خَبَرَيْن logo

إيران تفتح باب السيطرة على مضيق هرمز

إغلاق مضيق هرمز يُعيد رسم الأولويات الإيرانية، حيث يتحوّل التركيز من البرنامج النووي إلى السيطرة البحرية كأداة ردع. كيف تؤثر هذه التغيرات على السياسة الداخلية وأمن الطاقة في العالم؟ اكتشف التفاصيل على خَبَرَيْن.

صورة لمجموعة من السفن في مياه مضيق هرمز، حيث تبرز أهمية المضيق في الأمن البحري والتجارة العالمية.
سفن راسية في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عمان، 25 مايو 2026 [سترانجر/رويترز]
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قبل أسابيع قليلة، نفّذت إيران تهديداً طالما رفعته ورقةً في وجه الغرب: إغلاق مضيق هرمز. جاء الردّ الأمريكي سريعاً في صورة حصارٍ بحري، وسط جدلٍ واسع حول مشروعية الخطوة الإيرانية وجدواها واستمراريتها. غير أنّ ما أربك حتى المقرّبين من النظام بحسب ما كشفته ردود الفعل على وسائل الإعلام الرسمية والمنصّات الاجتماعية هو حجم الصدمة الفورية: أسعار نفطٍ تقفز، وأسواقٌ تتداعى، وعالَمٌ يلتفت نحو مضيقٍ ضيّق لم يتوقّع كثيرون أن يتحوّل إلى هذا الحجم من السلاح.

فكرةٌ كانت تُصنَّف ضرباً من الخطاب الاستعراضي، أو في أسوأ الأحوال سيناريو نهاية العالم، باتت اليوم سلاحَ تعطيلٍ شامل، وربّما أشدّ أثراً من سلاح الدمار الشامل الذي طالما اتُّهمت إيران بالسعي إليه.

من النووي إلى هرمز: تحوّلٌ عقائدي؟

استأثر إغلاق المضيق باهتمامٍ واسع من حيث تداعياته على أمن الطاقة والغذاء والتجارة في أوروبا وأفريقيا وآسيا. لكنّ ما نال اهتماماً أقلّ هو انعكاساته على السياسة الداخلية الإيرانية، وما قد يُشير إليه من تحوّلٍ أعمق: الانتقال من عقيدةٍ دفاعية مبنيّة على القدرة النووية إلى أخرى مبنيّة على السيطرة على المضيق.

حتى الضربة الأمريكية في يونيو 2025 على المنشآت الرئيسية لإنتاج الوقود النووي الإيراني، كانت الجمهورية الإسلامية قد أنفقت مليارات الدولارات على البحث والتطوير وتصنيع البرنامج النووي وحمايته، وخسرت مليارات أخرى جرّاء العزلة والعقوبات التي فرضها هذا البرنامج على اقتصادها.

لم يكن الملفّ النووي مجرّد عبءٍ اقتصادي، بل كان وقوداً للقمع السياسي في الداخل أيضاً. منذ عام 2005، كانت أحدّ الانقسامات بين المعتدلين والمتشدّدين تدور حول البرنامج وتكاليفه المتراكمة. وتحوّلت كلّ انتخاباتٍ رئاسية تقريباً بعد ذلك العام إلى استفتاءٍ ضمني على الملفّ النووي وكيفية إدارة تداعياته. وكثيرٌ من المعارضة لاستبداد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي كانت تنبع من إصراره على الإبقاء على هذا المشروع المُكلف، وتقبّله للتشوّهات التي فرضها على الاقتصاد.

جرى تدريجياً تطهير كلّ شخصيةٍ أو تيّار انتقد البرنامج وفضّل الحلّ الدبلوماسي. وبحلول عام 2021، بعد أن أُقصي معظم الإصلاحيين والمعتدلين من السباق الرئاسي، جرى استبعاد حتى علي لاريجاني، المقرّب منذ أمدٍ بعيد من خامنئي (الذي اغتاله لاحقاً الجانب الإسرائيلي في مارس 2026، بعد وقتٍ قصير من مقتل خامنئي نفسه)، وذلك إلى حدٍّ بعيد بسبب دوره بوصفه رئيساً للبرلمان في دفع اتفاق خطّة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015 إلى الأمام.

