الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظائفك بالكامل قريباً
الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظيفتك بالكامل، بل يعيد تشكيلها. بينما تتزايد المخاوف من التسريح، يكشف الخبراء أن التقنية تعزز الإنتاجية دون استبدال الأدوار. تعرف على كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل في خَبَرَيْن.

الذكاء الاصطناعي لن يسرق وظيفتك قريباً على الأرجح
على الأقل، لن يسرقها كلّها.
منذ أكثر من عام، تتصاعد المخاوف من أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ العمال البشريين، وسط موجة تسريح واسعة في الشركات، ونماذج ذكاء اصطناعي باتت أكثر قدرةً على أداء أعمال المكاتب، واندماجٍ أعمق للتقنية في العمليات التشغيلية. وبحسب تقرير صادر الخميس عن شركة Challenger, Gray & Christmas المتخصّصة في إعادة توظيف المديرين التنفيذيين، جاء الذكاء الاصطناعي في صدارة الأسباب التي استشهدت بها الشركات لتبرير تسريح موظفيها خلال أبريل، وللشهر الثاني على التوالي.
وكتبت Microsoft في تقرير نشرته الأسبوع الماضي حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل: "القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي في بيئة العمل حقيقيٌّ من الخوف على الوظائف إلى الضغط الناجم عن مواكبة تقنيةٍ تتطوّر بوتيرةٍ متسارعة."
غير أنّ الخبراء يؤكّدون أنّ الواقع أكثر تعقيداً من هذه الصورة الثنائية. فالشركات توظّف الذكاء الاصطناعي لأتمتة جوانب بعينها من الوظائف، لا لاستبدال الأدوار الوظيفية بأكملها.
إعادة رسم حدود الوظائف
يحاول قادة الأعمال اليوم أن يفهموا ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله وما يعجز عنه، ثمّ يُعيدون رسم الوظائف القائمة حول المهام التي لا يمكن إنجازها إلّا بيدٍ بشرية. وفي هذه الأثناء، جرى تسريح آلاف الموظفين؛ إذ أعلنت شركة البنية التحتية للإنترنت Cloudflare وشركة العملات المشفّرة Coinbase عن أحدث جولات خفض الوظائف.
تقول Alexis Krivkovich، الشريكة الأولى في McKinsey & Company والمشرفة على ممارسة الأداء التنظيمي والبشري فيها: "القليل جداً من الوظائف هو ما يُؤتمَت بالكامل بفعل تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتاحة حالياً."
وتستشهد Krivkovich بأبحاث McKinsey للقول إنّ الذكاء الاصطناعي قادرٌ تقنياً على أتمتة 57% من الأنشطة المرتبطة بالعمل، لكنّ هذه النسبة موزّعةٌ على "أجزاء وشظايا" من مهام ومسؤوليات متعدّدة داخل المؤسّسة الواحدة.
أمّا Nitin Seth، المؤسّس المشارك لشركة Incedo للخدمات الرقمية والاستشارات، فيقول إنّ شركته تساعد عملاءها على رفع الإنتاجية بنسبة 20% إلى 25% على الأقل باستخدام الذكاء الاصطناعي، دون تقليص الكوادر البشرية بالقدر ذاته. والسبب أنّ الذكاء الاصطناعي لا يتولّى سوى أجزاء محدّدة من كلّ دور وظيفي.
يوضّح Seth بمثالٍ طريف: "لا يمكنك أن تأخذ ربع Lisa وربع Jessica وربع Nitin وربع شخصٍ آخر وتصنع منهم موظّفاً واحداً."
المهندسون وتحوّل الهوية المهنية
القطاع الأكثر تأثّراً بمخاوف الذكاء الاصطناعي هو قطاع التكنولوجيا. فقد اعتمد مهندسو البرمجيات بصورةٍ متزايدة على هذه التقنية لمساعدتهم في كتابة الأكواد البرمجية؛ وتُشير دراسةٌ أجرتها الذراع البحثية لـ Google في سبتمبر إلى أنّ 90% من العاملين في مجال التقنية يستخدمون الذكاء الاصطناعي في أعمالهم. كما كشف Stack Overflow، المنتدى الشهير للمطوّرين، أنّ 84% من المشاركين في استطلاعه إمّا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملية تطوير البرمجيات أو يخطّطون لذلك.
لكنّ عمل مهندس البرمجيات يتجاوز كتابة الأكواد بكثير: فهو يشمل مراجعة الكود، وتصميم الأنظمة، واستكشاف الأخطاء وإصلاحها، وتحديد ما يجب بناؤه. وقد يدفع ذلك الشركات إلى إعادة النظر في المسمّيات الوظيفية ذاتها، وفق ما يرى Boris Cherny، رئيس Claude Code في Anthropic.
قال Cherny في مارس: "أعتقد أنّنا بحلول نهاية العام سنشهد تراجعاً لمفهوم هندسة البرمجيات كما نعرفه." ويرى أنّ مسمّى "المنشئ" (Builder) قد يكون أكثر ملاءمةً مع توسّع نطاق الدور وتراجع حجم كتابة الأكواد فيه.
Sujata Sridharan، التي عملت مؤخّراً في شركة التكنولوجيا المالية Bolt وتمتلك خبرةً تقارب عقداً في هندسة البرمجيات، تعيش هذا التحوّل عن كثب. وتقول في رسالة إلكترونية لـ CNN إنّ عملها لا يزال يستلزم حلّ المشكلات والتفكير النقدي، وإن كانت طريقة التنفيذ باتت تجمع بين كتابة الأكواد وتوجيه الذكاء الاصطناعي.
وتضيف: "مع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي، تحوّلت المهارات المطلوبة فعلياً في العمل نحو أسئلةٍ من قبيل: هل تستطيع تمييز جودة الكود الصحيحة؟ هل تستطيع حلّ المشكلات؟"
أرقام التسريح لا تكذب
لا يعني ما سبق أنّ الذكاء الاصطناعي لا يُسهم في فقدان الوظائف؛ الأمر فحسب أنّه على الأرجح لا يستولي على أدوارٍ وظيفية كاملة. فقد استُشهد بالذكاء الاصطناعي في أكثر من 49,000 حالة تسريح حتّى الآن هذا العام، وفق تقرير Challenger, Gray & Christmas.
أعلنت شركة Block، المشغّلة لخدمتَي Square وCash App، عن تسريح 40% من موظّفيها هذا العام، مستندةً إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق المزيد بفرقٍ أصغر. وأعلنت Coinbase عن تقليص كادرها بنحو 14%، يعود جزءٌ منه إلى أنّ الذكاء الاصطناعي بات يمكّن المهندسين من "إنجاز في أيامٍ ما كان يستغرق فريقاً بأكمله أسابيع"، على حدّ قول رئيسها التنفيذي الثلاثاء. أمّا Cloudflare فأشارت إلى أنّ طريقة عمل الشركة تغيّرت تغيّراً جذرياً، مؤكّدةً أنّ استخدامها للذكاء الاصطناعي ارتفع بأكثر من 600% في الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها.
يرى Dan Priest، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في PwC الأمريكية، أنّ ثمّة "اضطراباً وظيفياً قادماً في الأفق"، غير أنّه يؤكّد أنّه لا يشهد تسريحاً جماعياً في معظم الشركات، ولا فئاتٍ وظيفية كاملة في خطر حالياً.
وأشارت Microsoft في تقريرها، الذي شمل 20,000 موظّف يستخدمون الذكاء الاصطناعي في 10 دول، إلى أنّ معظم الشركات لم تُعِد بعد ضبط مقاييس الأداء والحوافز لتتوافق مع الطريقة التي يُغيّر بها الذكاء الاصطناعي بيئة العمل. وبدلاً من ذلك، تجد كثيراً منها نفسها في مواجهة سؤالٍ أكثر جوهرية: ما المهارات التي يحتاجها الإنسان فعلاً في هذه المعادلة الجديدة؟
إلى أين يصل هذا؟
قد يستمرّ المشهد في التحوّل مع تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تولّي مهامٍ مكتبية أكثر تعقيداً. فقد أعلنت Anthropic الثلاثاء عن وكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents) مصمَّمين للعمل المالي، كبناء عروض الاستثمار وصياغة مذكّرات الائتمان.
يختم Umesh Ramakrishnan، المؤسّس المشارك وكبير مسؤولي الاستراتيجية في شركة البحث التنفيذي Kingsley Gate، بقوله: "يبدأ الأمر من الأسفل، ثمّ يواصل الصعود. ولا أعرف أين يتوقّف."
أخبار ذات صلة

جامعة مكسيكية تستخدم الذكاء الاصطناعي لمكافحة الغش... والآن آلاف القبولات موضع شك

تسرّب OpenAI كان أوسع نطاقاً ممّا توقّعنا

ميتا: زوكربيرج يحذّر من حظر نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية
