تراجع المياه العذبة أزمة تهدد حياة مليارات البشر
مخزون المياه العذبة على الأرض يتراجع بسرعة بسبب تغير المناخ وتلوث الوقود الأحفوري، مما يفاقم الجفاف والفيضانات ويهدد مليارات البشر. تعرف على تفاصيل الأزمة وتأثيرها على مستقبل المياه في خَبَرَيْن.

منذ عام 2016، والمياه العذبة المخزّنة على سطح الأرض في تراجعٍ متواصل لم يتوقّف. هذه ليست ملاحظةً عابرة في تقريرٍ علمي، بل هي الخلاصة الأكثر قلقاً في تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) الصادر عام 2025، الذي يكشف كيف أنّ تلوّث الوقود الأحفوري بات يُعيد رسم الدورة المائية الكوكبية من أساسها — فيُجفّف الأنهار، ويُذيب الأنهار الجليدية، ويُفاقم الفيضانات والجفاف في آنٍ واحد.
حين تختلّ الدورة المائية
الدورة المائية في جوهرها آليةٌ فيزيائية بسيطة: تتبخّر المياه من المحيطات والبحيرات، تنتقل بخاراً في الغلاف الجوي، ثمّ تتساقط مطراً أو ثلجاً. لكنّ هذه الآلية باتت تعمل خارج نطاقها التاريخي المعتاد. في عام 2025 — الذي يُصنَّف ضمن أشدّ الأعوام دفئاً في السجلّات المناخية — وجد 42% من سكّان العالم أنفسهم في مناطق تعاني من مخزون مياه عذبة أدنى من المعدّلات التاريخية. وبالتوازي مع ذلك، شهد عام 2025 واحداً من أجفّ مواسم الأنهار في 35 عاماً، وهو العام السابع على التوالي الذي تسجّل فيه الأنهار حول العالم تدفّقاً خارج نطاقه الطبيعي.
يقول Wayne Jenkinson، مدير قسم الهيدرولوجيا والغلاف الجليدي في WMO، بصراحةٍ علمية لا تحتمل التأويل: "الاتجاه واضح: المياه المخزّنة على الأرض تتراجع عالمياً منذ نحو عام 2016". وهو اتجاهٌ تؤكّده أيضاً بيانات المياه الجوفية، إذ أظهرت ثلثا آبار المراقبة المرصودة حول العالم مستوياتٍ خارج نطاقها التاريخي الطبيعي، فيما تفاقم العجز في المياه الجوفية مقارنةً بعام 2024.
الأنهار الجليدية: حسابٌ يُنهَب
ثمّة مكوّنٌ في الدورة المائية يعمل بإيقاعٍ أبطأ من الأمطار والأنهار، لكنّه لا يقلّ أهمية: الأنهار الجليدية والثلوج والجليد الدائم. هذه العناصر تُشكّل ما يمكن تسميته "الجانب البطيء" من الدورة المائية، وهي احتياطيٌّ طبيعي يُخفّف من وطأة موسم جفافٍ أو سنةٍ شحيحة المطر. تصفه Celeste Saulo، الأمينة العامة لـ WMO، بدقّةٍ بالغة: "تقليدياً، عملت هذه الاحتياطيات البطيئة كحسابٍ توفير للكوكب: مخزنٌ يمتصّ السنوات السيّئة كي لا تتحوّل موجة جفافٍ واحدة أو موسمٌ جافٌّ واحد مباشرةً إلى أزمة مياه". ثمّ تُضيف بنبرةٍ تحذيرية: "نحن نستنزف ذلك الحساب".
الأرقام تُجسّد هذا الاستنزاف بوضوح: بين عامَي 2023 و 2025، فقدت الأنهار الجليدية حول العالم كميةً من المياه تعادل ما يملأ 560 مليون حوض سباحة أولمبي. وقد شهد عام 2025 خسائر واسعة في جميع مناطق الأنهار الجليدية حول العالم، للسنة الرابعة على التوالي. هذا الذوبان المتسارع لا يعني فقط ارتفاع منسوب البحار على المدى البعيد، بل يهدد مباشرةً نحو 2 مليار إنسان يعتمدون على هذه الأنهار الجليدية مصدراً للمياه العذبة في حياتهم اليومية.
يصف Mattia Saccò، المتخصّص في الأبحاث الجوفية وبيئة المياه الجوفية بجامعة Curtin الأسترالية، ما يرصده التقرير بأنّه "اتجاهاتٌ مقلقة متراجعة تطال جميع المكوّنات الرئيسية للدورة المائية العالمية". ويذهب أبعد من ذلك حين يُحذّر: "تداعيات هذا التدهور في جودة المياه وكمّيتها — شريان الحياة على كوكبنا — تشمل فقدان التنوّع البيولوجي، وضعف النظم البيئية، وفي المحصّلة عالمٌ أكثر هشاشة".
فيضاناتٌ وجفافٌ: الوجهان لأزمةٍ واحدة
يقع خطأٌ شائع في فهم أزمة المياه: الاعتقاد بأنّها تعني الجفاف حصراً. لكنّ تقرير WMO لعام 2025 يُظهر الصورة في تعقيدها الحقيقي — فالاضطراب في الدورة المائية يُنتج كلا الطرفين المتناقضين في آنٍ واحد.
على صعيد الجفاف، عانت منطقة شرق أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط من جفافٍ حادّ في عام 2025، وهي مناطق تضمّ دولاً عربية تعاني أصلاً من شحّ مائي هيكلي مزمن. في المقابل، شهدت نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية فيضاناتٍ كبرى، فيما واجهت دول جنوب وجنوب شرق آسيا أعاصير مدارية وأمطار موسمية استثنائية الشدّة. وفي الولايات المتحدة، أودت فيضانات Texas Hill Country في يوليو 2025 بحياة أكثر من 130 شخصاً، بينما خلّف الإعصار Melissa أكثر من 90 قتيلاً في جزر البحر الكاريبي، من بينها جامايكا وهايتي.
خلال السنوات الخمس الماضية، سُجّلت فيضاناتٌ وموجات جفافٍ قياسية على مستوى العالم، وكانت قارّتا آسيا وأفريقيا الأكثر تضرّراً من حيث عدد الأحداث المتطرّفة وأعداد الضحايا. وتجدر الإشارة إلى أنّ التقرير استند إلى بيانات من أكثر من 60 دولة، غير أنّ القائمين عليه نبّهوا إلى ثغراتٍ جوهرية في شبكات الرصد، لا سيّما في آسيا وأفريقيا — وهو ما يعني أنّ الصورة الحقيقية قد تكون أشدّ وطأةً مما تُظهره البيانات المتاحة.
فجوةٌ في البيانات، وخطرٌ قادم
لا يمكن إدارة ما لا نقيسه — هذه ليست حكمةً فلسفية، بل تشخيصٌ عملي يُطلقه Jenkinson حين يقول: "لا يمكننا إدارة ما لا نستطيع قياسه". وهو تحذيرٌ يكتسب أهمية مضاعفة في ضوء ما ينتظرنا: تقرير WMO يُشير إلى أنّ تعزّز ظاهرة النينيو (El Niño) في عام 2026 مرشّحٌ لرفع مخاطر الجفاف في مناطق وزيادة مخاطر الفيضانات في مناطق أخرى. وتؤكّد Saulo: "سيؤدّي تعزّز النينيو إلى زيادة مخاطر الجفاف في بعض المناطق، والفيضانات في مناطق أخرى".
يُلخّص Saccò الرسالة بجملةٍ لا تحتمل المراوغة: "سلامة الدورة المائية العالمية على المحكّ — نحن بحاجة إلى التحرّك الآن". وتبقى المفارقة الصعبة أنّ المناطق الأكثر عرضةً لهذا الاضطراب — من بينها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — هي في الوقت ذاته الأقلّ تمثيلاً في شبكات الرصد والقياس التي يحتاجها العالم لفهم ما يجري وإدارته. يمكن الاطّلاع على تقرير الأمم المتحدة للموارد المائية لعام 2025 للتعمّق أكثر في هذا الملفّ الحيوي.
أخبار ذات صلة

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟
