجابة، بحسب ما يكشفه المسؤولون في برنامج الأغذية العالمي، أكثر إيلاماً مما نتصوّر.
أفاد Carl Skau، المدير التنفيذي بالوكالة لبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، في تصريحاتٍ، بأنّ التداعيات غير المباشرة للحرب في إيران باتت تُهدّد ملايين إضافية من الفئات الأكثر هشاشةً بالوقوع في مستويات أزمة الجوع الحادّ أو ما هو أشدّ منها. و أوضح أنّ إغلاق مضيق هرمز أدّى إلى ارتفاعٍ حادّ في تكاليف الوقود، ما جعل عمليات المنظمة أكثر كُلفةً بكثير، فضلاً عن أنّ هذا الارتفاع انعكس بدوره على أسعار الغذاء عالمياً. والأشدّ وطأةً أنّ إمدادات الأسمدة الحيوية القادمة من الخليج إلى دولٍ كالسودان باتت محاصَرةً بسبب الاختناق الذي يعانيه هذا الممرّ المائي الحيوي.
يصف Skau هذا المشهد بأنّه «مزيجٌ مدمِّر» لمنظمةٍ كانت أصلاً تواجه خياراتٍ لا يمكن تصوّرها جرّاء التقليصات الحادّة في التمويل، ويُلخّص الواقع بجملةٍ قاسية:
«في كثيرٍ من الأماكن، نأخذ بالفعل من الجائعين لنُعطي المُشرفين على الموت».
تراجعٌ حادّ في التمويل
يعتمد برنامج الأغذية العالمي على تبرّعات الحكومات، وقد شهد تراجعاً هائلاً في مصادر تمويله، بما فيها تمويل أكبر داعميه: الولايات المتحدة. فبينما تجاوز الإسهام الأمريكي عام 2024 أربعة مليارات دولار، لم يتجاوز مساهمتها لعام 2026 حتى يوم الاثنين حدود 731 مليون دولار. وهذا التراجع لا يُقرأ بمعزلٍ عن السياق الأشمل؛ إذ أشار Skau إلى أنّ العام الماضي شهد انخفاضاً في التمويل بنسبة 40% مقارنةً بالعام الذي سبقه.
ولتوضيح حجم الأثر، يضرب Skau مثالاً صريحاً: في أفقر دول العالم، «حين ترتفع أسعار الغذاء بنسبة 20 إلى 30%، فإنّ الناس يأكلون أقلّ بنسبة 20 إلى 30%».
وفي مارس الماضي، حذّر البرنامج من أنّ 45 مليون شخصٍ إضافي سيواجهون الجوع الحادّ بحلول يوليو المقبل إذا ظلّ سعر النفط فوق 100 دولار للبرميل. واليوم، يقول Skau إنّ هذا التحذير بدأ يتجسّد على أرض الواقع في دولٍ مثل سريلانكا والصومال وأفغانستان.
«عالَمٌ جائعٌ عالَمٌ غير مستقر»
يُقرّ Skau الدبلوماسي السويدي السابق الذي تولّى قيادة البرنامج بالوكالة الأسبوعَ الماضي إثر مغادرة Cindy McCain منصبها، بعد أن شغل منصب المدير التشغيلي منذ مايو 2023 بأنّ الولايات المتحدة لا تزال أكبر المانحين، وأنّ البرنامج «يمتنّ» لمساهمتها. غير أنّه يُؤكّد أنّ ثمّة محادثاتٍ ينبغي إجراؤها حول دفع الدول الأخرى إلى تحمّل قدرٍ أكبر من المسؤولية.
وفي هذا السياق، يلجأ Skau إلى حجّةٍ براغماتية تخاطب المنفعة الاستراتيجية لا العاطفة وحدها: «عالَمٌ جائعٌ عالَمٌ غير مستقر». وهي حجّةٌ تاريخياً أثبتت نجاعتها في إقناع صانعي القرار أكثر من أيّ نداءٍ إنساني مجرّد.
وعلى النقيض من أزماتٍ سابقة كالحرب في أوكرانيا وجائحة كوفيد-19، لم يُصاحب هذه الأزمة أيُّ ارتفاعٍ في المساهمات. ويُفسَّر ذلك جزئياً بالسياسة التي ينتهجها إدارة Trump في تقليص تمويل المساعدات الإنسانية.
خياراتٌ لم تكن مطروحةً من قبل
حتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز غداً، يُحذّر Skau من أنّ التداعيات ستظلّ تُلقي بظلالها لفترةٍ أطول: «سيستغرق التعافي وقتاً»، يقول في مقابلةٍ أجراها مؤخّراً في واشنطن العاصمة.
وتزداد الصورة قتامةً حين يصف الخيارات الميدانية التي باتت تواجه فِرَق البرنامج. في جنوب السودان، تُعاني منطقةٌ ما من المجاعة لكن لا يمكن الوصول إليها إلا جواً بتكلفةٍ باهظة، وهو ما يستنزف الموارد على حساب مناطق أخرى تعاني بدورها من انعدام الأمن الغذائي الطارئ.
وفي أفغانستان، تصوّر Skau نقاشاتٍ ميدانية مؤلمة: «ليس لدينا موارد لمساعدة جميع الأسر التي تعولها نساء ولديها أطفال في هذه المحافظة. فماذا نفعل؟ هل نقول: الأسر التي تعولها نساء ولديها أكثر من خمسة أطفال؟ هذا يعني أنّ مَن لديها أربعة أطفال لن تحصل على مساعدة، ونحن نعلم أنّ ذلك سيُخلّف آثاراً جسيمة عليها».
ولعلّ هذه الجملة وحدها تختصر ما لا تستطيع الأرقام قوله: حين تُقلَّص الموارد، لا تختفي الحاجة بل تتحوّل إلى معادلاتٍ مستحيلة يدفع ثمنها الأكثر ضعفاً.
وفي ختام حديثه، يُعبّر Skau عن أملٍ يبدو واقعياً لا ساذجاً: «نأمل أن ينتهي هذا النزاع وأن يُفتح المضيق غداً. لكنّ الواضح أنّنا بحاجةٍ إلى أن تتقدّم الدول الغنية وتحاول التخفيف من وطأة هذه الأزمة على الأكثر هشاشةً». ويختم بما يبدو إجماعاً إنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية: «أعتقد أنّ ثمّة اتفاقاً وإجماعاً بين الأمريكيين وغيرهم على أنّ الأطفال لا ينبغي أن يناموا جائعين. الأطفال لا ينبغي أن يموتوا جوعاً».
أخبار ذات صلة

مئات الأطفال الأوكرانيين في إيطاليا: كييف تسعى لإعادتهم

صور الأقمار الصناعية توثّق تدمير إسرائيل لمدينة صور التاريخية

ملايين اليمنيين يعانون الحرّ الشديد وانقطاع الكهرباء: منازل تتحوّل إلى أفران
