خَبَرَيْن logo

جهود نسائية لإيقاف عنف العصابات في نيجيريا

في حيّ أجيلاري، يسعى محمد عبد الحميد لتحويل آلامه إلى أمل، محذراً الشباب من العنف. مع جهود نساء المجتمع، تتشكل مبادرات سلام جديدة تهدف إلى إنهاء دوامة العنف التي عانت منها مايدوغوري. تعرّف على قصص الأمل والتغيير.

محمد عبد الحميد يجلس أمام منزله في حي أجيلاري، مبتسمًا رغم فقدانه أصابع يده اليمنى بسبب عنف العصابات في نيجيريا.
بابانجيدا يقضي أيامه داخل متجر، ويخصص أمسياته لتسوية النزاعات.
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في حيّ أجيلاري على أطراف مدينة مايدوغوري في شمال شرق نيجيريا، يرفع محمد عبد الحميد ما تبقّى من أصابعه ليحيّي المارّة أمام منزله. التحيّة صعبة ومؤلمة؛ إذ فقد معظم أصابع يده اليمنى خلال هجومٍ نفّذته عصابة عليه عام 2023، وباتت يده شاهداً دائماً على حياةٍ يقول إنّها كانت رهينةً للعنف.

لا يتذكّر محمد عمره بدقّة، لكنّه يتذكّر تفاصيل تلك الليلة جيّداً. يقول: "العصابة التي هاجمتني كانت تنتقم منّي، وكما تهزّ النسيم كلّ أوراق الشجر، لا أستطيع أن أتذكّر كم شخصاً هاجمته أنا بدوري قبل تلك الليلة."

بعد أن عجز عن العودة إلى عمله نجّاراً، بات محمد يقضي أيامه في محاولة إقناع المراهقين بعدم السير في الطريق الذي سلكه. يقول: "بعد أن فهمت العواقب، أحرص الآن على إبعاد الشباب عن العنف، لأنّه من الصعب جداً الخروج منه بمجرّد الدخول فيه."

عصابات "مارليان" وإرثٌ من الخوف

لسنواتٍ طويلة، زرعت عصاباتٌ شبابية تُعرف محلياً بـ"Marlians" الرعبَ في أحياء مايدوغوري والمناطق المجاورة لها في جيري. كانت هذه المجموعات المتنافسة تتسلّح بالسكاكين والفؤوس والمناجل وأسلحة محلية الصنع، وتتقاتل على النفوذ والأراضي، تاركةً السكّان محاصَرين بين الخوف والانتقام.

بلغ العنف ذروته عام 2023، حين أصدر حاكم ولاية بورنو Babagana Umara Zulum أوامر بحملة واسعة على هذه العصابات في أعقاب سلسلة من الاشتباكات الدامية. ومع توسّع هذه المجموعات، اتّهم السكّان أعضاءها باستخدام عربات التوك-توك الثلاثية لسرقة الهواتف ونصب الكمائن للركّاب وتنفيذ عمليات سطو في أرجاء المدينة.

غير أنّ في مجتمعاتٍ نزفت لأكثر من عقدٍ من الصراع والتهجير، بدأت تتشكّل جهودٌ سلاميّة غير متوقّعة. فبدلاً من الاعتماد على الاعتقالات والحملات الأمنية وحدها، تسعى نساءٌ من المجتمع المحلّي وقادةٌ أهليّون وأعضاء سابقون في العصابات إلى إقناع الشباب بالابتعاد عن العنف.

يربط المحلّلون وقادة المجتمع هذا العنف بجروحٍ عميقة خلّفتها سنوات الحرب. فولاية بورنو هي مهد تمرّد Boko Haram الذي أنهك شمال شرق نيجيريا لأكثر من عقد. وتُقدّر الأمم المتحدة أنّ هذا الصراع أودى بحياة أكثر من 35,000 شخص وشرّد أكثر من مليوني نسمة في منطقة بحيرة تشاد.

تشرح Hassana Ibrahim Waziri، المديرة التنفيذية لمنظمة Unified Members for Women Advancement (UMWA): "نرى شباباً منخرطاً بعمقٍ في تعاطي المخدّرات والجرائم الصغيرة، التي تتطوّر لاحقاً إلى انتماءٍ كامل للعصابات. لقد نشأوا في بيئةٍ من العنف لأنّهم شهدوه باستمرار منذ طفولتهم المبكّرة."

كسب ثقة العصابات

يقول قادة المجتمع إنّ نقطة التحوّل جاءت حين كفّوا عن التعامل مع أعضاء العصابات باعتبارهم مشكلةً أمنيّة فحسب.

بين عامَي 2018 و2021، بدأت منظمة UMWA، بدعمٍ من Conciliation Resources، بعقد جلسات حوار منتظمة مع قادة العصابات في 10 مجتمعاتٍ متوتّرة. تقول Waziri: "أجرينا معهم محادثاتٍ كلّ أسبوعَين، نُوضّح لهم أنّ بإمكانهم فعل أشياء أفضل من أجل مستقبلٍ مستدام."

لم يركّز المنظّمون على العقوبة، بل سعوا إلى إقناع قادة العصابات المؤثّرين بأنّهم يستطيعون أن يصبحوا دُعاةً للسلام داخل أحيائهم. وبينما كانت قوّات الأمن تتابع الاعتقالات، كانت النساء في أشدّ أحياء مايدوغوري توتّراً يخضن تحدّياً أصعب: تغيير العقول.

وسّعت مجموعاتٌ شعبية، من بينها Ajilari Cross Development Association وGomari Development Association، جهود الحوار من خلال الوساطة المجتمعية، مُقنعةً العصابات المتنافسة بتسوية خلافاتها قبل أن تتحوّل إلى عنفٍ دامٍ.

مشهد من حي أجيلاري في مايدوغوري، يظهر توك توك أصفر وناس يمشون في منطقة مليئة بالنفايات، مما يعكس تأثير العنف والاضطراب في المجتمع.
Loading image...
يقول السكان إن جسر أجيلاري كان معقلاً لعنف العصابات.

يقول Bulama Babangida، القائد المجتمعي المشرف على المبادرة في أجيلاري: "أعضاء العصابات الذين كانوا يُثيرون الرعب تقاعدوا عن العنف. درّبنا نساءً محلياتٍ يُديرن الآن برامج توعية سلمية أسبوعية كلّ يوم أحد لهذه العصابات، ويتعاونّ مع الجهات الأمنية الحكومية للتعامل مع النزاعات قبل أن تصبح قاتلة."

أمّا Fatima Tahir، القيادية النسائية في Gomari Development Association، فتقول إنّ المبادرة واجهت في البداية مقاومةً من الرجال في المجتمع. لكنّ المواقف تغيّرت حين رأى السكّان كيف تستطيع المرأة المساعدة في تهدئة التوتّرات التي كثيراً ما كانت تتصاعد إلى سفكٍ للدماء. تقول : "كُلِّفت بتعبئة النساء وتدريبهن ورعاية الشباب لضمان السلام في مناطق غوماري وبولونكوتو. كما نصّبت ممثّلاتٍ للمرأة في أحياء مختلفة للإشراف على جلسات الحوار بين العصابات المتنافسة."

يُقدّر قادة المجتمع أنّ أكثر من 1,000 عضو في العصابات مرّوا عبر دوائر الحوار هذه، وإن كان التحقّق المستقلّ من هذا الرقم يبقى متعذّراً.

تعمل بعض النساء بهدوءٍ خلف الكواليس؛ يرصدن النزاعات الناشئة، ويراقبن المناطق المرتبطة بتعاطي المخدّرات، وينقلن المعلومات إلى قادة المجتمع والشرطة والجيش وقوّة المهام المشتركة المدنية (CJTF) قبل أن تتفاقم التوتّرات.

العودة إلى الحياة

كان محمد من بين من غيّروا مسارهم. أجبرته جلسات الحوار على مواجهة المعاناة التي يُلحقها عنف العصابات بالأسر، بما فيها أسرته هو. ومع تحوّل سمعته من مقاتلٍ مرهوب إلى داعيةٍ للسلام، اختاره رفاقه من الشباب لقيادة مجموعةٍ من الأعضاء السابقين في العصابات الذين تخلّوا رسمياً عن العنف. يقول إنّ كثيرين منهم أقلعوا عن القتال بعد أن أدركوا فوائد السلام وأعادوا بناء احترامهم لكبار المجتمع.

مجموعة من الشباب يقفون أمام مبنى جمعية أجيلاري للتنمية في مايدوغوري، يعكسون جهود المجتمع المحلي في مواجهة العنف.
Loading image...
بالإضافة إلى تنظيم دوائر بناء السلام من خلال النساء المحليّات، تساعد دوائر السلام التي تقودها نساء أجيلاري أعضاء العصابات السابقين على التخلي عن العنف.

يرى Ma'aji Abba، البالغ من العمر 27 عاماً والعضو السابق في إحدى عصابات غوماري، أنّ كثيرين من خارج المجتمع يُسيئون فهم الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى الانضمام للعصابات. يقول بعد أسابيع من الإفراج عنه من السجن في مايو: "يقول كثيرون إنّنا ننضمّ إلى هذه العصابات بسبب البطالة، لكن في رأيي هذا ليس السبب الجذري. المشكلة متجذّرة بعمقٍ في البيئة التي نشأنا فيها. حين تنشأ في مكانٍ تتصادم فيه المجتمعات باستمرار، ستنضمّ بشكلٍ طبيعي إلى المعركة، حتى لو لم تعرف لماذا يتقاتل الناس."

يواجه الرجلان الآن مستقبلاً غامضاً وهما يحاولان إعادة بناء حياتهما. يأمل Abba في جمع ما يكفي من المال لبدء مشروعٍ تجاري في الملابس، فيما يعاني محمد من إعاقةٍ دائمة في يده أنهت مسيرته مهنةً نجّاراً وتحدّ من قدرته على كسب الرزق.

سلامٌ هشّ

تبقى المكاسب المحقّقة هشّة. أخبر عددٌ من الأعضاء السابقين في العصابات أنّ التخلّي عن العنف لا يوفّر لهم حمايةً من الأعداء القدامى، وأنّ بعضهم لا يزال يتعرّض لتهديداتٍ من أحياءٍ منافسة تسعى للانتقام على هجماتٍ سابقة.

وفي غياب إطارٍ رسمي لإعادة الاندماج في المجتمع، يخشى قادة المجتمع أن ينزلق بعض الأعضاء السابقين مجدّداً نحو العنف. يُضاف إلى ذلك أنّ تراجع التمويل الخارجي ترك كثيراً من مبادرات الوساطة تكافح من أجل الاستمرار، وفي بعض الحالات يتكبّد المنظّمون تكاليف الاجتماعات وجهود التواصل من جيوبهم الخاصة.

تؤمن Waziri ومن معها من بنّاة السلام بأنّ إصلاح الأضرار التي خلّفتها سنوات الصراع يتطلّب صبراً ومثابرة. تقول: "من يحمل السلام في داخله يستطيع نشره في مجتمعه. لهذا علينا مساعدة هؤلاء الشباب على بناء سلامهم الداخلي، حتى يستفيد منه المجتمع بأسره."

الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية