خَبَرَيْن logo

انهيار أساسات المنازل بسبب تغير المناخ والجفاف

موجات الحر والجفاف تهدد أساسات منازل لندن وتزيد من خسائر التأمين. الهبوط الأرضي يتوسع بسبب تغير المناخ ما يضع أصحاب البيوت أمام أزمة تأمين حقيقية. هل سينجحون في حماية بيوتهم؟ اكتشف التفاصيل في خَبَرَيْن.

منازل ملونة في لندن تعكس تأثير موجات الحر والجفاف على أساسات المباني وتزايد مخاطر الهبوط الأرضي في جنوب شرق إنجلترا.
منازل متلاصقة في منطقة نوتينغ هيل بلندن، إنجلترا، حيث تواجه المدينة مشكلة هبوط الأرض التي يشير الخبراء إلى تفاقمها بسبب موجات الحرارة الشديدة. تصوير هولي آدامز/بلومبرغ/صور غيتي
التصنيف:مناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين تتشقّق الجدران، تتشقّق معها قيمة البيت وربّما إمكانية تأمينه. هذا ما يعيشه آلاف أصحاب المنازل في لندن وجنوب شرق إنجلترا اليوم، إذ تتحوّل موجات الحرّ المتكرّرة وفصول الجفاف المتعاقبة إلى أداةٍ صامتة تنخر أساسات بيوتهم من تحت الأرض. الظاهرة ليست جديدة، لكنّ المناخ المتغيّر يمنحها زخماً لم يسبق له مثيل.

ما الذي يحدث تحت الأرض؟

لندن مدينةٌ مبنيّة فوق طبقات من الطين الغضاري، وهو نوعٌ من التربة يتمدّد حين يمتصّ الماء ويتقلّص حين يجفّ وهو ما يُعرف علمياً بظاهرة "الانتفاخ والانكماش" (shrink-swell). في موسم الجفاف، تفقد هذه التربة رطوبتها، فتهبط، وتسحب معها أساسات المباني المقامة فوقها. النتيجة المرئية: شقوق متعرّجة تخترق الجدران، وأبوابٌ تعلق في إطاراتها، ونوافذ تتشوّه وتفقد استقامتها.

تزيد جذور الأشجار المنتشرة في أحياء لندن من حدّة المشكلة، إذ تسعى إلى امتصاص الرطوبة من التربة المحيطة بالأساسات، فتُعجّل بجفافها. ويُضاف إلى ذلك عاملٌ هيكلي تاريخي: أكثر من 50% من منازل لندن شُيِّدت قبل عام 1945، وكثيرٌ منها يرتكز على أساساتٍ ضحلة لم تُصمَّم لتحمّل هذا المستوى من الإجهاد الحراري والجفاف.

منظر جوي لأراضٍ جافة وشاحبة في لندن مع ظهور مبانٍ وحدائق في الخلفية، يعكس تأثير موجات الحر والجفاف على التربة والأساسات.
Loading image...
العشب اليابس في بلاكهيث مع أفق لندن في الخلفية بتاريخ 11 أغسطس 2026. (تصوير دان كيتوود/صور غيتي)

أرقامٌ قياسية وتحذيرات متصاعدة

الأرقام التي رصدتها جمعية شركات التأمين البريطانية (ABI) تُترجم هذه الظاهرة إلى خسائر مالية ملموسة. في عام 2025، دفع المؤمّنون البريطانيون ما يُعادل 415 مليون دولار في مطالبات التعويض عن الهبوط الأرضي رقمٌ قياسي يفوق مثيله في 2024 بنسبة 10%. وفي الربع الثاني من عام 2026 وحده، تجاوزت المدفوعات 97 مليون دولار، فيما ارتفع متوسّط قيمة المطالبة الواحدة إلى 27,000 دولار، أي بزيادة 2,700 دولار مقارنةً بالفترة ذاتها من 2025.

وتتوقّع لويز كلارك، مديرة سياسة التأمين العام في ABI، أن تستمرّ هذه الموجة: "في أعقاب الطقس الحارّ والجافّ الذي شهدناه خلال يوليو وأغسطس من هذا العام، من المرجّح أن نشهد مزيداً من مطالبات الهبوط الأرضي في الأشهر المقبلة."

ولا تقتصر المخاطر على الحاضر. بيانات شركة Aviva للتأمين تُشير إلى أنّه بحلول عام 2030، ستكون 100% من العقارات في مناطق مثل Kensington وCity of London وWestminster معرّضةً لخطر الهبوط الأرضي بدرجاتٍ متفاوتة. أمّا المسح الجيولوجي البريطاني (BGS)، فيرى أنّه إذا استمرّ الاحترار بوتيرته الراهنة، فإنّ أكثر من 26% من عقارات لندن ستتأثّر بهذه الظاهرة بحلول عام 2070. ويُلخّص المتحدّث باسم BGS المشهد بعبارةٍ لا تحتمل التأويل: "الهبوط الأرضي هو أحد أشدّ المخاطر الجيولوجية ضرراً في المملكة المتحدة اليوم."

من لندن إلى كلّ مكان: المناخ يوسّع الخريطة

قبل أربعين عاماً، كانت ظاهرة الهبوط الأرضي مشكلةً تكاد تنحصر في لندن وجنوب شرق إنجلترا. لكنّ المناخ المتغيّر بدّل هذه المعادلة. يقول بوب غيبسون، مدير شركة Building & Structural Consultants والخبير في هذا الملف: "لكنّ تغيّر المناخ جعلها الآن تطال مناطق عديدة أخرى في المملكة المتحدة." ويُضيف محذّراً من أنّ عام 2026 قد يكون الأسوأ على الإطلاق: "هذا العام يتشكّل ليكون الأكبر من نوعه على الإطلاق، إذ إنّه الصيف الجافّ الثاني المتتالي مع موجات حرارة متعدّدة."

أزمة التأمين: حين يصبح الضمان نفسه في خطر

ربّما كانت التداعية الأشدّ قلقاً لهذه الأزمة ليست الشقوق في الجدران، بل الشقوق في منظومة التأمين ذاتها. يصف غيبسون ما يجري في سوق التأمين بصراحة: "شركات التأمين ترفع الأقساط بشكلٍ حادّ، أو تمتنع عن تجديد تغطية الهبوط الأرضي."

وتذهب برونيلا بالزانو، المحاضرة الأولى في التصميم الإنشائي بجامعة Cardiff، إلى أبعد من ذلك، إذ تُثير احتمالاً يبدو مقلقاً: "أعتقد أنّه من المحتمل... أنّه في المستقبل القريب، قد لا يُؤمَّن على الهبوط الأرضي بعد الآن." وتُوضّح بالزانو طبيعة هذا الخطر الذي يجعل إدارته صعبة: "إنّه يقع على الحدّ الفاصل بين ما هو خطير فعلاً وما يمكن إهماله لبعض الوقت."

الحلول التقنية المتاحة كإزالة الغطاء النباتي القريب من الأساسات، أو تركيب حواجز للجذور، أو تدعيم الأساسات بالخرسانة مُكلفةٌ وتستغرق وقتاً. لكنّ بالزانو تُذكّر بالحقيقة الجوهرية التي تُحدّد سقف الحلول الممكنة: "لا يمكننا إزالة تغيّر المناخ."

هذه الجملة القصيرة تُلخّص المعضلة: الهندسة تستطيع أن تُعالج البيت المتصدّع، لكنّ ما يُصدّع البيوت حرارةٌ متصاعدة وجفافٌ يتعمّق لا تُوقفه مطرقةٌ أو أسمنت. وما لم تتسارع جهود خفض الانبعاثات الكربونية عالمياً، فإنّ خريطة المخاطر ستواصل اتّساعها، وستجد شركات التأمين نفسها أمام قرارٍ وجودي: هل تواصل تغطية مخاطرَ تتضاعف كلّ عقد، أم تتراجع وتترك أصحاب المنازل في مواجهة الأرض المتحوّلة تحتهم وحدهم؟

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يسحب الماء يدوياً من بئر عميق في كابل مع خلفية جبلية، يعكس أزمة ندرة المياه الجوفية في أفغانستان.

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

تعاني كابل من أزمة مياه حادة تهدد ملايين السكان بسبب انخفاض المياه الجوفية والجفاف المستمر. اكتشف كيف تؤثر هذه الأزمة على الحياة اليومية في المدينة وكن جزءًا من الحل. اقرأ المزيد الآن!
مناخ
Loading...
باحثان يجريان دراسة ميدانية في منطقة حرائق غابات يلوستون، تظهر الأرض محترقة وجذوع أشجار متفحمة مع ضعف تجدد الأشجار بسبب الحرائق الشديدة.

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

تشهد غابات أمريكا تحوّلاً جذرياً بعد حرائق أشد حرارةً وأسرع انتشاراً، حيث تحل الشجيرات محل الأشجار القديمة. اكتشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على المناخ ومستقبل الغابات. تابع القراءة لتعرف المزيد.
مناخ
Loading...
خريطة توضح مواقع العواصف المدارية والإعصارات النادرة في المحيط الأطلسي خلال موسم 2026 مع تأثير ظاهرة النينيو على نشاط الأعاصير.

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟

شهد المحيط الأطلسي في سبتمبر الحالي ظاهرة نادرة بعدم تسجيل أي إعصار، نتيجة تأثير النينيو وقصّ الرياح القوي، ما قد يجعل موسم 2026 الأكثر استثنائية منذ 76 عاماً. اكتشف التفاصيل وكيف يؤثر ذلك على المناخ.
مناخ
Loading...
بطاريق تقف على جليد متصدع في القطب الجنوبي، مما يعكس تأثيرات الاحترار العالمي وذوبان الجليد القطبي على النظم البيئية البحرية.

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض

تشهد المحيطات ارتفاعاً قياسياً في امتصاص الحرارة مع تسارع ظاهرة النينيو، ما يهدد النظم البيئية ويدفع مستويات البحار للارتفاع. اكتشف كيف تؤثر هذه التغيرات على كوكبنا وكن جزءاً من الحل.
مناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية