تفاصيل مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران وأثرها
كشفت الولايات المتحدة تفاصيل مذكرة التفاهم مع إيران، التي تتضمن 14 بنداً حول وقف العمليات العسكرية في لبنان. الاتفاق يثير تساؤلات حول كيفية تطبيقه دون مشاركة إسرائيل وحزب الله. اكتشف المزيد عن النقاط الخلافية في خَبَرَيْن.

كشفت الولايات المتحدة تفاصيل مذكرة التفاهم المؤلّفة من 14 بنداً التي توصّلت إليها مع إيران يوم الأربعاء. ولم تُصدر أيٌّ من الدولتين نسخةً مادّية من الوثيقة، غير أنّ مسؤولاً أمريكياً تلا نصّها خلال مكالمةٍ مع الصحفيين. وحتى الآن، لم يؤكّد المسؤولون الإيرانيون الرواية الأمريكية للنص.
وتُمثّل هذه الرواية أوضح صورةٍ قدّمتها إدارة الرئيس الأمريكي Donald Trump حول الاتفاق، الذي كان مقرّراً التوقيع عليه في حفلٍ رسمي بسويسرا يوم الجمعة، قبل أن يوقّعه Trump في فرساي يوم الأربعاء. بيد أنّ الاتفاق يترك عدداً كبيراً من الأسئلة دون إجابة، بحسب ما يقول الخبراء.
فيما يلي استعراضٌ لما تضمّنته الاتفاقية المؤلّفة من 14 بنداً في ما يخصّ القضايا التي برزت بوصفها نقاط خلافٍ رئيسية خلال مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
ماذا تقول مذكرة التفاهم عن لبنان؟
تنصّ الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم على أنّ الولايات المتحدة وإيران اتّفقتا على "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان". وتُضيف المذكرة أنّ الطرفين سيلتزمان بضمان "السلامة الإقليمية وسيادة لبنان".
غير أنّ الاتفاق لا يُشير من قريبٍ أو بعيد إلى إسرائيل، التي تحتلّ حالياً خُمس الأراضي اللبنانية، وتشنّ ضرباتٍ شبه يومية على لبنان منذ مطلع مارس، أودت بحياة ما لا يقلّ عن 3,000 شهيد و أجبرت أكثر من مليون شخص على النزوح من منازلهم.
ونظراً لأنّ الاتفاق يقتصر على الولايات المتحدة وإيران إذ لم توقّع عليه إسرائيل ولا حزب الله اللبنانيي الذي يخوض الحرب معها يبقى غير واضحٍ كيف يمكن تطبيق وقف إطلاق النار في لبنان، أو ما إذا كان ذلك يعني أنّ على إيران وقف تمويل حزبالله. بل إنّ دعم إيران للجماعات الوكيلة في المنطقة لم يُذكر في الاتفاق أصلاً.
وأعلنت إسرائيل مرّات عدّة هذا الأسبوع أنّها لن تنسحب من لبنان. وقال وزير الدفاع Israel Katz في بيانٍ يوم الاثنين: "رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu وأنا نتّبع سياسةً واضحة تقضي ببقاء الجيش في مناطق الأمن في لبنان وسوريا وغزة لأجلٍ غير مسمّى، من أجل حماية الحدود والتجمّعات الإسرائيلية من العناصر الجهادية".
وقد كان لبنان نقطة خلافٍ محورية خلال المفاوضات. فطهران أكّدت مراراً أنّ وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان شرطٌ مسبق لأي اتفاق سلامٍ شامل.
والتقت الولايات المتحدة وإيران في باكستان في أبريل لإجراء أولى المحادثات المباشرة بين الطرفين منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وقبيل هذه المحادثات، صرّح رئيس البرلمان الإيراني Mohammad Bagher Ghalibaf علناً بأنّ وقف إطلاق النار الإسرائيلي في لبنان وتجميد الأصول الإيرانية في الخارج خطّان أحمران لطهران لا تنازل عنهما. ولم تتراجع إيران عن هذا الموقف.
وفي 16 أبريل، أعلن Trump أنّ إسرائيل ولبنان توصّلتا إلى هدنةٍ لمدّة 10 أيام لإتاحة المجال أمام مفاوضاتٍ تهدف إلى التوصّل إلى اتفاقٍ أمني وسلامٍ أكثر ديمومة، وذلك بعد ستة أسابيع من المعارك بين إسرائيل و حزب الله.
ورغم الهدنة، واصلت إسرائيل هجماتها وتقدّمها في لبنان حتى خلال هذا الأسبوع، بعد أن أشارت واشنطن وطهران إلى اقترابهما من التوصّل إلى اتفاق.
ماذا تقول المذكرة بشأن تغيير النظام في إيران؟
تنصّ الفقرة الثانية من مذكرة التفاهم على أنّ الولايات المتحدة وإيران ستلتزمان بـ"احترام سيادة كلٍّ منهما وسلامتها الإقليمية، والامتناع عن التدخّل في الشؤون الداخلية لبعضهما".