مؤشّراتٌ على إعادة رسم الأولويات

لا تُشير الشواهد المتاحة في أعقاب الضربة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة إلى ثورةٍ عقائدية راسخة، لكنّ نقاشاً داخلياً حقيقياً بات يدور حول ما إذا كانت السيطرة على المضيق قادرةً على أن تحلّ محلّ الغموض النووي بوصفه رادعاً رئيسياً لإيران. والعرض الإيراني المُبلَّغ عنه في محادثات باكستان بتعليق التخصيب لسنواتٍ عدّة يكتسب دلالةً بالغة. فحتى لو كان تكتيكياً ومؤقّتاً، فإنّه يوحي بأنّ أجزاءً من الدولة الإيرانية لم تعد تتعامل مع التخصيب باعتباره ثوابتاً استراتيجياً لا يُمسّ، وأنّها مستعدّة لرفع أوراق الضغط المرتبطة بهرمز والتعطيل البحري إلى مرتبةٍ أعلى.

ثمّة مؤشّراتٌ أخرى تسير في الاتجاه ذاته. فمنذ توليه منصبه خلفاً لوالده، لم يُشِر المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي إلى البرنامج النووي مرّةً واحدة في تصريحاته العلنية، في حين شدّد مراراً على حقّ إيران في إدارة مضيق هرمز.

كذلك أبدى تيّار اليمين الشعبوي المتطرّف في المعسكر المحافظ، الذي يُجسّده المفاوض النووي السابق ومستشار الأمن القومي سعيد جليلي وجبهة «پايداري» (الثبات)، اهتماماً أقلّ بالملفّ النووي. فالمحلّل البارز في هذا التيّار، فؤاد إيزادي، لم يُثِر الموضوع مرّةً واحدة خلال ظهورٍ استمرّ خمسين دقيقة على شاشة التلفزيون الرسمي، مُكتفياً بالإشادة بمضيق هرمز بوصفه مصدرَ دخلٍ يفوق عائدات النفط. وتساءل: "كم من الوقت نحتاج لنلاحق الأمريكيين ونتوسّل إليهم برفع العقوبات؟ الهند الآن، بوصفها مشتريةً للنفط الإيراني، هي من يضغط على الكونغرس الأمريكي لرفع العقوبات حتى تتمكّن من الدفع."

أمّا المحافظون البراغماتيون المقرّبون من رئيس البرلمان والمفاوض النووي الحالي محمد باقر قاليباف، فقد شرعوا بالفعل في تبرير تعليق التخصيب في أعقاب ضربات يونيو 2025 على المنشآت الإيرانية تحت الأرض، مُطلقين فكرة «غروب الشمس النووي» مقابل استثماراتٍ أكبر في صناعة النفط. وباتوا يتساءلون بصراحةٍ أكبر عن القيمة الرادعة لوضع العتبة النووية، مُنادين بالتحوّل نحو السيطرة البحرية. وكتب جليل محيبي، المستشار الرفيع لقاليباف: "التخصيب، الذي لم يكن ورقةَ ضغطٍ قوية أصلاً، حلّ محلّه مضيق هرمز الذي لا يمكن، على خلاف المنشآت النووية، قصفه ولا أكسدته ولا ردمه بالإسمنت."

فشل الردع النووي

مهما يكن مآل محادثات واشنطن وطهران، فإنّ الضربتين المتتاليتين على القيادتين السياسية والعسكرية الإيرانيتين العليا، وعلى البنية التحتية العسكرية والأمنية والمدنية، قد كشفتا عن حقيقةٍ واحدة: وضع العتبة النووية لم يوفّر الردع فحسب، بل ربّما أضرّ بالأصول الدفاعية التقليدية الإيرانية، كما يرى المحلّل المحافظ البراغماتي مصطفى نجفي.

فإذا رسّخ معسكر هرمز موقعه، فإنّ التداعيات على السياسة الداخلية الإيرانية والمنطقة الأشمل قد تكون جوهرية.

الملفّ النووي أتاح للمتشدّدين تعريف الوطنية، ووصم المعارضة بالخيانة، وتمركز السلطة في الدولة الأمنية. وأسهم في ما يشبه «البعثنة»، إذ استولى الحرس الثوري الإسلامي على مفاصل الدولة وأفرغ المؤسّسات التمثيلية من مضمونها. وقد يُضعف التحوّل من النووي إلى هرمز المبرّرات التي يتذرّع بها المتشدّدون لتطهير الإصلاحيين بذريعة الأمن القومي، ويفتح مساحةً أرحب للمناصب المنتخبة والمجتمع المدني. كما سيُنصف الذين طالما جادلوا بأنّ نفوذ إيران يكمن في جغرافيتها وتجارتها ودبلوماسيتها لا في قوّتها العسكرية التقنية، ممّا يُعزّز مكانة الدبلوماسيين والتكنوقراط على حساب الأيديولوجيين ذوي التوجّه العسكري. وإذا كانت الجغرافيا البحرية قادرةً على فرض تكاليف عالمية فعّالة بسرعةٍ أكبر وكلفةٍ أقلّ من الغموض الذرّي، فلن تحتاج إيران إلى المستوى ذاته من التخصيب والتعتيم لتفرض حضورها أو تردع الضغوط.

ثقلٌ استراتيجي نحو الجنوب

ستُزيح العقيدة البحرية أيضاً مركز الثقل الاستراتيجي الإيراني نحو الخليج والساحل الجنوبي. الموانئ والشحن والجمارك والخدمات اللوجستية وعبور الطاقة ستغدو أكثر أهمية من المشاريع الرمزية الداخلية المرتبطة بالمجمّع الأمني النووي، وسيكتسب جنوب إيران ثقلاً اقتصادياً وسياسياً متصاعداً.

ثقافياً، قد يبدأ هذا التحوّل في تفكيك قبضة نماذج الحرب الباردة والروايات الثورية الشيعية التي طالما حكمت رؤية الجمهورية الإسلامية للعالم. فاسم هرمز نفسه يحمل أصداءً في التراث الفارسي، إذ يعود إلى «أهورا مزدا»، إله الحكمة والنظام في الديانة الزرادشتية. لن يمحو التحوّل نحو هرمز الرؤية الثورية، لكنّه قد يبدأ في إزاحتها بلغةٍ مختلفة: لغة الأرض والتبادل والجغرافيا ومصلحة الدولة. وقد يُفضي ذلك بمرور الوقت إلى إيران أكثر تماسكاً واستقراراً، مع استمرار الأجيال الشابة في الابتعاد عن الرؤية الدينية وأحياناً الأبوكاليبتية للنظام نحو فهمٍ أكثر إقليميةً وتاريخيةً وقوميةً للبلاد.

إقليمياً، قد يدفع نظامٌ محوره هرمز ملوكَ الخليج وأمراءه نحو التوافق بدلاً من المواجهة. وستغدو ترتيبات الأمن البحري وقنوات تجنّب الصراع وأطر العبور أكثر جاذبيةً، وقد تصبح علاقات إيران بجيرانها العرب أقلّ أيديولوجيةً.

وأخيراً، قد يُخفّف هذا التحوّل تدريجياً من القلق الوجودي الذي تحمله إسرائيل تجاه إيران. الموقف النووي يُقلّص المسافات ويُثير مخاوف الفناء؛ أمّا مضيق هرمز، فهو بعيدٌ جغرافياً عن إسرائيل ورادعٌ سلبيٌّ لا يُولّد الهلع ذاته. قد تظلّ إسرائيل ترى في إيران عدوّاً، لكن أقلّ تهديداً وجودياً مباشراً، ممّا يجعل الصراع أكثر غيريةً وإقليميةً وقابليةً للضبط. وهذا بدوره قد يُعيد تشكيل البيئة السياسية الإسرائيلية ذاتها، حيث أسهم الخوف الوجودي من إيران طويلاً في تعزيز الأحزاب المتطرّفة وتهميش الأكثر اعتدالاً.

خلاصة: ما بعد العقيدة النووية

ما قد تكشفه هذه الحرب إذن ليس مجرّد صمود إيران، بل الإرهاق المحتمل للعقيدة الاستراتيجية التي عرّفت بها الجمهورية الإسلامية نفسها طوال معظم الجيل الماضي. وإذا كانت أفعل أوراق النفوذ الإيرانية تكمن الآن في حقائق الجغرافيا البحرية أكثر من الغموض النووي، فعلى القوى الخارجية ألّا تُعيد إنتاج المواجهة النووية القديمة في صورةٍ معدَّلة قليلاً.

ليس معنى هذا تمجيد استراتيجية محورها هرمز؛ فالإكراه البحري خطيرٌ ومُكلفٌ اقتصادياً وربّما مخالفٌ للقانون الدولي. لكنّ تحوّلاً حقيقياً في الخيال الاستراتيجي الإيراني قد يحمل تداعياتٍ مختلفة جذرياً عن تلك التي رسمها النموذج النووي خلال العشرين سنة الماضية.

وحين توازن الدول الأوروبية حول تشكيل تحالفٍ أشمل حول هرمز، ينبغي لها أن تتجاوز المهمّة الآنية المتمثّلة في إعادة فتح الممرّ المائي وتأمينه. إطارٌ يتعامل مع المضيق بوصفه مشكلةً أمنيةً فحسب يُخاطر بإغفال التحوّل الأعمق الجاري في النقاش الاستراتيجي الإيراني. أمّا إطارٌ يُدمج الأمن البحري في الدبلوماسية ورفع العقوبات والتوافق الإقليمي والاعتماد المتبادل المُدار، فقد يُحقّق أكثر من مجرّد استقرار حركة الشحن: قد يُسهم في إضعاف المنطق الداخلي ذاته الذي جعل الملفّ النووي مدمّراً في الداخل ومُشعلاً للتوتّر في الخارج ويمنح بذلك النقاش الداخلي الإيراني أفضل فرصة للاستقرار في اتجاهٍ تُرحّب به أوروبا.

أخبار ذات صلة

Loading...
اعتقال متظاهر يحمل لافتة خلال احتجاج ضد سياسة ألمانيا تجاه إسرائيل، وسط تواجد مكثف للشرطة.

ألمانيا تفقد مقعدها في مجلس الأمن: هل دعمها لإسرائيل السبب؟

فشلت ألمانيا في الحصول على مقعد مؤقت في مجلس الأمن، مما أثار انتقادات داخلية حادة. هل يمكن أن يكون دعمها لإسرائيل هو السبب؟ تابعوا معنا لاستكشاف أسباب هذه الهزيمة وتأثيرها على السياسة الخارجية الألمانية.
سياسة
Loading...
خليل الرحمن، وزير الخارجية البنغلاديشي، يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد انتخابه رئيساً للدورة الحادية والثمانين.

خليل الرحمن: وزير خارجية بنغلاديش الذي فاز برئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة

في وقتٍ يتصاعد فيه الضغط على التعددية الدولية، أصبح خليل الرحمن رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة. تعرف على مسيرته الدبلوماسية وتحدياته المقبلة في هذا المنصب الرفيع. تابع القراءة لتكتشف المزيد!
سياسة
Loading...
اجتماع دبلوماسي في واشنطن بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، حيث تظهر أعلام الدول المشاركة، وسط مناقشات حول وقف إطلاق النار.

إسرائيل ولبنان يتفقان على وقف إطلاق نار مشروط

في ظل تصاعد التوترات، توصلت إسرائيل ولبنان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشروطًا بوقف كامل من حزب الله. بينما تستمر الهجمات، يبقى الوضع معقدًا. هل ستنجح هذه المفاوضات في تحقيق السلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في المقال.
سياسة
Loading...
النائب الجمهوري Mike Johnson يتحدث في مجلس النواب الأمريكي، حيث تم التصويت على قرار يقيّد صلاحيات الرئيس ترامب في العمليات العسكرية ضد إيران.

قرار أمريكي نادر: مجلس النواب يقيّد صلاحيات ترامب في الحرب ضد إيران

في سابقة تاريخية، انضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في تصويت يقيّد صلاحيات ترامب العسكرية ضد إيران. هل ستنجح هذه الخطوة في إنهاء النزاع؟ تابعوا التفاصيل حول تأثيرات هذا القرار على السياسة الأمريكية.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية