اليورو يتراجع وأزمة الديون تلوح فوق فرنسا وأوروبا
تراجع اليورو لأضعف مستوياته بسبب أزمة الديون الفرنسية وتزايد عجز الموازنة وسط احتجاجات اجتماعية وضغوط انتخابية قد تزيد المخاطر المالية على أوروبا. اكتشف تفاصيل الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد الأوروبي في خَبَرَيْن.

تراجع اليورو يوم الاثنين إلى أضعف مستوياته أمام الدولار منذ مايو 2025، بعدما لامس للحظات مستوى أدنى من 1.12 دولار، في إشارةٍ لا تخطئها الأسواق إلى أنّ العاصفة المالية التي تضرب فرنسا بدأت تنتقل أثرها إلى العملة الموحّدة التي يتشاركها 21 بلداً في الاتحاد الأوروبي. الرقم بحدّ ذاته لا يبدو كارثياً، لكنّه يأتي في سياقٍ أوسع: فرق العائد بين السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية اتّسع الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى منذ عام 2012، وهو المقياس الذي يستخدمه المستثمرون تقليدياً لقياس مدى ثقتهم بقدرة باريس على سداد ديونها.
كيف تحوّلت فرنسا من ثاني أكبر اقتصاد أوروبي إلى مصدر قلق للمستثمرين؟
الدَّين العام الفرنسي تجاوز 4 تريليونات دولار في يونيو، بحسب بيانات معهد الإحصاء الفرنسي INSEE، ليصبح بذلك أكبر من حجم الاقتصاد نفسه. تكلفة خدمة هذا الدَّين ارتفعت بمليارات الدولارات مقارنةً بالعام الماضي مع تصاعد عوائد السندات، فيما يضغط تقدّم السكان في العمر على فاتورة المعاشات التقاعدية، في وقتٍ تسعى فيه الحكومة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. هذه المعادلة الصعبة دين متضخّم، وفوائد مرتفعة، والتزامات اجتماعية ودفاعية متنامية هي ما دفع الحكومة الأسبوع الماضي إلى اقتراح تخفيضاتٍ حادّة في الإنفاق ورفع ضرائب بهدف تضييق عجز الموازنة.
على الأرض، تتزامن هذه الضغوط المالية مع احتجاجاتٍ طلابية غير مسبوقة في فرنسا، إذ خرج طلاب المدارس الثانوية مطالبين بحلولٍ لنقص أعداد المعلّمين واكتظاظ الفصول الدراسية وتردّي البنية التحتية للمدارس. وفي حين لا ترتبط هذه الاحتجاجات مباشرةً بسوق السندات، فإنّها تعكس المناخ الاجتماعي المشحون الذي ترافق فيه أي محاولة لضبط الإنفاق العام في فرنسا وهو مناخٌ سبق أن شهد موجة احتجاجات واسعة عام 2023 حين حاولت الحكومة رفع سنّ التقاعد.
هل ستُخفَّف الإصلاحات بعد انتخابات الرئاسة المقبلة؟
يبدو أنّ قلق مشتري السندات لا ينحصر في الأرقام الحالية فحسب، بل يمتدّ إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقرّرة العام المقبل. فالمخاوف تتركّز على احتمال أن يُقدم المشرّعون الفرنسيون على تخفيف الإجراءات المالية المقترحة تجنّباً لكلفتها السياسية. أندرو كينينغهام، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في Capital Economics، أشار إلى أنّ الانتخابات قد تأتي بخلفٍ لإيمانويل ماكرون من أقصى اليمين أو أقصى اليسار. وقال في هذا السياق: «سيشعر المستثمرون أيضاً بالقلق إزاء تصاعد الشعبوية المالية بعد الانتخابات. هناك مخاطرة كبيرة من أن ترتفع فروق العائد أكثر بكثير، سواء قبل انتخابات العام المقبل أو بعدها».
وتزيد المعادلة تعقيداً تصريحات كينينغهام بشأن حزب التجمّع الوطني بزعامة مارين لوبن، الذي اقترح تخفيضاتٍ كبيرة في الإنفاق لتحقيق استقرار المالية العامة الفرنسية، لكنّه في المقابل لا يزال ملتزماً بتخفيضاتٍ ضريبية مكلفة، وفق وصف كينينغهام وهو تناقضٌ يجعل من الصعب على الأسواق التنبّؤ بمسار المالية الفرنسية بعد عام 2027.
لماذا يتحدّث المحلّلون عن «عدوى» تُشبه أزمة الديون السيادية؟
اتّساع فرق العائد بين فرنسا وألمانيا إلى أوسع مستوى منذ 2012 أعاد إلى الأذهان أزمة ديون منطقة اليورو في مطلع العقد الماضي. أنجل تالافيرا، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في Oxford Economics، حذّر من أنّ «احتمال انتقال العدوى إلى دولٍ أخرى وإلى منطقة اليورو ككل كبيرٌ جداً، وقد يتسبّب في أزمة خطيرة لكامل المنطقة» نظراً لحجم فرنسا وأهميتها النظامية في الاقتصاد الأوروبي. ويُخشى أن يمتدّ بيع السندات الفرنسية إلى أسواق الديون الأوروبية الأخرى ذات العائد المرتفع، خصوصاً أنّ عوائد سندات الحكومة في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بلغت جميعها مستوياتٍ قياسية خلال الأسابيع الأخيرة لم تُسجَّل منذ سنوات.
جاك ألين-رينولدز، نائب كبير الاقتصاديين لمنطقة اليورو في Capital Economics، ذهب إلى أنّ أوضاع المالية العامة الأوروبية تشكّل «مخاطر جدّية على الأسواق المالية في منطقة اليورو وعلى الاقتصاد». وفي السياق نفسه، اعتبر كارستن برزيسكي، رئيس قسم الاقتصاد الكلي في بنك ING، أنّ «أسعار الفائدة ستستمر في الارتفاع» ما لم تُقدم الحكومات على خفض الإنفاق وهو ما يرفع بدوره تكاليف الاقتراض على مستوى الاقتصاد ككل، ويجعل شراء المنازل والسيارات أكثر كلفة، ويقلّص حجم الاستثمار، وقد يدفع الحكومات نفسها نحو سياسات تقشّفية.
نموّ أوروبي مفاجئ في مواجهة فاتورة فوائد متصاعدة
المفارقة أنّ كلّ هذا يحدث بينما يُظهر الاقتصاد الأوروبي مرونةً لافتة. نشاط التصنيع والخدمات في منطقة اليورو نما الشهر الماضي بأسرع وتيرة له منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، بحسب بيانات مسح النشاط الاقتصادي S&P Global، مدعوماً باستثمارات الذكاء الاصطناعي وقوّة الطلب التصديري وزيادة الإنفاق الدفاعي الألماني. اقتصاديو Morgan Stanley وصفوا هذا التعافي في مذكرةٍ أواخر سبتمبر بالقول: «النمو الاقتصادي يعود، وأوروبا أظهرت مرونةً مفاجئة».
غير أنّ هذا الزخم بالذات هو ما يجعل ارتفاع عوائد السندات مصدر قلقٍ إضافي إذ يهدّد بأن يجهض التعافي الهشّ قبل أن يترسّخ، في وقتٍ يبقى فيه السؤال معلّقاً: هل تكفي الإجراءات المالية المقترحة في باريس لاحتواء الشكوك قبل أن تتّسع فروق العائد أكثر، أم أنّ الانتخابات المقبلة ستكون محطة اختبارٍ جديدة لصبر الأسواق تجاه ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا؟
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟

ظاهرة النينيو ترفع أسعار الغذاء العالمية