ويبدو أنّ هذا الموقف يعني أنّ إدارة Trump تخلّت عن أي طموحٍ في فرض تغيير النظام في إيران. وفي الأسابيع الأخيرة، حاول Trump أن يُبعد نفسه عن هذا الهدف في ما بدا محاولةً لحفظ ماء الوجه.
ففي قمّة G7 في فرنسا هذا الأسبوع، قال Trump إنّه "لم يكترث أصلاً بتغيير النظام"، لكنّه في الوقت ذاته كرّر ادّعاءه بأنّ الهجوم على إيران أفضى إلى تغيير النظام، رغم أنّ الحكومة الدينية لا تزال متمسّكة بالسلطة بشكلٍ راسخ.
وقال: "تتحدّثون عن تغيير النظام. لم أكترث أبداً بتغيير النظام. لم يكن جزءاً من الأهداف أبداً."
بيد أنّه في 28 فبراير، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات الأولى على طهران، أوحى Trump بأنّ أحد أهداف الضربات كان إرغام إيران على تغيير نظامها. ففي منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي موجَّه إلى الشعب الإيراني، كتب: "لقد حانت ساعة حريّتكم."
وأضاف: "حين ننتهي، استولوا على حكومتكم. ستكون لكم. وهذه على الأرجح فرصتكم الوحيدة لأجيال."
ماذا سيحدث للسفن العابرة لمضيق هرمز؟
تنصّ الفقرة الرابعة من الاتفاق على أنّ الولايات المتحدة "ستبدأ برفع حصارها البحري" و"ستُنهي الحصار البحري بالكامل في غضون 30 يوماً". كما تنصّ على أنّ الولايات المتحدة "تتعهّد بسحب قوّاتها خلال 30 يوماً بعد إبرام الاتفاق النهائي".
وتنصّ الفقرة الخامسة على أنّ إيران ستبذل "قصارى جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون رسومٍ لمدّة 60 يوماً فحسب من الخليج العربي إلى بحر عُمان والعكس ... وستُجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز".
وتُعدّ مسألة السيطرة على المضيق نقطة خلافٍ رئيسية أخرى في مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، التي تعتبره أهمّ أوراق ضغطها.
وفور بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية، أغلقت إيران المضيق أمام حركة الملاحة. وفي أبريل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً مقابلاً على الموانئ الإيرانية، ممّا زاد من اضطراب إمدادات النفط والغاز العالمية.
وأتاحت إيران في بعض الأحيان مرور عددٍ محدود من السفن القادمة من دولٍ بعينها عبر المضيق، غير أنّ شركات الشحن اضطرّت إلى التفاوض على حقّ العبور مع الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، ويُفهم أنّ بعضها دفع رسوم عبورٍ تصل إلى 2 مليون دولار للسفينة الواحدة. وفي غضون ذلك، ارتفعت أقساط التأمين على السفن في المضيق ارتفاعاً حادّاً أو سُحبت كلّياً، وسيتردّد كثيرٌ من مشغّلي الشحن في المجازفة بالإبحار قبل الحصول على ضماناتٍ بإزالة الألغام.
وفي مقترحاتها السابقة لإنهاء الحرب، أشارت إيران إلى فرض رسوم عبورٍ على السفن، وهو ما رفضته واشنطن ودولٌ أخرى مراراً. وبموجب القانون البحري الدولي، لا يجوز فرض رسوم على المرور في المضائق الطبيعية كمضيق هرمز، وإن كان يجوز للدول المتاخمة فرض رسومٍ على الخدمات كالتأمين والرسو.
وتكاد مذكرة التفاهم المؤلّفة من 14 بنداً لا تتطرّق إلى هذا الأمر، وقد صرّح كبير المفاوضين الإيرانيين Ghalibaf يوم الأربعاء بأنّ "مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب"، وأنّ إيران "ستتقاضى رسوماً مقابل الخدمات" المقدَّمة للشحن.
{{MEDIA}}
ماذا سيحدث لمخزون اليورانيوم المخصَّب الإيراني؟
تؤكّد الفقرة الثامنة من الاتفاق أنّ إيران "تُعيد تأكيد التزامها بعدم الحصول على أسلحةٍ نووية أو تطويرها". كما تنصّ على أنّ الولايات المتحدة وإيران "اتّفقتا على تسوية وضع المواد المخصَّبة المخزَّنة وفق آليةٍ يُتّفق عليها بشكلٍ مشترك ... على أن يكون الحدّ الأدنى للمنهجية هو التخفيف المحلّي للتخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)".
وقد شكّل برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني مصدر خلافٍ رئيسياً بين الولايات المتحدة وإيران. فرغم أنّ إيران أكّدت باستمرار في الماضي أنّها لا تنوي بناء سلاحٍ نووي، إلّا أنّها أصرّت على حقّها في تطوير برنامجٍ للطاقة النووية. وتُقدَّر احتياطيات إيران من اليورانيوم المخصَّب بنحو 440 كيلوغراماً بنسبة تخصيبٍ تبلغ 60%، وهي دون نسبة الـ90% اللازمة لإنتاج مادّةٍ مناسبة للأسلحة، غير أنّها تُمثّل النقطة التي يصبح عندها الوصول إلى 90% أسرع بكثير. وهذه النسبة تفوق بكثير نسبة الـ3 إلى 5% المطلوبة لتوليد الطاقة النووية.
وتقول الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى إنّها تعتقد أنّ إيران تستعدّ لامتلاك القدرة على بناء أسلحةٍ نووية.
وبينما طالبت الولايات المتحدة بأن تُسلّم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصَّب إليها، أصرّت إيران باستمرار على رفض ذلك وإن بدت في بعض الأحيان مستعدّةً للنظر في إمكانية تسليمه إلى دولةٍ ثالثة. وفي الأسبوع الماضي، أُفيد بأنّ المرشد الأعلى الإيراني Mojtaba Khamenei أصدر توجيهاً بعدم إرسال اليورانيوم الإيراني المخصَّب إلى الخارج بأيّ شكلٍ من الأشكال.
ويبدو أنّ هذا البند في الاتفاق يُشير إلى احتمال قبول الولايات المتحدة بأن تُخفّف إيران مخزونها إلى مستوياتٍ مناسبة للطاقة النووية بدلاً من تسليمه. وعملية تخفيف التخصيب (Downblending)، التي ستُجرى على الأرجح تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هي عمليةٌ لا رجعة فيها.
ومنذ اندلاع الحرب على إيران، تبيّن أيضاً أنّه في 26 فبراير، خلال مفاوضاتٍ غير رسمية مع الولايات المتحدة في جنيف قبل يومين من شنّ الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كانت طهران قد عرضت بالفعل تخفيف تخصيب المخزون من 60% إلى 3.67%.
هل يتضمّن الاتفاق بنوداً تتعلّق بالتعويضات لإيران؟
لا يُستخدم مصطلح "التعويضات" صراحةً في الاتفاق.
غير أنّ الفقرة السادسة تنصّ على أنّ الولايات المتحدة "تتعهّد مع الشركاء الإقليميين بوضع خطّةٍ نهائية متّفقٍ عليها بشكلٍ مشترك بما لا يقلّ عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها اقتصادياً ... وستمنح الولايات المتحدة الأمريكية جميع التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية ذات الصلة".
ولا تتضمّن الاتفاقية أيّ تفاصيلٍ حول الجهة التي ستدفع هذه الأموال أو ما إذا كانت ثمّة قيودٌ على طريقة إنفاقها. وأشار Trump خلال النزاع إلى أنّه قد يسعى للحصول على مساهماتٍ من دول الخليج لهذا الغرض، مؤكّداً أنّ دافعي الضرائب الأمريكيين لن يتحمّلوا هذه التكاليف. أمّا دول الخليج، التي يُنظر إليها باعتبارها "الشركاء الإقليميين" المذكورين في الاتفاق، فلم تُعلّق على الأمر حتى الآن.
وماذا عن العقوبات؟
تتناول الفقرة السابعة مسألة العقوبات، وتنصّ على أنّ الولايات المتحدة "تتعهّد بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران وفق جدولٍ زمني متّفقٍ عليه كجزءٍ من الاتفاق النهائي".
غير أنّ الاتفاق لا يُحدّد ما إذا كان ذلك يشمل العقوبات الأمريكية فحسب، أم يمتدّ ليشمل أيضاً العقوبات المفروضة بموجب قراراتٍ أمميّة.
وتُعدّ إيران من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات، إذ تخضع للعقوبات الأمريكية منذ عقود. وقد جرى التراجع عن رفع بعض العقوبات الثانوية التي نصّ عليها الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق Obama مع إيران وعددٍ من الدول الأخرى، وذلك حين انسحب Trump من هذا الاتفاق التاريخي خلال ولايته الأولى عام 2018.
ولا تزال مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية مجمَّدةً في مصارف أجنبية جرّاء ذلك. وأكّدت إيران باستمرار أنّها بحاجةٍ إلى هذه الأموال لإعادة الإعمار في أعقاب الحرب.
أخبار ذات صلة

ترامب في فرنسا: كيف نجح في قمّة G7 رغم خلافات إيران

اتفاق أميركي إيراني من 14 نقطة: النص الكامل

الممتلكات البريطانية في المستوطنات الإسرائيلية: ملفٌّ يثير الجدل في لندن
