محادثات الذكاء الاصطناعي كأدلة في الجرائم
تسليط الضوء على استخدام محادثات الذكاء الاصطناعي كأدلة في القضايا الجنائية يثير تساؤلات حول الخصوصية. كيف تؤثر تفاعلاتنا مع ChatGPT على حياتنا القانونية؟ اكتشفوا التفاصيل المثيرة في خَبَرَيْن.

قبل أيامٍ من اختفاء طالبَين دراسيَّين في جامعة جنوب فلوريدا الشهر الماضي، طرح أحد المقيمين مع أحدهما سؤالاً غريباً على روبوت الدردشة ChatGPT.
ففي 13 أبريل، سأل Hisham Abugharbieh التطبيقَ وفق ما ورد في وثيقة قضائية أعدّها المدّعون العامون في فلوريدا عن مآل شخصٍ يُوضع في كيس قمامة أسود ويُلقى في حاوية نفايات. وأفادت الوثيقة بأن ChatGPT ردّ بأن الأمر يبدو خطيراً، فعاد Abugharbieh بسؤالٍ آخر: "كيف سيكتشفون ذلك؟"
هذه المحادثة مع ChatGPT، المُدرجة في وثائق المحكمة التي تُلاحق Abugharbieh بتهمتَي قتلٍ عمدٍ من الدرجة الأولى، ليست إلا الحلقةَ الأخيرة في سلسلةٍ متنامية من القضايا التي يستعين فيها المحقّقون بسجلّات محادثات الذكاء الاصطناعي دليلاً جنائياً. فقد وُظِّفت محادثةٌ مماثلة مع ChatGPT في قضية إشعال حرائق لوس أنجلوس، كما كانت محادثةٌ عبر تطبيق Snapchat AI دليلاً محورياً في محاكمة قتلٍ عام 2024 في ولاية فيرجينيا.
بالنسبة للمحقّقين، تُشكّل هذه السجلّات نافذةً ثمينة على عقلية المشتبه به ودوافعه.
يقول Ilia Kolochenko، خبير الأمن السيبراني والمحامي في واشنطن العاصمة: "أرى أن أي محادثاتٍ مع روبوتات الدردشة الذكية تمثّل كنزاً حقيقياً لأجهزة إنفاذ القانون. يعتقد المشتبه بهم أن تفاعلاتهم مع الذكاء الاصطناعي ستبقى سرّية أو على الأقل بعيدةً عن الاكتشاف، فيطرحون أسئلةً مباشرةً وصريحةً للغاية."
وتكشف هذه القضايا الجنائية عن تناقضٍ صارخ: فبينما يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مرجعٍ يومي للاستشارات القانونية والتشخيصات الطبية وحتى الدعم النفسي، تظلّ تلك المحادثات خاليةً من أي حمايةٍ قانونية مماثلة لتلك التي تكفلها العلاقة مع المحامي أو الطبيب أو المعالج النفسي.
وقد أقرّ Sam Altman، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، بأن هذا الغياب للخصوصية يمثّل "مشكلةً ضخمة".
قال Altman في يوليو الماضي خلال بودكاست مع الكوميدي Theo Von: "الناس يتحدّثون إلى ChatGPT عن أكثر أمور حياتهم خصوصيةً. يستخدمه كثيرون، الشباب تحديداً، كمعالجٍ نفسي أو مدرّبٍ حياتي، يستشيرونه في مشاكل علاقاتهم ويسألونه: ماذا أفعل؟ الآن، حين تتحدّث إلى معالجٍ نفسي أو محامٍ أو طبيب عن هذه المشاكل، ثمّة حمايةٌ قانونية راسخة: السرية الطبية والسرية القانونية وما شابهها. لكنّنا لم نحلّ هذه المعادلة بعد فيما يخصّ ChatGPT. فإذا أفضيت إليه بأكثر أسرارك حساسيةً ثمّ نشأت دعوى قضائية، فقد نُلزَم بتسليم تلك المحادثات."
وأيّد عددٌ من الخبراء القانونيين الذين تحدّثوا هذا التحليل، مؤكّدين أنه لا توجد أي توقّعاتٍ مشروعة للخصوصية على تطبيقات الدردشة الذكية.
قالت Virginia Hammerle، المحامية المقيمة في تكساس: "في مكتبنا، نتعامل مع الأمر على هذا الأساس: كلّ ما يكتبه شخصٌ ما في ChatGPT قابلٌ للاستخدام كدليلٍ في المحكمة."
حين يصبح ChatGPT نفسه تحت المجهر
لا يقتصر اهتمام المحقّقين على ما يُخبر المستخدمون ChatGPT به، بل امتدّ ليشمل ما يُخبرهم ChatGPT إيّاه.
فقد أطلق المدّعي العام لولاية فلوريدا الأسبوع الماضي تحقيقاً جنائياً في شركة OpenAI، زاعماً أن ChatGPT قدّم "نصائح جوهرية" لمنفّذ الهجوم المسلّح على جامعة ولاية فلوريدا. وفي كندا، رفعت عائلات ضحايا إطلاق نار في مدرسة في فبراير الماضي دعوى قضائية ضدّ OpenAI و Altman شخصياً، تتّهم فيها الشركة وتطبيقها بالتواطؤ في الجريمة.
ردّت OpenAI بنشر بيانٍ مطوّل الثلاثاء أكّدت فيه "التزامها بسلامة المجتمع"، مشيرةً إلى أنها "ستواصل إيلاء الأولوية للسلامة مع الموازنة بين الخصوصية والحريات المدنية الأخرى للتصدّي للمخاطر الجدّية."
وبطبيعة الحال، الغالبية العظمى من مستخدمي ChatGPT لن يجدوا أنفسهم متورّطين في قضايا جنائية. غير أن الخبراء القانونيين نصحوا بالحذر فيما يُشارَك مع روبوتات الدردشة، في ظلّ هذه الإشكاليات المتعلّقة بالخصوصية وتنامي دور هذه التطبيقات في الحياة اليومية.
قال المحلّل القانوني، Joey Jackson: "هذا الملفّ لن يزيد إلا أهميةً وإلحاحاً وإثارةً للجدل، كلّما واصل الناس اللجوء إلى ChatGPT وغيره من المنصّات للاستفسار عمّا يفعلون."
سجلّات المحادثات في قاعة المحكمة
توظيف محادثات الذكاء الاصطناعي في القضايا الجنائية ظاهرةٌ حديثة، لكنّ الخبراء القانونيين يرون أنها تسير على خطى التعامل القانوني مع عمليات البحث على Google.
فهذا النوع من الأدلة الإلكترونية يكشف عموماً عن دوافع الشخص وأفعاله وحالته الذهنية، على ما يشرح Jackson.
فعلى سبيل المثال، صدر حكمٌ بإدانة Brian Walshe العام الماضي بقتل زوجته Ana، بعد أن عرض المدّعون العامون على هيئة المحلّفين عمليات بحثٍ مروّعة أجراها على Google، من بينها "10 طرق للتخلّص من جثّة" و"هل يمكن توجيه تهمة القتل دون وجود جثّة؟"
وفي قضيةٍ أخرى، تمحورت محاكمتا Karen Read المتعلّقة بوفاة ضابط شرطةٍ بوسطني في الثلج حول دلالة عبارة بحثٍ كتبها أحد الشهود على Google: "كم يستغرق الموت برداً؟" وقد بُرّئت Read في نهاية المطاف من أشدّ التهم خطورةً.
وقد برزت استفساراتٌ مشابهة على منصّات الذكاء الاصطناعي في قضايا بارزة عدّة.
في أكتوبر الماضي، وجّه المدّعون العامون الفيدراليون اتّهاماً لـ Jonathan Rinderknecht بالتسبّب في إشعال حريق تطوّر لاحقاً إلى الحريق المدمّر المعروف بـ Palisades Fire في كاليفورنيا. وتضمّنت الأدلة طلباته إلى ChatGPT، إذ طلب من التطبيق توليد صورةٍ لأشخاصٍ يفرّون من حريق، وأفاد بأنه أحرق إنجيلاً ذات مرّة و"شعر بتحرّرٍ عميق"، وفق ما جاء في وثيقةٍ داعمة للشكوى الجنائية.
وبعد اتّصاله بالطوارئ للإبلاغ عن الحريق، سأل ChatGPT: "هل أنت مسؤولٌ إذا اندلع حريقٌ بسبب سيجارتك؟" غير أن المدّعين العامين يدعون أنه أشعل النار "بنيّةٍ إجرامية"، على الأرجح بولّاعة، ويرون أن سؤاله لـ ChatGPT كان محاولةً لاختلاق تفسيرٍ أكثر "براءةً" لسبب الحريق.
Rinderknecht أنكر التهم الموجّهة إليه. وقال محاميه Steve Haney بأن موكّله لم يكن مسؤولاً عن Palisades Fire، مشيراً إلى أنه تقدّم بطلباتٍ لاستبعاد بعض أدلة ChatGPT.
قال Haney في رسالةٍ بريدية: "موقفنا أن سجلّات ChatGPT ليست اعترافاً ولا مسرح جريمة. الحكومة تطلب من هيئة المحلّفين قراءة عقل إنسانٍ من خلال شريط بحث، وهو أمرٌ لم يُجِزه العلم ولا القانون قطّ."
وفي قضية مقتل طالبَي جامعة جنوب فلوريدا، أُشير إلى أسئلة المشتبه به على ChatGPT في وثيقة الاتّهام الجنائي.
فإلى جانب السؤال عن وضع إنسانٍ في كيس قمامة، استفسر Abugharbieh من ChatGPT عن مشروعية الاحتفاظ بسلاحٍ ناري في المنزل دون ترخيص، وعن إمكانية تغيير رقم هوية المركبة (VIN)، وفق ما أوردته الوثيقة.
وفي الأيام التي أعقبت اختفاء Zamil Limon و Nahida Bristy، تواصلت عمليات البحث. ففي 19 أبريل، سأل Abugharbieh ChatGPT: "هل نجا أحدٌ من رصاصة قنّاصٍ في الرأس؟" و"هل سيسمع جيراني صوت سلاحي؟" و"هل ثمّة درجة حرارة ماءٍ تُحدث حروقاً فورية؟" وفق ما أوردته الوثيقة. وفي 23 أبريل، بحث عن معنى عبارة "بالغٌ مفقودٌ في خطر".
عُثر على جثّة Limon داخل كيس قمامة، بحسب ما أفادت السلطات. كما عُثر على رفاتٍ بشرية في كيسٍ ثانٍ، لكن لم يُؤكَّد بعد ما إذا كانت تعود إلى Bristy.
وُجِّهت إلى Abugharbieh تهمتا القتل العمد مع سبق الإصرار والترصّد من الدرجة الأولى. ولم يُدلِ بعدُ بأي إفادةٍ بشأن التهم، وأُمر باحتجازه دون كفالة. وعُيِّن مكتب المدافع العام في مقاطعة Hillsborough للدفاع عنه، لكنّه رفض الإفصاح عن تفاصيل القضية، محتجّاً بحقّ موكّله في محاكمةٍ عادلة.
الخصوصية والأفق القادم
هل يجب أن تحظى محادثات الذكاء الاصطناعي بحمايةٍ أكبر للخصوصية؟
في حديثه مع Von، دعا Altman إلى توفير حمايةٍ قانونية لمحادثات الذكاء الاصطناعي، معرباً عن خشيته الشديدة من توظيف الحكومة لسجلّات المحادثات في مراقبة المواطنين.
قال: "أعتقد أننا يجب أن ندافع حقّاً عن حقوق الخصوصية. لستُ أقول إنها مطلقة؛ أنا مستعدٌّ للتنازل عن بعض الخصوصية في سبيل السلامة الجماعية، لكنّ التاريخ يُثبت أن الحكومات تتجاوز هذا الحدّ بكثير، وهذا ما يقلقني فعلاً."
وأبدى مفكّرون آخرون في عالم التكنولوجيا مواقف مشابهة. فقد دعا Nils Gilman، المؤرّخ والمستشار الأول في مؤسّسة Berggruen Institute، في مقالٍ رأي نشرته صحيفة New York Times العام الماضي، إلى سنّ قوانين تُرسي حمايةً قانونية لمحادثات الذكاء الاصطناعي.
وفي حديثه، أوضح Gilman أن صانعي القرار أوجدوا تاريخياً حمايةً قانونية للأطباء والمحامين والمعالجين النفسيين لأن المنفعة الاجتماعية الناجمة عن صراحة تلك المحادثات تفوق مصلحة الدولة في الاطّلاع عليها.
قال Gilman: "بقدر ما يستخدم الناس نماذج اللغة الكبيرة بالطريقة ذاتها، ينبغي أن يحظوا بالحماية القانونية ذاتها."
بيد أن القانون في وضعه الراهن لا يمنح روبوتات الدردشة الذكية أيّ خبرةٍ أو حمايةٍ من هذا القبيل. فمحادثات الذكاء الاصطناعي تُعامَل قانونياً كأي بياناتٍ إلكترونية أخرى، كسجلّات المكالمات أو معاملات بطاقات الائتمان.
قال Jackson، المحلّل القانوني : "أنت تُدخل بياناتٍ في تطبيقٍ ما، وبالتالي لا تتمتّع بأي حمايةٍ خاصّة لتلك البيانات. الأمر لا يختلف عن إجراء مكالمةٍ هاتفية ثمّ الاعتراض على توظيفها دليلاً ضدّك."
ثمّة حالاتٌ استثنائية قد تنطوي على بعض الحماية. فماذا لو أدرج محامٍ ملفّ قضيّته السرّي في قاعدة بيانات روبوت دردشة؟ أو ماذا لو استعان شخصٌ يمثّل نفسه أمام المحكمة بـ ChatGPT في صياغة مستنداتٍ قانونية؟
قالت Hammerle: "القانون لا يزال يحاول اللحاق بالواقع."
لكن في ظلّ القانون كما هو اليوم، تجد محادثات الذكاء الاصطناعي طريقها من شاشة الحاسوب إلى قاعة المحكمة.
ختم Gilman بعبارةٍ لافتة: "ChatGPT ليس صديقك، ولا محاميك، ولا طبيبك، ولا شريك حياتك. توقّفوا عن مخاطبته كما لو كان كذلك."
أخبار ذات صلة

IBM وشركاء يحصلون على 2 مليار دولار أمريكي لتعزيز التفوق الكمي

ترامب قد يوقّع أمراً تنفيذياً بشأن الذكاء الاصطناعي الخميس المقبل

الثورة الشمسية الكوبية: كيف تتحدّى الحصار بتكنولوجيا صينية
