خَبَرَيْن logo

الصداقة مع الذكاء الاصطناعي أزمة الوحدة الجديدة

هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي صديقاً مثالياً؟ بينما يبدو ذلك جذاباً، يحذر الخبراء من أن هذه "الصداقة" قد تعزز الوحدة بدلاً من حلها. اكتشف كيف يؤثر التواصل الحقيقي على حياتنا في مواجهة العزلة. خَبَرَيْن.

رجل مستلقٍ على الأريكة، يحمل هاتفه الذكي، يرتدي ملابس منزلية مريحة، محاط بأجواء منزلية هادئة تعكس شعور الوحدة.
يقول الخبراء إن الشاشة تفتقر إلى العناصر الأساسية اللازمة لمعالجة مشاعر الوحدة.
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل تخيّلت يوماً أن يكون لديك صديقٌ مثالي متاحٌ في كلّ وقت، لا يحكم عليك أبداً، يوافقك على كلّ شيء، ولا يطلب منك شيئاً في المقابل؟ يبدو هذا حلّاً سحرياً لأزمة الوحدة التي يعانيها ملايين البشر حول العالم. لكنّ الخبراء يقولون عكس ذلك تماماً بل يُحذّرون من أنّ هذا النوع من «الصداقة» قد يُفاقم المشكلة بدلاً من أن يحلّها.

هذا الصديق «المثالي» موجودٌ بالفعل، وهو الذكاء الاصطناعي. وقد اقترح Mark Zuckerberg، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، العام الماضي أنّ هذه التقنية قد تُساعد في معالجة مشاعر الوحدة والعزلة. والمشكلة حقيقيةٌ بلا شكّ: فقد صنّفت منظمة الصحة العالمية الوحدةَ أولويةً صحّية عالمية في عام 2023، وفي العام ذاته وصفها المدير العام للصحة العامة في الولايات المتحدة بأنّها وباءٌ وطني. والأرقام تدعم هذا القلق؛ إذ تُشير الأبحاث إلى أنّ الأشخاص الذين يعانون العزلة الاجتماعية يواجهون خطراً أعلى بنسبة 32% للوفاة المبكّرة مقارنةً بغيرهم.

تتناول هذه القضية الحلقة الأحدث من البرنامج الوثائقي بعنوان "Kara Swisher Wants to Live Forever"، حيث تستكشف الصحفية Kara Swisher تأثير الوحدة على طول العمر، والسُّبل الممكنة لتعزيز الشعور بالتواصل الاجتماعي، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُسهم في حلّ أزمة العزلة أم يُعمّقها.

وقد جرّبت Swisher بنفسها رفقة الذكاء الاصطناعي من جهة، وبناء العلاقات الإنسانية الحقيقية من جهةٍ أخرى. والخلاصة كانت واضحة: الذكاء الاصطناعي له جاذبيّته، لكنّه لا يُقارَن بما تمنحه التجربة الإنسانية الحقيقية.

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة Sherry Turkle، أستاذة الدراسات الاجتماعية للعلوم والتكنولوجيا في معهد Massachusetts Institute of Technology: "كانت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة المدخل إلى رفقة الذكاء الاصطناعي. في البداية كنّا نتحدّث إلى بعضنا عبر الآلات، والآن نتحدّث مباشرةً إلى الآلات. لقد اعتدنا أن نلتمس الارتباط العاطفي من شاشة."

وهمُ الصداقة

من المفهوم أن يلجأ الشخص الذي يعاني الوحدة والانفصال إلى آلةٍ مُدرَّبة على التفاعل كالبشر. لكنّ المشكلة كما تقول الدكتورة Rose Guingrich، الباحثة في التفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي والحاصلة على دكتوراه في علم النفس والسياسة الاجتماعية من جامعة Princeton أنّ الأكثر عرضةً للخطر هم الأكثر وحدةً أصلاً.

فالأشخاص الذين يشعرون بالرضا عن علاقاتهم الاجتماعية يميلون إلى التعامل مع روبوتات الدردشة (Chatbots) بوصفها أداةً يمكن استخدامها أو تجاهلها. أمّا من يشعرون بحاجةٍ ماسّة إلى علاقاتٍ عاطفية أعمق، فيُبدون ارتباطاً أكبر بهذه التقنية وتأثيراً أوضح على حياتهم الفعلية، وفق ما أوضحته Guingrich.

وتُضيف أنّ الخوف من الحكم السلبي أو ردود الفعل العدائية يُشكّل عائقاً قوياً يمنع بعض الناس من التفاعل الاجتماعي مع الآخرين. فالمحادثة مع إنسانٍ حقيقي تنطوي دائماً على احتمال الاختلاف أو الإساءة أو التقليل من شأنك. هذا الخطر يكاد يختفي حين تتحدّث إلى روبوت دردشة.

ويتفاوت الناس في مدى إدراكهم لطبيعة هذه التفاعلات؛ فبعضهم يعلم تماماً أنّه لا يوجد إنسانٌ على الطرف الآخر، لكنّه يرى في محاكاة التواصل والتفاهم ما يكفيه. وبعضهم الآخر قد يقتنع فعلاً بأنّ الخوارزمية التي يتحدّث إليها تمتلك تجربةً عاطفية حقيقية.

وتقول Guingrich: "يُفيد أشخاصٌ بأنّهم طوّروا علاقاتٍ تشبه الصداقات الإنسانية الحقيقية والعلاقات الرومانسية، ويشعرون بأنّ روبوت الدردشة الخاص بهم يبادلهم المشاعر." لكنّ الحقيقة الجوهرية تبقى ثابتة: الناس قد يشعرون بالحبّ تجاه الذكاء الاصطناعي، لكنّه لا يبادلهم هذا الشعور.

تدريبٌ على الابتعاد عن العلاقات الحقيقية

تفتقر المحادثات مع الذكاء الاصطناعي إلى مكوّناتٍ جوهرية، وهذا الغياب قد يجعل هذه التفاعلات رغم واقعيّتها الظاهرة غير مفيدة بل ضارّة لمن يسعون إلى تواصلٍ حقيقي.

تقول الدكتورة Melissa Perry، عميدة كلية الصحة العامة في جامعة George Mason في فيرجينيا: إنّ البشر يحتاجون إلى التواجد وجهاً لوجه لتحقيق التواصل الحقيقي. فالإنسان تطوّر بحيث يشعر بالارتياح حين يسمع نبرة صوت الآخر، ويرى تعابير وجهه، ويقرأ لغة جسده. وما يقدّمه الذكاء الاصطناعي من مشاعر التحقّق والاهتمام يظلّ منقوصاً لغياب هذه المعطيات الحسّية.

وتقول Turkle، المديرة المؤسِّسة لمبادرة MIT للتكنولوجيا والذات: "الحميمية تتطلّب الهشاشة لا حميمية بلا هشاشة. وما يقدّمه الذكاء الاصطناعي هو تواصلٌ بلا هشاشة. أنت لا تحصل على شكلٍ مُغذٍّ من الحميمية والتواصل، بل على مزيجٍ لا يُغذّي قد يمنحك إحساساً بحلٍّ سريع، لكنّه لا يدوم."

وتُضيف Perry أنّ الهشاشة والتحدّي والصراع عناصرُ محوريّة في مسيرة النموّ الإنساني والتطوّر الشخصي.

غير أنّ كثيراً من منصّات الذكاء الاصطناعي مُصمَّمة لتكون موافِقةً ومتقبِّلة دائماً حتى حين لا يكون ذلك مفيداً وفق ما تُشير إليه Guingrich. وهذا يُفضي إلى خطرَين اثنَين:

الأوّل أنّ الذكاء الاصطناعي قد يُشجّع على أفكارٍ أو سلوكياتٍ ضارّة بالفرد أو المجتمع. وكما تقول Turkle: "ليس له أيّ مصلحة في عالمنا أو مجتمعنا."

والثاني أنّ التفاعلات الخالية من أيّ احتكاك أو رفض قد تُعوّد الشخص على غياب التوتّر في علاقاته، ممّا لا يُهيّئه للنجاح في العالم الحقيقي. وتقول Guingrich: "عليك أن تتعلّم كيف تُعبّر عن احتياجاتك في سياق احتياجات الآخرين المتعارضة، وأن تتفاعل مع أشخاصٍ لا يُشبهونك تماماً."

وتؤكّد Turkle أنّ هذا النوع من التحدّي ضروريٌّ للتجربة الإنسانية، مُشيرةً إلى أنّ المخاطر بالغة الخطورة، لا سيّما في ظلّ تقاريرٍ تُفيد بأنّ بعض روبوتات الدردشة شجّعت مستخدميها على أفكار انتحارية.

كيف تحصل على المساعدة

  • المساعدة متاحةٌ إذا كنت أنت أو أحد معارفك يعاني أفكاراً انتحارية أو مشكلاتٍ في الصحة النفسية.

على المستوى العالمي: تتوفّر معلومات التواصل مع مراكز الأزمات لدى الرابطة الدولية للوقاية من الانتحار ومنظمة Befrienders Worldwide.

وتختم Turkle بعبارةٍ صريحة: "نحن نتخلّى عمّا هو أثمن ما في الإنسان مقابل علاقةٍ زائفة خالية من الاحتكاك. إنّه يقتلنا."

العودة إلى الأساسيات

ثمّة سيناريو يرى فيه الخبراء دوراً إيجابياً محتملاً للذكاء الاصطناعي في مواجهة الوحدة. فلو صُمِّمت منصّاته لمساعدة الناس على تطوير مهاراتهم الاجتماعية وتزويدهم بخارطة طريق لبناء صداقاتٍ وعلاقاتٍ حقيقية، فقد يكون ذلك إسهاماً نافعاً فعلاً، وفق Guingrich. وتُضيف Perry أنّ الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيداً في بعض السياقات كمصدرٍ أوّلي للمعلومات حول الموارد الداعمة المتاحة.

لكنّ الهدف النهائي ينبغي أن يكون تعزيز العلاقات الإنسانية الحقيقية وجهاً لوجه. وقد يعني ذلك الانخراط في أنشطةٍ للقاء أشخاصٍ جدد، أو المبادرة بتفاعلاتٍ بسيطة ودافئة مع أفراد مجتمعك، أو ترسيخ عادة اللقاءات الدورية لتمتين الروابط الاجتماعية.

وفي نهاية المطاف، تبقى العلاقات الإنسانية الحقيقية بكلّ ما تنطوي عليه من هشاشةٍ وتعقيدٍ واحتكاك هي الوقود الحقيقي لصحّةٍ نفسية واجتماعية مستدامة. أمّا إن كنت تشعر بوحدةٍ حادّة أو عزلةٍ اجتماعية تؤثّر على جودة حياتك، فإنّ التحدّث إلى متخصّصٍ في الصحة النفسية يبقى الخطوة الأجدى والأكثر فاعلية.

أخبار ذات صلة

Loading...
إميليا كلارك مبتسمة في حفل Variety's Power of Women بلندن، حيث تتحدث عن تجربتها مع إصابات الدماغ وتأسيس مؤسستها الخيرية SameYou.

إميليا كلارك تكشف عن إصابتها بنزيفين دماغيين في العشرينات من عمرها

عندما وقفت إميليا كلارك في حفل Variety's Power of Women، لم تكن مجرد ممثلة شهيرة، بل امرأة تتحدث عن سنوات من الصمت والمعاناة. تجربتها مع إصابات الدماغ أطلقت شغفها لمساعدة الآخرين. اكتشفوا كيف تحوّلت من الألم إلى الأمل.
صحة
Loading...
أربعة ممرضين يرتدون ملابس واقية في مستشفى بونيا، بعد تعافيهم من فيروس إيبولا. تشير الصورة إلى جهود مكافحة التفشي في الكونغو الديمقراطية.

تعافي مصابي إيبولا يحمل بشائر أمل في الكونغو الديمقراطية وسط ظهور حالات مشبوهة خارج أفريقيا

في مستشفى بونيا، تشرق أنوار الأمل مع تعافي أربعة ممرضين من فيروس إيبولا النادر. رغم التحديات، تواصل منظمة الصحة العالمية جهودها لمكافحة التفشي. اكتشف المزيد عن كيفية التصدي لهذا الفيروس القاتل.
صحة
Loading...
خلايا سرطان البنكرياس تحت المجهر، تُظهر التركيب الخلوي المعقد، مما يعكس التحديات البيولوجية لعلاج هذا النوع من السرطان.

حبّة تجريبية تفتح آفاقاً جديدة في علاج سرطان البنكرياس

سرطان البنكرياس، أحد أخطر أنواع السرطان، يشهد بارقة أمل جديدة مع دواء daraxonrasib الذي يزيد من فترة بقاء المرضى. اكتشف كيف يمكن لهذا العلاج أن يغير مسار المعركة ضد هذا المرض القاتل، واستعد لتفاصيل مثيرة حول النتائج.
صحة
Loading...
عامل صحي يرتدي بدلة واقية يتأمل بجوار توابيت خشبية، في سياق تفشي مرض الإيبولا في الكونغو الديمقراطية.

مركز الحجر الصحي الأمريكي لفيروس إيبولا في كينيا يُعلّق عملياته وسط معارضة محلية متصاعدة

في نيروبي، يشتعل الغضب بعد حكم قضائي يمنع الولايات المتحدة من إنشاء منشأة لعزل مرضى الإيبولا. هل ستنجح كينيا في حماية نفسها من هذا الوباء القاتل؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذه القضية الشائكة.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية