مفاوضات سرية حول البرنامج النووي الإيراني
تسعى واشنطن وطهران لصياغة مقترحات سرّية لتطبيق اتفاقية الـ14 بنداً حول البرنامج النووي الإيراني. رغم عدم توقيع إيران على وثائق جديدة، تبرز التساؤلات حول مدى جدية الالتزامات. تفاصيل مثيرة في انتظاركم على خَبَرَيْن.

-وفق ما كشفه ثلاثة مسؤولين أمريكيين مطّلعين على مجريات المفاوضات، إضافةً إلى مسؤول إقليمي ومسؤول أمريكي سابق، فإنّ واشنطن وطهران تعكفان على صياغة مقترحاتٍ سرّية مكتوبة لتطبيق الوثيقة المؤلّفة من 14 بنداً التي وقّعها الجانبان هذا الأسبوع، وتشمل هذه المقترحات تفاصيل تتعلّق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وحين سؤل عن هذا الملف يوم الخميس، أقرّ نائب الرئيس JD Vance بأنّ بعض ما وصفه مسؤولو الإدارة بـ"اتفاقيات الشرف" مع إيران أي ما يتجاوز مذكرة التفاهم هو في الواقع اتفاقيات مكتوبة. وقال Vance: "بعضها مكتوبٌ فعلاً، لكن في جوهر الأمر، سواءٌ أكان مكتوباً أم شفهياً، فهذا هو السبب الذي جعلنا نُهيكل الاتفاق بهذه الطريقة، لأنّنا لا نثق بالكلام، بل نثق بالأفعال والسلوك، وسنكافئ السلوك لا الكلمات، سواءٌ كانت مكتوبةً على ورقة أم لا."
غير أنّ المصادر أكّدت أنّ هذه المقترحات بعيدةٌ كلّ البُعد عن الصياغة النهائية. فإيران لم توقّع على أيّ وثائق إضافية كما فعلت مع مذكرة التفاهم ذات البنود الـ14، وهو ما يُثير تساؤلاتٍ جدّية حول ما إذا كانت الإدارة قد بالغت في تصوير حجم الالتزامات التي انتزعتها من طهران، فضلاً عن أنّه يُبرز هشاشة هذا المسار السياسي وإمكانية انهياره في أيّ لحظة.
وبحسب أحد المصادر المطّلعة على ما أحاط به مسؤولو إدارة Trump كبارَ المشرّعين في الكونغرس، فإنّ المفاوضين الأمريكيين آثروا المضيّ قُدُماً في الإعلان عن مذكرة التفاهم الموقّعة دون انتظار موافقة القيادة الإيرانية العليا على المقترحات التفصيلية لتطبيق البنود الـ14، وذلك جزئياً لتفادي أيّ تأخيرٍ في انطلاق المرحلة التالية من المفاوضات. وأضاف المصدر أنّ استيفاء الموافقة الإيرانية الرسمية على تلك المقترحات السرّية كان سيستلزم وقتاً إضافياً، فقرّر الجانب الأمريكي الاكتفاء بالإعلان عن مذكرة التفاهم وترك بقية التفاصيل للجولات اللاحقة.
وفي حين أفاد مسؤولو Trump للمشرّعين بأنّهم لا يعلمون بوجود أيّ "صفقاتٍ جانبية" مرتبطة بمذكرة التفاهم، فإنّهم أقرّوا في الوقت ذاته بوجود وثائق ذات صلة لم تُكشف للعموم، من بينها "رسالةٌ من الحكومة الإيرانية" تدعو فيها رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) إلى إجراء عمليات تفتيش، والشروع في تحديد أماكن المواد المخصّبة، ومنح الوكالة الدولية صلاحية استقدام خبراء نوويين أمريكيين للانضمام إلى هذه العملية. وقد طلب من البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة التعليق على هذه الرسالة.
لم يتسنَّ الاطّلاع على تفاصيل كثيرة من مضامين هذه المقترحات. و وصف المسؤول الإقليمي الأجزاءَ المكتوبة منها بأنّها وثائق "عمل" اتّفق الجانبان على إضفاء الطابع الرسمي عليها في الخطوة التالية. وأشارت المصادر إلى أنّها تتضمّن تفاصيل أكثر دقّةً حول ما يسعى إليه المفاوضون الأمريكيون فيما يخصّ البرنامج النووي الإيراني وملفّاتٍ أخرى، على أن تبدأ مرحلة المحادثات التقنية المدّتها 60 يوماً يوم الخميس.
وقالت المتحدّثة باسم البيت الأبيض Olivia Wales : "ثمّة نقاشاتٌ حول الخطوات التالية، لكن لا توجد اتفاقياتٌ نهائية تتجاوز مذكرة التفاهم، والفريق الأمريكي المفاوض يأمل في التوصّل إلى مزيدٍ من الاتفاقيات في المحادثات المقبلة."
بيد أنّ مجرّد وجود هذه المقترحات السرّية يكشف عن ضيق هامش المناورة أمام المفاوضين الأمريكيين لإبرام صفقةٍ تتيح لكلا الطرفين في العلن على الأقلّ ادّعاء الانتصار، ممّا يُرجّح احتمال ألّا يتمكّن الجانبان أبداً من التوصّل إلى اتفاقٍ يتجاوز الصياغة الفضفاضة نسبياً لمذكرة التفاهم.
وقد يُوفّر هذا الأمر ذخيرةً إضافية لمنتقدي استراتيجية الرئيس Donald Trump تجاه إيران، الذين يرون أنّه يسير على خطى ما انتقده في الرئيس Barack Obama عام 2015 حين أبرم الأخير الاتفاق النووي الأصلي الذي مزّقه Trump عام 2018. وكان الجمهوريون قد أطلقوا في حينه حملةً شعواء على ما وصفوه بـ"الصفقات الجانبية السرّية"، بل أصدر الكونغرس قانوناً يُلزم بتقديم أيّ اتفاقٍ نووي مع إيران بما في ذلك أيّ صفقة جانبية أو تفاهمٍ شفهي إلى قبّة الكابيتول.
ومن بين المقترحات المساعِدة تفاهمٌ مشترك حول مسألة ما إذا كانت إيران ستُسمح لها بمواصلة تخصيب اليورانيوم بأيّ مستوى كان، وهو نقطةٌ خلافية محورية لا على الصعيد التقني وحسب، بل من أكثر القضايا إثارةً للجدل السياسي الداخلي المحيط بهذا الملف.
ويرى خبير الحدّ من التسلّح Jeffrey Lewis أنّ قرار إبقاء هذه المقترحات طيّ الكتمان يهدف على الأرجح إلى تفادي الإحراج السياسي الداخلي لكلا الطرفين، بما يُتيح للصفقة أن تمضي قُدُماً. ولفت إلى أنّ كثيراً من المعلومات التقنية ذات الصلة التي قد تتضمّنها أيّ صفقة محتملة كانت متاحةً للعموم في إطار الاتفاق النووي الأصلي الذي أبرمه Obama عام 2015. وقال Lewis: "لا يوجد مسوّغٌ أمني وطني لإبقاء سرّية المعلومات التي كانت علنيةً في عهد JCPOA. الشيطان يكمن في التفاصيل، وثمّة من لا يريدنا أن نرى أحد شياطينها."
في المقابل، أكّد مسؤولٌ أمريكي رفيع يوم الأربعاء أنّ "الشعار الذي نريد أن يُميّز هذه الصفقة هو: لا صفقات جانبية، شفافية تامّة."
Trump وحساسيّته من المقارنة بـObama
يبدو Trump بالغ الحساسية إزاء أيّ إيحاءٍ بأنّ الاتفاق المبدئي الذي توصّل إليه مع إيران يُشبه اتفاق Obama عام 2015. وكتب على منصّة Truth Social يوم الأحد: "كانت صفقة Obuma طريقاً نحو امتلاك إيران سلاحاً نووياً، مع الأموال وكلّ شيء، وهي من أسوأ وأغبى الصفقات التي أبرمتها الولايات المتحدة. أمّا صفقتنا فهي سدٌّ منيع يحول دون امتلاك إيران أيّ سلاحٍ نووي، وهي النقيض التام لـObuma."
وحين انسحب من الاتفاق عام 2018، قال في خطابه إنّه "رفع العقوبات الاقتصادية المُثقِلة عن إيران مقابل قيودٍ هزيلة للغاية على نشاطها النووي."
لكنّ الواقع يقول حتى الآن إنّ Trump لم يُبرم فعلياً أيّ اتفاقٍ نووي مع إيران. فـ"اتفاقيات الشرف" أي المقترحات المذكورة لم تُوقَّع بعد، وفق ما أفاد به المسؤول الإقليمي وأحد المسؤولين الأمريكيين.
وفي عام 2015، قال Lewis إنّ المفاوضين توصّلوا إلى "حلولٍ تقنية استثنائية أتاحت لكلا الطرفين ادّعاء الانتصار، وكان من المذهل أن يكون ثمّة هامشٌ للتفاوض أصلاً." ودون الاطّلاع العلني على المعاملات التفاوضية المنصوص عليها في المقترحات، يظلّ غير واضحٍ كيف سيتمكّن Trump من سلوك المسار الدقيق ذاته بصورةٍ مختلفةٍ جوهرياً عن الاتفاق الذي أبرمه Obama عام 2015.
ولا يُستبعد أن يعجز المفاوضون عن التوصّل إلى اتفاقٍ نهائي ناهيك عن إنجازه في غضون الـ60 يوماً التي تنصّ عليها مذكرة التفاهم. وقد تكون الوظيفة الأساسية لمذكرة التفاهم هذه مجرّد وقف التصعيد بين الطرفين، لا تحقيق أيّ طموحاتٍ أكبر تتعلّق بإرساء شروط صفقةٍ نووية شاملة.
فكلا الجانبين رسم خطوطاً حمراء علنية صارمة في تعامله مع الآخر، إلى حدٍّ قد يجعل أيّ تسويةٍ حقيقية بعيدة المنال أو، كما أشار Lewis، مُكلفةً سياسياً داخلياً بما يجعل الإعلان عنها أمراً محفوفاً بالمخاطر. وقال Lewis إنّ المفاوضين إن أرادوا التوصّل إلى صفقةٍ نهائية، فـ"على أحدٍ ما أن يبتلع الأمرّ"، مضيفاً: "وهذا يُفسّر لماذا قد يريدون تصنيف هذه الوثائق."
أخبار ذات صلة

اتفاق ترامب وإيران: ماذا يعني للبنان والخليج واليورانيوم

ترامب في فرنسا: كيف نجح في قمّة G7 رغم خلافات إيران

اتفاق أميركي إيراني من 14 نقطة: النص الكامل
