رحلة Artemis II تفتح آفاق الفضاء للبشرية
عاد رُوّاد الفضاء الأربعة من مهمة Artemis II، ليشاركوا تجربتهم التاريخية حول القمر. اكتشفوا التحديات النفسية والمشاعر التي عاشوها خلال الرحلة، وكيف تركت المهمة أثراً عميقاً على العالم. انضموا إليهم في هذه القصة الملهمة!

عاد رُوّاد الفضاء الأربعة المشاركون في مهمّة Artemis II إلى الواجهة، بعد أسبوعٍ من عودتهم إلى الأرض، ليُجيبوا للمرّة الأولى على أسئلة الصحفيين والجمهور حول رحلةٍ وصفها كثيرون بأنّها من أجرأ ما شهده برنامج الفضاء البشري منذ عقود.
الطاقم المؤلّف من رائدَي الفضاء في NASA ريد وايزمان وفيكتور غلوفر وكريستينا كوك، إلى جانب رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن التابع لوكالة الفضاء الكندية، أتمّ رحلةً تاريخية استغرقت 10 أيّام دار خلالها الطاقم حول القمر في مسارٍ احتجازي على غرار المقلاع. وقد وجد الأربعة أنفسهم فجأةً في مصافّ المشاهير.
قال وايزمان خلال المؤتمر الصحفي: «حين عُدنا، فوجئنا بهذا الزخم العالمي من الدعم والفخر والشعور بالمشاركة في هذه المهمّة. هذا بالضبط ما أردناه أن نخرج ونحاول صنع شيءٍ يجمع العالم».
وكانت هذه المهمّة المرّة الأولى التي يصل فيها رُوّاد فضاء إلى مسافة القمر منذ الرحلة الأخيرة لبرنامج Apollo عام 1972. بل ذهب الطاقم أبعد من ذلك، إذ تجاوز الرقم القياسي الذي أرسته Apollo 13 عام 1970 ليصبح أبعد البشر مسافةً في الفضاء على الإطلاق.
أضافت كوك أنّه من الصعب وصف «مقدار ما عانتهٌ لنا ولكن يجب أن نعلم أنّ المهمّة تركت أثراً»، مؤكّدةً: «لا أستطيع المبالغة في وصف أهمّية ذلك بالنسبة لنا. كان بنفس أهمّية تحقيق الأهداف التقنية أردنا أن تكون هذه مهمّة العالم بأسره».
خمس ثوانٍ من السقوط الحرّ
حين عاد الطاقم إلى الأرض الأسبوع الماضي، كان عليه أوّلاً اجتياز اللحظة الأكثر توتراً في الرحلة كلّها: إعادة الدخول إلى الغلاف الجوّي، وهي المرحلة التي يخترق فيها الكبسولة الغلافَ الداخلي الكثيف للأرض بسرعةٍ تتجاوز 30 ضعف سرعة الصوت.
وصف غلوفر التجربة بأنّها كانت مثيرةً للمشاعر الحسّية بعمق؛ إذ فاجأه صوت انتشار المظلّات بعد أن هوت كبسولة Orion عبر الهواء، فضلاً عن انقطاع الاتّصالات لستّ دقائق كاملة جرّاء البلازما الناجمة عن السرعة الهائلة للمركبة.
«لو تخيّلت نفسك تقفز من ناطحة سحاب للخلف هكذا بالضبط ماشعرنا به لمدّة خمس ثوانٍ»، قال غلوفر واصفاً اللحظة التي دخلت فيها الكبسولة في سقوطٍ حرّ بعد انفصال مجموعةٍ من المظلّات.
ما الذي يحدث فيزيائياً خلال إعادة الدخول؟ حين تصطدم المركبة بجزيئات الهواء لأوّل مرّة، تتولّد موجة ضغطٍ عنيفة قادرة على رفع درجات الحرارة إلى ما يقارب 2,760 درجة مئوية. الحماية من هذه الحرارة تتولّاها درعٌ حراري (Heat Shield) مثبّت في قاع كبسولة Orion، وهو مصمَّم ليتفحّم ويتآكل تدريجياً بهدف تبديد الحرارة والإبقاء على درجة حرارةٍ مناسبة داخل الكبسولة.
غير أنّ NASA أطلقت مهمّة Artemis II بدرعٍ حراري لم يكن في أفضل حالاته. وخلال المؤتمر الصحفي، أشار رُوّاد الفضاء إلى أنّهم اعتقدوا أنّهم رأوا لحظة «فقدان للطبقة المتفحّمة» أي أنّ أجزاءً من الدرع الحراري ربّما انفصلت. وكانت ظاهرة مماثلة قد رُصدت خلال رحلة Artemis I غير المأهولة عام 2022، وأملت NASA في التخفيف من حدّتها عبر تعديل مسار إعادة الدخول في Artemis II، دون أن تستبدل الدرع الحراري أو تُعدّله بين المهمّتين.
قال وايزمان عن المسار المعدَّل: «دخلنا بسرعةٍ أكبر .دخلنا وهي تحترق»، مضيفاً أنّه رغم ذلك «كانت الرحلة سلسةً طوال الوقت وأنا أنظر من النافذة»، مشيراً إلى أنّ الطاقم ينتظر التحليل الكامل من NASA حول أداء الدرع الحراري.
«كنت أراقب نفسي بحثاً عن علامات التوتّر»
تحدّث الطاقم بصراحةٍ لافتة عن المشاعر الغريبة التي ينتابك حين تشاهد كوكبك يتضاءل خلفك وأنت تمضي إلى أعماق الفضاء.
قال وايزمان: «حين تنظر إلى شاشة العرض وترى 212,000 ميل، والرقم يزداد... يظلّ وعيك في حالة تأهّبٍ مستمرّ طوال الوقت».
وأضاف: «كنت أراقب نفسي يومياً أتأمّل وأبحث عن علامات الانفعال أو التوتّر أو القلق. في أحد الأيّام، كنّا نفتّش في حقيبة الأدوية ووجدنا دواءً للتوتّر والقلق. قلنا: لا أستطيع حتّى تخيّل تناوله».
لكنّ غلوفر أكّد أنّ تحدّيات الصحّة النفسية كانت جزءاً لا يُنكر من التجربة: «هذا الجانب بالغ الأهمّية. لدينا فريقٌ من علماء النفس والأطبّاء النفسيّين المتخصّصين في العمليات الفضائية يساعدوننا على بناء المهارات اللازمة لإنجاز مثل هذه المهام. لم نواجه ذلك وحدنا».
«أقرب ما يمكن أن يكون عليه أربعة بشر»
التقط الطاقم صوراً مذهلة للقمر خلال التحليق فوق سطحه لسبع ساعات، وهو ما جرى في اليوم السادس من المهمّة. وقد أسرت رحلتهم ونظرتهم غير المسبوقة إلى الجانب البعيد من القمر مخيّلة الجمهور بقدر ما كانت ذات قيمةٍ علمية وفق NASA.
{{MEDIA}}
بعد سنواتٍ من التدريب المشترك وأكثر من أسبوعٍ في الفضاء، بات رُوّاد الفضاء الأربعة يصفون علاقتهم بما يتخطّى مجرّد كونهم زملاء في الطاقم. إنّهم إخوة وأخوات، كما قالوا، تجمعهم رابطةٌ لا تنكسر نسجتها تحدّيات رحلتهم وانتصاراتها من الإقامة في مساحةٍ ضيّقة داخل كبسولة Orion البالغ قطرها 5 أمتار، إلى التعامل مع عطلٍ في دورة المياه، وصولاً إلى تجربة النظر إلى الأرض من عزلة مركبةٍ فضائية تبعد أكثر من 400,000 كيلومتر وانقطع عنها الاتّصال اللاسلكي.
قال وايزمان في مستهلّ مؤتمر الصحفيين: «هذا أقرب ما يمكن أن يكون عليه أربعة بشر دون أن يكونوا عائلةً واحدة».
ومزحت كوك بأنّه حين عاد الأربعة إلى الأرض وناموا في أسرّتهم على متن سفينة الإنقاذ البحرية تلك الليلة، شعروا بأنّ المسافة بينهم باتت غير محتملة: «كانت المسافة بيننا نحو مترَين ونصف في الأسرّة، وكان ذلك يبدو بعيداً جدّاً ».
«علينا قبول قدرٍ أكبر من المخاطرة»
قال رُوّاد الفضاء إنّهم منشغلون منذ عودتهم ويحتاجون إلى مزيدٍ من الوقت لاستيعاب الأثر الكامل لمهمّتهم على أنفسهم وعلى العالم. لكنّهم جميعاً أبدوا حماساً وجاهزيةً لمواصلة المضيّ قُدُماً في رحلة الإنسان إلى الفضاء.
أشار وايزمان إلى أنّه لو كان طاقم Artemis II قد أخذ معه مركبة هبوطٍ قمرية، لكان «ثلاثة على الأقلّ» من أعضاء الطاقم يتسابقون لاستخدامها للنزول إلى سطح القمر وهو ما لم يكن متاحاً في رحلة التحليق هذه.
أمّا هانسن فتأمّل مستقبل NASA، مشيراً إلى أنّ الوصول إلى هدف إنشاء قاعدةٍ دائمة على القمر يتطلّب من رُوّاد الفضاء أن يكونوا على استعدادٍ حقيقي لمواجهة الخطر: «علينا أن نكون مستعدّين لقبول قدرٍ أكبر من المخاطرة ممّا كنّا مستعدّين لقبوله في الماضي».
أخبار ذات صلة

العلماء يكتشفون أثر سلفٍ منقرضٍ منذ زمنٍ بعيدٍ في الإنسان المعاصر

مضيق جبل طارق : 124 حطام سفينة تكشف عن تاريخ بحري .

الحرب الأهلية النادرة بين الشمبانزي: ماذا تعلّمنا عن الصراع الإنساني
