تصاعد قوة ظاهرة النينيو مع ارتفاع حرارة الأرض
دراسة جديدة تكشف أن ظاهرة El Niño تزداد شدة واضطراباً بسبب ارتفاع حرارة الأرض مع تأثيرات مناخية غير مسبوقة قد تغير أنماط الطقس عالمياً. تعرف على تفاصيل هذا التحول الخطير في النمط المناخي مع خَبَرَيْن.

النمط المناخي الذي يُحرّك ظاهرة El Niño بات أكثر اضطراباً مع ارتفاع حرارة الكوكب، كما أنّ El Niño نفسه يزداد شدّةً وعنفاً هذا ما خلصت إليه دراسةٌ شاملة جديدة نُشرت يوم الخميس.
تُلقي هذه الدراسة الضوء على Super El Niño الذي يتشكّل حالياً ويكتسب قوّةً متصاعدة في منطقة المحيط الهادئ الاستوائية، إذ تُشير التوقّعات إلى أنّه سيكون الأشدّ منذ عام 1950 على أقلّ تقدير وربّما منذ أمدٍ أبعد من ذلك.
الدراسة، المنشورة في مجلة Science، تُثبت أنّ أحداث El Niño خلال الأربعين سنةً الماضية باتت أقوى بنسبة 36% مقارنةً بتلك التي سبقت الثورة الصناعية، حين بدأ البشر في ضخّ كمّياتٍ هائلة من الانبعاثات الكربونية في الغلاف الجوي. وكانت أيضاً أشدّ بنحو 16% من أحداث El Niño التي وقعت خلال القرن العشرين.
تستند الدراسة إلى سجلّاتٍ تاريخية لتقلّبات درجات الحرارة، استُخلصت من الشعاب المرجانية الحيّة والمتحجّرة في جزر غالاباغوس (Galápagos Islands). تقع هذه الجزر في القسم الشرقي البالغ الأهمّية من المحيط الهادئ الاستوائي، وهو القسم المحوري في تشكّل ظاهرة El Niño وتصاعد حدّتها.
وصفت قائدة فريق البحث Julia Cole من جامعة Michigan الشعابَ المرجانية بأنّها "آلات الزمن في البحر".
وقالت: "تحتفظ الشعاب المرجانية بتاريخٍ كامل للظروف التي نمت فيها، مختزَنٍ في التركيب الكيميائي لهياكلها العظمية، ونستطيع استخلاص هذا التاريخ من خلال قياس تلك التركيبة الكيميائية".
وخلص الباحثون إلى أنّ أحداث El Niño في العقود الأخيرة تمثّل انحرافاً واضحاً عن نمطها السائد طوال الألف سنةٍ التي سبقت الثورة الصناعية.
وقال Jonathan Overpeck، عميد كلّية البيئة والاستدامة في جامعة Michigan والمشارك في تأليف الدراسة: "ثمّة شيءٌ يجري الآن بالغ الغرابة، ومن المرجّح جداً أنّه مرتبطٌ بتغيّر المناخ الذي تسبّب فيه الإنسان".
تعتمد الدراسة الجديدة على مزجٍ بين سجلّات الشعاب المرجانية الممتدّة ألف سنةٍ إلى الوراء، ونتائج 12 نموذجاً مناخياً متطوّراً، وذلك لاستبعاد التقلّبات المناخية الطبيعية بوصفها سبباً للتغيّرات الأخيرة في El Niño. وأكّد Overpeck وسائر المؤلّفين أنّ أحداث El Niño التي بدأت مع Super El Niño بين عامَي 1982 و1983 تختلف اختلافاً جذرياً في شدّتها عمّا كشفه السجلّ المرجاني الممتدّ ألف عام.
وقالت Cole: "نحن أمام منظومةٍ تعرّضت لاضطرابٍ حقيقي. يمكننا أن نرى أنّها لم تعد تتصرّف كما اعتادت".
الدراسة لا تصل رسمياً إلى نقطة إسناد التحوّلات في El Niño تحديداً إلى تغيّر المناخ المُحرَّك بشرياً، إذ قال المؤلّفون المشاركون إنّ ثمّة حاجةً إلى مزيدٍ من البحث لتحديد العلاقة السببية بدقّة.
غير أنّ النتائج تجعل الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري المتهمَ الأوفر حظّاً في تفسير تصاعد شدّة El Niño خلال العقود الأخيرة. وتُضاف هذه الدراسة إلى أبحاثٍ أخرى تُشير هي الأخرى إلى تحوّلاتٍ في خصائص El Niño مرتبطةٍ بتغيّر المناخ.
تتّسم أحداث El Niño بارتفاع درجات حرارة سطح البحر فوق المتوسّط في منطقة المحيط الهادئ الاستوائية، مصحوبةً بتحوّلاتٍ في الدورة الجوية عبر تلك المنطقة. وتستطيع هذه الأحداث رفع متوسّط درجات الحرارة على سطح الكوكب، وتعديل أنماط الطقس عالمياً، بما في ذلك إطلاق الظواهر الجوية المتطرفة في مناطق شتّى من العالم.
