تحديات الفائدة في مواجهة استثمار الذكاء الاصطناعي
الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات ترفع التضخم وتضع الاحتياطي الفيدرالي في تحدٍ جديد رفع الفائدة قد لا يوقف سباق التكنولوجيا الذي تقوده شركات الهايبرسكيلر في مواجهة موجة تضخم غير مسبوقة خَبَرَيْن

حين تُقرّر شركات التكنولوجيا الكبرى أن تبني المستقبل "بالأمس"، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام معضلة لم تُعدَّ له أدواته التقليدية لمواجهتها. فالبنك المركزي الأمريكي يستعدّ هذا الأسبوع لرفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ يوليو 2023، في مواجهة موجة تضخّم تغذّيها جبهتان متزامنتان: توترات الشرق الأوسط، وبنية تحتية رقمية تُبنى بمئات مليارات الدولارات.
عندما يُصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً تضخّمياً
لم يكن الذكاء الاصطناعي في حسابات الاقتصاديين الكلاسيكيين حين وضعوا نماذج التضخّم وأسعار الفائدة. لكنّ بيانات اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يوليو 2024 كشفت أن "عدداً من الأعضاء" أبدوا قلقاً صريحاً من أن الاستثمارات الهائلة في مراكز البيانات باتت تُغذّي الطلب الكلّي وتُسهم في رفع الأسعار.
الأرقام تُوضّح لماذا. تُقدّر شركة PricewaterhouseCoopers الإنفاق الحالي على البنية التحتية لمراكز البيانات بـ800 مليار دولار، مع توقّعات بأن يبلغ 1.1 تريليون دولار بحلول 2030. أمّا تقديرات Gartner فأكثر حدّةً: 1.37 تريليون دولار على مراكز البيانات وحدها بحلول 2026، في حين بلغ إجمالي الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي — من برمجيات وخدمات وأمن سيبراني — 2.52 تريليون دولار في 2024.
ما يُقلق الاقتصاديين ليس الرقم في حدّ ذاته، بل طبيعة هذا الإنفاق. تقول بيث هامّاك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في Cleveland، بصراحة: "الطلب لا يشبع لدرجة أن هذه الشركات — شركات الهايبرسكيلر — ستدفع أيّ ثمن للحصول على مدخلاتها، وهي تريد أن تُبنى الأشياء بالأمس". وهامّاك كانت من بين ثلاثة مسؤولين في الفيدرالي — إلى جانب نيل كاشكاري، رئيس بنك Minneapolis، ولوري لوغان، رئيسة بنك Dallas — صوّتوا في يوليو 2024 ضدّ الإبقاء على الفائدة ثابتة، مطالبين برفعها فوراً.
كاشكاري نفسه لم يُخفِ قناعته في بيانه الرسمي: "الاستثمار الضخم في مراكز البيانات أضاف عنصراً جديداً للطلب يُغذّي التضخّم المرتفع الذي يعانيه الأمريكيون".
الهايبرسكيلر: جيوب عميقة لا تهاب الفائدة
Amazon و Microsoft و Google و Meta و Oracle — هذه الشركات الخمس تُشكّل العمود الفقري لموجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ميزانياتها العمومية متينة، وشهيّتها للتوسّع لا تُخمدها أسعار الفائدة المرتفعة بسهولة.
يُفسّر جيم كارون، كبير مسؤولي الاستثمار في Morgan Stanley Investment Management، المنطق الذي يحكم هذه الشركات: "إذا كنت شركة خدمات تكنولوجية أو صانع رقائق، فهدفك هو الاستحواذ على أكبر حصّة سوقية ممكنة في المراحل الأولى جداً لهذا التطوّر التكنولوجي. كلّما انتظرت أطول، كان الأمر أصعب للترسّخ في هذا المجال".
والمشكلة أن هذه الشركات لم تعد تعتمد فقط على احتياطياتها النقدية، بل باتت تلجأ بشكل متزايد إلى أسواق السندات لتمويل هذا الإنفاق. يرصد بيورن غريسباخ، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلّي وأسواق رأس المال في Allianz Trade، هذا التحوّل بقلق: "الجميع يراقب هؤلاء الهايبرسكيلر عن كثب أكثر من أيّ وقت مضى، لأنّهم انتقلوا من شركات تمتلك كميات ضخمة من السيولة إلى شركات تستنزف قدراً كبيراً من أسواق الائتمان".
هذا التحوّل يُثير مخاوف جدّية تتعلّق بمخاطر أسواق الائتمان، وهي إضافة جديدة إلى قائمة التحدّيات التي يواجهها الاحتياطي الفيدرالي.
هل تنجح أداة الفائدة في مواجهة عصر الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأعمق الذي يطرحه المحلّلون هو: هل رفع الفائدة فعّال أصلاً في مواجهة هذا النوع من الإنفاق؟ يان كريسناك، كبير استراتيجيي الاستثمار في Vanguard، يُصيغ المعضلة بدقّة: "هم يرون هذا باعتباره بناءً للمستقبل لهذه التكنولوجيا، فهل ستُغيّر زيادة هامشية في أسعار الفائدة هذه الديناميكية فعلاً؟"
الإجابة المختصرة: على الأرجح لا بشكل كافٍ. الاحتياطي الفيدرالي يستخدم أسعار الفائدة لكبح الطلب، لكن حين يكون الطلب مدفوعاً بشركات تعتقد أن التأخّر يعني خسارة السباق التكنولوجي، فإن رفع الفائدة ربع نقطة — أو حتى ثلاث مرات كما تتوقّع وول ستريت — قد لا يُغيّر المعادلة جوهرياً.
وبينما تتواصل موجة الاستثمار، يبقى التساؤل الذي طرحه غريسباخ معلّقاً في الهواء: "السؤال بالمليون دولار هو: هل ستؤتي كل هذه الاستثمارات في مراكز البيانات والرقائق والبرمجيات ثمارها؟"
ما يُنتظر هذا الأسبوع
قرار الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع سيكون الاختبار الأول لمدى جدّية البنك في مواجهة التضخّم المزدوج المصدر. المستثمرون في أسواق السندات — وهم الأكثر تضرّراً من توسّع الهايبرسكيلر في الاقتراض — سيُراقبون عن كثب ليس فقط قرار الرفع، بل لهجة البيان المرافق ومؤشّرات المسار المستقبلي. تقرير PwC يُرسم صورة واضحة: الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لن يتوقّف، والسؤال الحقيقي هو كم من الوقت سيحتاج الاحتياطي الفيدرالي ليقتنع بأن أدواته التقليدية تحتاج إلى مراجعة.
أخبار ذات صلة

ممرّ هرمز مفتوح.. فلماذا أسعار الوقود في ارتفاع؟

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تسلط الضوء على أزمة ديون قد تمتد إلى بقية أوروبا

أسواق المال تشهد ازدهاراً.. هل ترفع العوائد المتصاعدة الأسعار؟
