معركة المليارديرات ضد ضريبة الثروة في كاليفورنيا
رجل أعمال من أغنى أغنياء العالم ينفق 102 مليون دولار لمحاربة ضريبة جديدة في كاليفورنيا تستهدف المليارديرات بهدف تمويل عجز صحي هائل. صراع مالي وسياسي محتدم بين دعم الضرائب ومعارضة الأثرياء على خَبَرَيْن.

يبدو الأمر للوهلة الأولى معادلةً غريبة: رجلٌ تُقدَّر ثروته بنحو 270 مليار دولار، ويضعه تصنيف بلومبرغ للمليارديرات (Bloomberg billionaire profile) بين أغنى خمسة أشخاص على وجه الأرض، يدفع 102 مليون دولار من جيبه لمنع ضريبةٍ قد تكلّفه شخصياً ما يقارب 14 مليار دولار. الحكمة السائدة تقول إنّ المليارديرات يقاومون الضرائب لأنها تمسّ جيوبهم مباشرة، وهذا صحيحٌ جزئياً بلا شك. لكن سيرغي برين، أحد مؤسّسَي Google، لم يُنفق ثروةً استثنائية ليقتصد بضعة مليارات، بل ليمنع سابقةً يخشى أن تتكرّر في تسع وأربعين ولايةً أخرى. والفارق بين الدافعين جوهري، ومن يخلط بينهما يُسيء فهم ما يجري في كاليفورنيا هذا الخريف.
ماذا يقترح "البند رقم 40" فعلياً؟
المقترح المطروح على تصويت الناخبين في نوفمبر يفرض ضريبة لمرّة واحدة بنسبة 5% على أصول الأفراد والصناديق الاستئمانية التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، وتشمل كلّ من كان مقيماً في كاليفورنيا مطلع هذا العام، مع استثناءات محدّدة لبعض الأصول بحسب تفاصيل الاقتراح على Ballotpedia (Ballotpedia Proposition 40 page). ووفق موقع "متتبّع مليارديري كاليفورنيا"، فإنّ العدد المستهدَف بهذه الضريبة يزيد قليلاً عن 250 شخصاً فقط — رقمٌ صغير في العدد، هائلٌ في الثروة.
الداعمون للمقترح يقدّمون حجّةً مالية مباشرة: التخفيضات الفيدرالية في الإنفاق الصحي بموجب قانون "One Big Beautiful Bill" ستُحدث في كاليفورنيا عجزاً سنوياً يُقدَّر بنحو 20 مليار دولار، بينما يمكن لهذه الضريبة أن تجمع نحو 100 مليار دولار — أي ما يكفي لتغطية العجز لخمس سنوات تقريباً. ويحذّر براين غالي، أستاذ القانون في بيركلي وأحد واضعي المقترح، من أنّ "مقدّمي الخدمات في الأماكن ذات الفئات الضعيفة التي تعتمد كثيراً على برنامج Medi-Cal سيتأثّرون بشدّة خاصة" إذا لم تُقرّ الضريبة.
أمّا التوقيت فكان مقصوداً بعناية. يقول إيمانويل سايز، أستاذ الضرائب في بيركلي والمهندس الفعلي للمقترح: "بما أنّ الاقتراح أُعلن أواخر نوفمبر 2025، فقد ترك للمليارديرات شهراً واحداً فقط للمغادرة. واخترنا هذا التصميم لأننا نعتقد، استناداً إلى خبراء الضرائب، أنّه يكاد يكون مستحيلاً قطع الإقامة مع كاليفورنيا خلال شهر واحد". وبعبارة أوضح: "فات الأوان الآن على المغادرة".
من يموّل المعركة الإعلانية؟
سجلّات تمويل الحملات في الولاية تُظهر أنّ برين تبرّع بمبلغ 102 مليون دولار لمجموعة "Building a Better California" خلال العام الماضي، وهي من أبرز الجهات الممولة للجنة الرئيسية المعارضة للضريبة. وبحسب شركة رصد الإعلانات AdImpact، حجزت المجموعة أكثر من 50 مليون دولار من وقت البثّ الإعلاني، ضمن حملةٍ معارضة أنفقت في مجموعها ما يقارب 100 مليون دولار وصلت إلى ناخبي كاليفورنيا هذا العام. في المقابل، لم يتجاوز دعم حملة "نعم" نحو 100 ألف دولار في الإعلانات، فيما تقول ميغان فينيغان إنّ حملتهم أنفقت "بضع مئات الآلاف من الدولارات" فقط على التواصل مع الناخبين والمطبوعات الدعائية. بعض إعلانات المعارضة استشهدت بمنظمة Planned Parenthood ونقاباتٍ خارج القطاع الصحي كجهاتٍ معارِضة للضريبة أيضاً.
ولم يكن برين وحده؛ فقد انضمّ إليه ممولون آخرون من أثرياء كاليفورنيا، أبرزهم بيتر ثيل، وجون دوير رئيس مجلس إدارة شركة الاستثمار الجريء Kleiner Perkins، وباتريك كولّيسون الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات المالية الرقمية Stripe. وتُصرّ "Building a Better California"، بحسب مواقفها المعلَنة، على أنّها تدعم أيضاً توسيع فرص السكن الميسور — وهي مفارقة تستحق التوقّف، إذ إنّ ازدهار الذكاء الاصطناعي نفسه كان من أسباب ارتفاع تكاليف السكن في منطقة سان فرانسيسكو. كما تدعم المجموعة مقترحَين منافسَين، هما "البند 41" و"البند 42"، اللذان يحدّان من نطاق أيّ ضرائب جديدة في الولاية، ويمكن لأيٍّ منهما أن يَجُبّ "البند 40" إذا نال نسبة تصويت أعلى.
انقسامٌ ديمقراطي وسباقٌ حاكم متوتّر
الحاكم غافين نيوسوم، الذي يُنتظر على نطاق واسع أن يخوض سباق الرئاسة عام 2028، أعلن صراحةً أنه سيصوّت بـ"لا" على البند 40. بديله المفضّل هو ما وصفه بـ"ضريبة حدّ أدنى حقيقية على المليارديرات" على المستوى الوطني، محذّراً: "لا يمكننا أن نترك منظمة دعوة واحدة، مهما حسنت نيّتها، تكتب قانون الضرائب في الولاية وفق شروطها الخاصة". ويرى نيوسوم أنّ البند 40 لا يعالج احتياجات ميزانية الإسكان أو رعاية الأطفال أو التعليم.
هذا الانقسام يتجاوز نيوسوم؛ فمرشّحا الحُكم من الحزبين، الديمقراطي كزافيير بيسيرا والجمهوري ستيف هيلتون، يعارضان البند 40 كذلك، وهما مقرّران لمناظرةٍ على شبكة CNN مساء الأربعاء. أمّا استطلاعات الرأي فتعكس هذا التوتّر بوضوح: استطلاع معهد الحوكمة بجامعة بيركلي (UC Berkeley IGS) الشهر الماضي أظهر تأييد 48% من الناخبين المرجّح تصويتهم للبند مقابل معارضة 41%، بينما أظهر استطلاع معهد السياسات العامة في كاليفورنيا هذا الشهر أنّ 52% سيصوّتون بـ"نعم" بعد قراءة نصّ البند وعنوانه على بطاقة الاقتراع — أي أنّ صياغة السؤال نفسها قد تحسم نتيجة التصويت.
من فرار سوفييتي إلى مائدة البيت الأبيض
الأكثر لفتاً في هذه القصة ليس رقم التبرّع، بل مسار برين السياسي الذي يقود إليه. وُلد برين في موسكو، وفرّ مع عائلته من الاتحاد السوفييتي عام 1979. وفي تعليقٍ نادر نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 27 أبريل 2026، فسّر برين موقفه بلغةٍ أيديولوجية صريحة: "فررتُ من الاشتراكية مع عائلتي عام 1979، وأعرف المجتمع القمعي المدمّر الذي خلقته في الاتحاد السوفييتي". ثم أضاف: "لا أريد لكاليفورنيا أن تنتهي إلى المكان نفسه".
لكنّ هذا التبرير الأيديولوجي يصطدم بتحوّلٍ سياسي أوسع في سلوك برين نفسه. فالرجل الذي احتجّ عام 2017 في مطار سان فرانسيسكو الدولي على حظر ترامب لسفر مهاجرين من عدّة دول ذات أغلبية مسلمة، حضر حفل تنصيب ترامب الثاني في 20 يناير 2025، وتناول العشاء مع قادة التكنولوجيا في البيت الأبيض في سبتمبر 2025، وتبرّع بمئات آلاف الدولارات للجنة الوطنية الجمهورية العام الماضي. وفي انتخابات كاليفورنيا التمهيدية هذا العام، دعم برين في البداية مرشّحاً ديمقراطياً مؤيّداً للتكنولوجيا، قبل أن يقدّم دعماً مالياً أيضاً لستيف هيلتون، المرشّح الجمهوري المدعوم من ترامب. هذا التحوّل نحو اليمين ليس معزولاً؛ إذ يجد قادة وادي السيليكون في الحزب الجمهوري ميلاً عاماً نحو مقاربةٍ أقلّ تدخّلاً في تنظيم قطاع التكنولوجيا، وهو ما يفسّر جزءاً من إعادة اصطفافهم السياسي.
تفسّر مارغريت أومارا، المؤرخة في جامعة واشنطن، هذا السلوك بأنّ قادة التكنولوجيا "ما زالوا يرون أنفسهم دخلاء، شبّاناً مسلّحين لا ينتمون إلى النظام"، ويحاولون تصوير معارضتهم للضريبة على أنها مصلحةٌ مشتركة مع عامة الناخبين. لكنّ هذا التموضع يصطدم بواقعٍ متغيّر: تفاؤلٌ تقني راسخ لدى هذه النخبة يواجه شكوكاً شعبية متنامية حيال تأثير التكنولوجيا، مدفوعة بمخاوف من مراكز البيانات، وفقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
لماذا الضريبة على الأصول لا الدخل؟
جانبٌ آخر يستحق التوقّف: البند 40 يفرض الضريبة على الأصول لا على الدخل فحسب، وهذا اختيارٌ ليس تقنياً بحتاً. فكثيرٌ من سكان وادي السيليكون يتقاضون رواتب متواضعة رسمياً، بينما تكمن ثرواتهم الفعلية في الأسهم والعقارات وأصول أخرى — وهو ما يجعل ضريبة الدخل التقليدية عاجزةً عن مسّ هذه الثروات. روبرت لابسلي، رئيس منتدى الأعمال في كاليفورنيا (California Business Roundtable)، يرى في هذا التصميم خطراً حقيقياً: "لدينا بالفعل أعلى الضرائب في البلاد — ضرائب الوقود، ضرائب الدخل". ويضيف: "أن نفرض ضريبةً على الأصول فوق كلّ ذلك سيدفع، بل يدفع فعلاً، خالقي فرص العمل الذين لدينا في هذه الولاية للرحيل عنها".
هذا بالضبط التهديد الذي لوّح به قادة تكنولوجيا وشركات آخرون: نقل إقاماتهم وأعمالهم خارج كاليفورنيا إذا أُقرّ البند. لكن سايز صمّم الجدول الزمني تحديداً لسدّ هذه الثغرة، معتبراً أنّ إعلان البند في أواخر نوفمبر 2025 لم يترك سوى شهرٍ واحد لأيّ محاولة جادّة لقطع الإقامة قانونياً — وهو زمنٌ غير كافٍ بحسب خبراء الضرائب الذين استشارهم.
ماذا لو نجح البند؟
هنا يكمن السؤال الأهمّ الذي يتجاوز حدود كاليفورنيا: فالاستفتاء لن يحدّد فقط مصير مئتين وخمسين مليارديراً في ولايةٍ واحدة، بل قد يرسم نموذجاً تحتذي به ولايات أخرى، تسعى بعضها بالفعل لجذب قادة الصناعة إذا فرّوا من كاليفورنيا. غوغل الأمّ Alphabet، التي يجلس برين في مجلس إدارتها ويؤدّي دوراً محورياً في جهودها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، لم تردّ على طلبٍ للتعليق بشأن تبرّعات مؤسِّسها.
أمّا سايز، مهندس المقترح، فينظر إلى اللحظة بمنظارٍ تاريخي واضح: "إذا نجح البند 40، أراه نقطة تحوّل تاريخية"، ويضيف أنه سيكون "المرّة الأولى التي تنجح فيها الديمقراطية في المقاومة ضدّ المليارديرات". سواء صدق هذا التوصيف أم بالغ فيه، فإنّ ما يجري في كاليفورنيا هذا الخريف ليس مجرّد نزاعٍ محلي على بند تصويت، بل اختباراً لمدى قدرة ثروةٍ مركّزة على شراء الرأي العام في مواجهة صندوق اقتراع — ونتيجته، أياً كانت، ستُقرأ باهتمامٍ في تسع وأربعين ولايةً أخرى تراقب من بعيد.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