الشعاب المرجانية تكشف تغيّر El Niño
تُظهر البيانات أنّ التأرجحات بين El Niño وLa Niña شقيقته ذات المياه الأبرد تتّسع سعتها باطّراد، وأنّ ذلك يعود إلى ميل الدورة بصورةٍ متزايدة نحو مراحل El Niño الأشدّ حدّةً.
وصفت Kim Cobb، الباحثة في الشعاب المرجانية بجامعة Brown والتي لم تشارك في الدراسة، توليدَ الدراسة لسجلٍّ مناخي مرجاني يمتدّ ألف سنةٍ واستخدامها إيّاه بأنّه "بالغ القيمة" لعلماء المناخ.
وقالت: "هذه إضافةٌ في توقيتٍ مناسب وذات أهمّيةٍ بالغة فيما يتعلّق بتأثير تغيّر المناخ على شدّة El Niño. وفي انتظار أن نرى إلى أيّ مدى سيبلغ El Niño عام 2026 من القوّة، تُقدّم هذه الدراسة دليلاً جديداً على أنّ الاحترار العالمي المُحرَّك بشرياً قد يكون مسؤولاً عن جزءٍ من حجمه القياسي".
ووصفت Cobb إعادةَ الدراسة لبناء نشاط El Niño بأنّها "قريبةٌ من المعيار الذهبي". وتحديداً، تمكّنت Cole وزملاؤها من معرفة درجات حرارة المحيط في مواقع الدراسة خلال الألف سنةٍ الماضية، عبر تحليل نسب نظائر معيّنة موجودة في عيّنات أنوية الشعاب المرجانية.
وعلّقت Cobb: "الاختيار الصحيح للأرشيف الشعاب المرجانية في المكان الصحيح، حيث يبلغ El Niño أقصى تأثيره".
تأتي هذه الدراسة في وقتٍ يتسارع فيه احترار El Niño الراهن بوتيرةٍ تتجاوز كلّ الأحداث التاريخية إلا أشدّها، وهو بالفعل يُعيد رسم أنماط الطقس ويُسهم في تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة حول العالم.
أدلّةٌ مناخية في طريقها إلى الاختفاء
أشارت Cole إلى أنّ المياه الأدفأ التي يجلبها El Niño، مقترنةً بالاحترار طويل الأمد، ستُلحق الضرر على الأرجح بالشعاب المرجانية ذاتها التي أمدّتنا بهذه الرؤى الجديدة. تعيش الشعاب المرجانية ضمن نطاقٍ ضيّق من درجات الحرارة، وحين تسخن مياه المحيط بشكلٍ مفرط، تطرد هذه الكائنات العضويات التي تمنحها ألوانها الزاهية، فتتحوّل الهياكل العظمية المرجانية إلى لونٍ أبيض شاحب في ما يُعرف بظاهرة "ابيضاض الشعاب المرجانية". وإذا ظلّت مياه المحيط فوق نطاقٍ حراري معيّن لفترةٍ مطوّلة، فقد تنتهي بموت الشعاب.
وقد تزامنت موجات ابيضاض الشعاب المرجانية على مستوى العالم مع أحداث El Niño الكبرى، بما فيها Super El Niño الأخير بين عامَي 2015 و2016، ويخشى العلماء أن تتكرّر الظاهرة هذا العام.
هذا يعني أنّ علماء من أمثال Cole وزملائها يخوضون سباقاً محموماً للحصول على أكبر قدرٍ ممكن من عيّنات الشعاب المرجانية قبل أن تختفي الشعاب السليمة التي يمكن أخذ عيّنات منها تماماً كما يسعى علماء الجليد (glaciologists) إلى تأمين أنوية الجليد من الأنهار الجليدية الجبلية المتراجعة بسرعةٍ قبل أن تذوب وتختفي.
ولفتت Cobb إلى أنّ للدراسة تداعياتٍ بالغة الأهمّية على أحداث El Niño المستقبلية، إذ تُلمح النتائج إلى أنّ الأحداث الأشدّ قوّةً باتت تُمثّل القاعدة لا الاستثناء.
وقالت: "مع تراكم الأدلّة على أنّ الوقود الأحفوري يُكثّف El Niño، نجد أنفسنا نتأمّل مستقبلاً تتفاقم فيه الظواهر الجوية والمناخية المتطرّفة المرتبطة بـEl Niño، فوق خلفيةٍ أصلاً من تفاقم الظواهر الجوية والمناخية المتطرّفة. وسيكون لذلك تداعياتٌ هائلة على المجتمعات والنظم البيئية في أرجاء العالم كلّه".
أخبار ذات صلة

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟
