المحيطات تشتعل والبحار ترتفع في تحذير عالمي
المحيطات تمتص حرارة تعادل انفجار 12 قنبلة هيروشيما كل ثانية ما يسرع ارتفاع مستوى البحار ويزيد حموضتها مهدداً النظم البحرية والسواحل. موجات حر بحرية وعواصف مدمرة تؤكد تغيرات مناخية خطيرة في خَبَرَيْن.

رقمٌ واحد يختصر حجم ما يجري تحت سطح المحيطات: 23 زيتاجول من الحرارة الإضافية امتصّتها مياه العالم خلال العام الماضي وحده، وهو ما يعادل انفجار 12 قنبلة من طراز هيروشيما كلّ ثانية على مدار سنة كاملة، أو ما يقارب 40 ضعف إجمالي الطاقة التي استهلكها البشر جميعاً خلال عام 2025. هذا الرقم ليس حادثاً عابراً، بل تاسع رقمٍ قياسي على التوالي في امتصاص المحيطات للحرارة، وفق تقرير Copernicus Ocean State الصادر الأربعاء في نسخته العاشرة، والذي أعدّه أكثر من 100 عالمٍ دولي بالاستناد إلى أكثر من أربعة عقودٍ من بيانات الأقمار الصناعية والعوّامات البحرية والمستشعرات.
الآلية الفيزيائية هنا معروفة وموثّقة جيداً: تمتصّ محيطات العالم نحو 90% من الحرارة الزائدة الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، وقد تضاعف معدّل هذا الامتصاص خلال العقدين الماضيين. النتيجة تحوّلٌ متسارع سجّلته درجات حرارة سطح البحر عالمياً بأرقامٍ قياسية في 2023 و2024 ثمّ مجدداً في 2026 تسارعٌ زادت وتيرته هذا العام مع ظاهرة النينيو (El Niño)، النمط المناخي الطبيعي الذي يرفع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدّلها، والتي تتّجه لتكون الأشدّ في السجلّ. يصف التقرير، الذي أنتجته مؤسّسة البحث غير الربحية Mercator Ocean International، هذه التحوّلات بأنّها "أوضح إنذارٍ حتى الآن"، ويحذّر من أنّها تمضي بـ"وتيرةٍ مقلقة".
يقول بيير باهوريل، المدير العام لـMercator Ocean International: "المحيط يتحوّل أمام أعيننا: الاحترار وارتفاع مستوى سطح البحر وتدهور النظم الإيكولوجية إشاراتٌ مترابطة على تغيّرٍ طويل الأمد وعميق". هذا الترابط، بحسب التقرير، هو ما يفسّر لماذا لم يعد ممكناً النظر إلى موجات الحرّ البحرية أو العواصف المدمّرة كحوادث منفصلة عن بعضها.
لماذا يرتفع منسوب البحار بهذه السرعة؟
ارتفع متوسّط مستوى سطح البحر عالمياً بمعدّل 0.15 بوصة (3.8 ملم) سنوياً منذ عام 1999، ليصل الإجمالي التراكمي إلى نحو 4 بوصات خلال هذه الفترة ومعدّل الارتفاع نفسه تسارع منذ عام 2012. السبب مزدوج: ذوبان الجليد من جهة، وتمدّد المياه الأدفأ حجماً من جهةٍ أخرى، وهي ظاهرةٌ فيزيائية بسيطة لكنها بالغة الأثر حين تتكرّر على نطاق المحيطات كلّها. النتيجة تهديدٌ مباشر لمئات الملايين من سكّان السواحل حول العالم.
إلى جانب الارتفاع في المنسوب، تسجّل المحيطات تحوّلاً كيميائياً موازياً: ازدادت حموضتها بنحو 17% منذ عام 1985 نتيجة امتصاصها كمياتٍ متزايدة من التلوّث الكربوني، في ظاهرةٍ وُصفت بأنها "التوأم الشرّير لتغيّر المناخ" بقدر ما هي كارثية بقدر ما هي أقلّ حضوراً في النقاش العام. هذه الحموضة المتصاعدة تجعل تكوين الأصداف والهياكل العظمية أصعب بالنسبة للمحار وجراد البحر والشعاب المرجانية، وهي عمليةٌ حيوية تفصّلها موسوعة Smithsonian Ocean في شرحها لآثار تحمّض المحيطات على الكائنات البحرية.
البحر المتوسط في مرمى الحرارة القصوى
تقول كارينا فون شوكمان، إحدى معدّات التقرير ومستشارة أولى في Mercator Ocean International، إنّ "البحار الأوروبية تحت ضغطٍ شديد". فقد شهد البحر المتوسط والبحر الأسود موجات حرّ بحرية قياسية خلال عام 2024، امتدّ بعضها لأكثر من 30 يوماً، ورفعت درجة حرارة المياه أكثر من 8.3 درجة فهرنهايت (4.6 درجة مئوية) فوق المعدّل. وتوضح الباحثة بلانكا فرنانديز-ألفاريز، من معهد الدراسات المتقدّمة للبحر المتوسط، أنّ "هذه ليست موجات حرّ معزولة، بل تحدث في سياق احترارٍ محيطي مستمر يغيّر الظروف التي تعيشها النظم الإيكولوجية البحرية".
هذا الاحترار انعكس عملياً في عنف العواصف: عاصفة لويس ضربت سواحل إسبانيا عام 2024 بأمواجٍ ارتفعت إلى 26 قدماً، ما أدّى إلى وفاة شخصٍ واحد وانقطاعاتٍ واسعة في الكهرباء وأضرارٍ في البنية التحتية. وفي شمال أوروبا، دفعت عاصفةٌ رياحاً قوية ومستمرّة في خليج بوثنيا بين السويد وفنلندا كمياتٍ كبيرة من المياه إلى خارج الخليج، ما خفّض منسوب البحر محلياً بمقدار 60 بوصة وأوقف عمل العبّارات لمدّة 18 ساعة. هذا النمط من العواصف الحادّة يجد سياقاً أوسع في تحليلاتٍ نشرتها جامعة سانت توماس حول الارتباط بين الأرقام القياسية لحرارة المحيطات وتصاعد الظواهر الجوية المتطرّفة.
القطبان يفقدان توازنهما
في القطب الشمالي، ارتفعت حرارة سطح البحر بنحو 7.6 درجة فهرنهايت (4.2 درجة مئوية) خلال العقود الأربعة الماضية، بينما تراجع متوسّط الجليد البحري الشهري بمعدّل 190 ألف ميل مربّع كلّ عقد بين عامي 1979 و2025 أي ما يعادل مساحة إسبانيا كاملةً تختفي من الغطاء الجليدي كلّ عشر سنوات. أما في القطب الجنوبي، فقد سجّل الجليد البحري أدنى مستوى له في السجلّ عام 2022، بالتزامن مع أول حالة موثّقة لفشلٍ جماعي في تكاثر طيور البطريق الإمبراطوري. يصف التقرير هذا التزامن بأنه "علامة على أن تغيّر المناخ يعيد بالفعل تشكيل موطن الأنواع المعتمدة على الجليد".
ماذا يعني هذا للدول الجزرية الصغيرة؟
تواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية، بحسب التقرير، مزيجاً متراكماً من ارتفاع منسوب البحر والأعاصير الشديدة وعواصف المدّ وموت الشعاب المرجانية. تختصر فون شوكمان هذا الواقع بقولها: "بالنسبة للدول الجزرية، تغيّر المحيط ليس قضية بيئية بعيدة؛ إنه تحدٍّ اقتصادي وتنموي وأمني مباشر وإنذارٌ بما ستواجهه سواحلٌ كثيرة أخرى في المستقبل". هذه العبارة تلخّص فلسفة التقرير بأكمله: ما يحدث اليوم في المحيط الهادئ الاستوائي أو البحر المتوسط ليس معزولاً عمّا سيصل غداً إلى سواحل عربية وأفريقية تشترك في التعرّض ذاته.
يخلص التقرير إلى دعوةٍ صريحة لمواصلة رصد المحيطات بشكلٍ منهجي ومستدام، بوصف ذلك الأداة الوحيدة التي تتيح للحكومات والمجتمعات الاستعداد لتحوّلاتٍ تتسارع بدل أن تتباطأ. وكما يختصر باهوريل الموقف: "من مسؤوليتنا بناء القدرة الدائمة على استباق هذا التحوّل". فالفارق بين رصدٍ يسبق الحدث واستجابةٍ تأتي بعد فوات الأوان، هو ما سيحدّد كلفة العقود القادمة على السواحل والجزر على حدٍّ سواء.
أخبار ذات صلة

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟
