خَبَرَيْن logo

نهاية التزلج الصيفي في جبال الألب بسبب الاحتباس الحراري

تجربة التزلج الصيفي في جبال الألب تواجه تهديداً حقيقياً مع ذوبان الأنهار الجليدية بسبب ارتفاع درجات الحرارة. منتجعات شهيرة تغلق مصاعدها وتفقد مساحات كبيرة من الجليد ما يؤثر على الرياضة والطبيعة خَبَرَيْن.

متزلّجان يسيران على سطح جليدي مبلل يعكس ظلالهما وسط جبال الألب، في مشهد يعكس تراجع التزلج الصيفي بسبب ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع درجات الحرارة.
كانت تينيغ في جنوب شرق فرنسا تشتهر بوجود مسارات للتزلج على مدار 365 يومًا في السنة، لكن ذوبان الثلوج هذا العام أجبرها على إغلاق المسارات في يوليو. أليكس مارتن/وكالة فرانس برس/غيتي إيمجز
التصنيف:مناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

على ارتفاع يتجاوز 3,800 متر فوق مستوى البحر، حيث اعتاد المتزلّجون أن يجدوا الثلج في قلب الصيف، باتت الصخور العارية تطلّ من بين شقوق الجليد. ما كان يُشكّل أحد أكثر تجارب الرياضة الجبلية سحراً في أوروبا التزلّج صيفاً على أنهار الجليد الألبية الكبرى يواجه اليوم تهديداً وجودياً مقيساً بالأمتار والدرجات والتواريخ، لا بالتوقّعات والسيناريوهات.

موسم صيفي بلا تزلّج

لعقودٍ متتالية، كانت منتجعات Zermatt وSaas-Fee السويسريتان، وTignes وLes 2 Alpes الفرنسيتان، وممرّ Passo Stelvio على الحدود السويسرية الإيطالية، توفّر التزلّج الصيفي على أنهارها الجليدية الشاهقة. كانت هذه المنتجعات ملاذاً للفرق الوطنية وفرق الناشئين والهواة الراغبين في الإفلات من حرارة الصيف. لكنّ عام 2023 جاء ليُسجّل سابقةً لم تحدث منذ سنوات: للمرّة الأولى منذ أمدٍ بعيد، لم يكن ثمّة تزلّج صيفي منظّم بأيٍّ من المصاعد الجبلية في جميع أنحاء جبال الألب.

الأسباب ليست مفاجئة لمن يتابع مؤشّرات المناخ: موجات حرارة متتالية ضربت نصف الكرة الشمالي بين مايو وأغسطس 2023، رافقها غياب شبه تامّ لظاهرة التجمّد الليلي التي تُعيد تماسك سطح الجليد وتجعله صالحاً للتزلّج في الصباح الباكر.

في Zermatt، أوقف مشغّل المصاعد Zermatt Bergbahnen جميع مصاعد التزلّج الصيفي في الأول من أغسطس 2023، مستنداً إلى ارتفاع درجات الحرارة وانعدام البرودة الليلية والعواصف الرعدية والتغيّرات الخطرة في أحوال الجليد. وكان هذا التوقّف الثاني من نوعه؛ إذ سبق أن أُغلقت المصاعد لأسبابٍ مماثلة في صيف 2022. وقال الرئيس التنفيذي للشركة Martin Hug: "سلامة الضيوف والموظّفين تبقى أولويّتنا القصوى دائماً."

تبعتها Saas-Fee في 10 أغسطس، ثمّ Passo Stelvio في 15 أغسطس مستشهداً بموجات الحرارة المستمرّة وغياب إعادة التجمّد الليلي. وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أغلق منتجع Timberline في ولاية أوريغون الأمريكية — الوجهة الصيفية الوحيدة للتزلّج في الولايات المتحدة — أبوابه في 19 يوليو 2023.

جبال الألب مع مسارات التزلج الصيفي المغلقة بسبب ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع درجات الحرارة في 2023.
Loading image...
يقدم منتجع هينترتوكس النمساوي التزلج الصيفي، إلا أن الموسم بدأ يقصر بسبب ذوبان الثلوج الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة. مايكل سون/أسوشيتد برس

ما يراه المدرّب على الجليد

Simon Wells مدرّب تزلّج مقيم في Zermatt ويعمل مع PDS Snowsport، يصف التجربة في ذروتها بكلماتٍ تحمل دفء الحنين: "إنّها رائعة حقاً، تجد نفسك فوق قمم الألب عند الفجر والشمس تشرق من حولك... إنّها سحرٌ لا يُوصف." لكنّه سرعان ما يعود إلى الواقع المرّ: "إنّه أمرٌ محزن جداً. يُحرم الأطفال والفرق المحلية من فرصة التدريب."

ما يلفت Wells أكثر من الحرارة نفسها هو التحوّل المفاجئ في المشهد: "في لحظةٍ يكون الثلج وفيراً، ثمّ تأتي حرارة قاسية ومستمرّة... لقد تغيّر المشهد تماماً: أشياء لم تكن موجودة قبل سنواتٍ قليلة، كالصخور والحجارة الكبيرة التي تبرز من الجليد، والشقوق التي تتكشّف أكثر فأكثر." ويختم بتفاؤلٍ حذر: "نعتبر الجبال كائناً حيّاً يُملي علينا ما سنفعله... أبقى متفائلاً قدر الإمكان."

منتجع Zermatt يشغّل 21 كيلومتراً من المسارات المُهيَّأة إضافةً إلى حديقة ثلجية على نهر Theodul الجليدي على ارتفاع 3,883 متراً، حيث تقع محطّة مصعد Klein Matterhorn الأعلى في أوروبا. أمّا مسار السحب إلى Gobba di Rollin فيبلغ ارتفاعه 3,900 متر. هذه الأرقام الشاهقة لم تعد كافيةً لحماية الجليد من الحرارة المتصاعدة.

في Tignes الفرنسية، أتاح نهر Grande Motte الجليدي التزلّج للعموم بين 20 يونيو و20 يوليو 2023 فحسب، على مسارٍ بطول 12 ميلاً. وقال Clement Colin، مدير الموارد في ALTTA المشغّلة للمصاعد: "في الجزء الأول من الصيف كان التزلّج ممتازاً في Tignes، الظروف كانت رائعة... لكن مع الحرارة التي شهدناها هذا العام بدأ الأمر يصعب أكثر فأكثر." ويُضيف بصراحةٍ لافتة: "التزلّج الصيفي كان شعبياً في الماضي، لكنّه تراجع في السنوات الأخيرة. لدينا الآن المزيد من المشاة وعدد أقلّ من المتزلّجين في الصيف."

جبل ماترهورن في جبال الألب السويسرية يظهر بقمة صخرية عارية مع بقع جليدية متبقية، يعكس تأثير تغير المناخ على ذوبان الأنهار الجليدية وتهديد التزلج الصيفي.
Loading image...
أعلنت زيرمات، التي تطل على جبل ماترهورن، عن تعليق نادر لعمليات التزلج في الأول من أغسطس هذا الصيف، بسبب الظروف الصعبة الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة. تصوير ستيف كريستو/كوربيس/غيتي إيمدجيس

أرقام تُترجم الأزمة

التراجع الملحوظ في منتجعات التزلّج ليس سوى انعكاسٍ لعمليّة جيولوجية تتسارع بشكلٍ مقلق. منذ عام 1850، فقدت أنهار الجليد الألبية ما بين 30 و40% من مساحتها السطحية، ونحو نصف حجمها الإجمالي. وبين عامَي 2000 و2023 وحدهما، فقدت أنهار الجليد في وسط أوروبا نحو 39% من كتلتها الجليدية، وفق دراسة نشرتها مجلة Nature.

في سويسرا تحديداً التي تضمّ نحو 1,400 نهرٍ جليدي فقدت الأنهار الجليدية ما يعادل ربع حجمها الإجمالي خلال العقد الماضي فقط. وفي عام 2025، سجّلت هذه الأنهار خسارةً في الحجم بلغت 3%، لتكون رابع أكبر خسارة سنوية مسجّلة في التاريخ. وقد وقع ما يُعرف بـ"يوم خسارة الجليد" وهو اليوم الذي تنضب فيه احتياطيات الثلج الشتوية كلياً في 29 يونيو 2023، أي ثاني أبكر موعدٍ يُسجَّل على الإطلاق.

نهر Tignes الجليدي يخسر وحده ما بين 3 و4 أمتار من سماكة الجليد سنوياً. وقال Colin بحسرة: "نعلم أنّه سيختفي خلال 10 إلى 15 سنة. إنّه أمرٌ عسير جداً أن تشهد ذلك."

عالم الأنهار الجليدية Matthias Huss، الذي يتابع هذه التحوّلات عن كثب عبر حساباته العلمية، يُشير إلى أنّ ما يحدث ليس استثنائياً في حدّته، بل في توقيته: "ليس استثنائياً تماماً. ما يُقلق هو التوقيت. هذا يجب أن يحدث قبل شهرٍ أو شهرين من الموسم."

جبال الألب مع تراجع الأنهار الجليدية وظهور الصخور العارية، مما يعكس تأثير تغير المناخ على التزلج الصيفي في أوروبا.
Loading image...
فقدت الأنهار الجليدية البالغ عددها 1400 في سويسرا 3% من حجمها الإجمالي في عام 2025. جيان إيرينزيلر/وكالة حماية البيئة/شترستوك

ماذا بعد الجليد؟

المشهد الراهن يدفع المنتجعات إلى إعادة رسم خرائطها الموسمية. في Tignes، يتوقّع Colin أن ينتقل التزلّج الصيفي تدريجياً نحو نهاية موسم الشتاء: "اليوم نضمن الافتتاح في 20 نوفمبر، لكنّ ذلك قد يصبح أصعب في السنوات القادمة... التزلّج الصيفي سيتمركز أكثر في مايو ويونيو، ولن يكون في يوليو وأغسطس بعد الآن." وفي Les 2 Alpes، بات التزلّج على نهر Mont de Lans الجليدي متاحاً للعموم حتى نهاية مايو فقط، وللرياضيين المحترفين حتى مطلع يوليو، بعد أن كان يمتدّ تاريخياً حتى أواخر أغسطس. كذلك اضطرّ منتجع Hintertux النمساوي إلى تقليص موسمه الصيفي مع جدولة فترات توقّف مقصودة.

غير أنّ الصورة ليست قاتمةً بالكامل. يرى Colin أنّ الارتفاع الشاهق لمنتجعات كTignes وVal d'Isère يمنحها هامشاً من الأمان على المدى البعيد: "لدينا دراسات تُظهر أنّه خلال الـ 50 أو 80 أو 100 سنة القادمة، سيكون لدينا تساقط للثلوج وفترات بردٍ تكفي لإنتاج الثلج الاصطناعي... نعلم أنّ لدينا مستقبلاً للتزلّج حتى لو أصبح الجليد أكثر صعوبة." ومع ذلك، يرى في الأزمة الراهنة رسالةً أشمل: "ربّما يمكننا مساعدة الناس على رؤية ما سيحدث إذا استمررنا على هذا النهج في الاحترار العالمي."

أمّا Simon Wells، فيختار أن يُعلّق آماله على الجبل نفسه: "نحن بحاجة إلى درجات حرارة منخفضة ومستمرّة، وإلى بعض الثلج." في المقابل، تُشير البيانات إلى أنّ فصل الربيع بات يوفّر أفضل ظروف التزلّج في كثيرٍ من المواقع الألبية، مع تحوّل ملحوظ نحو مارس وأبريل بدلاً من يناير. المعادلة تتبدّل، والجليد لا ينتظر.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يسحب الماء يدوياً من بئر عميق في كابل مع خلفية جبلية، يعكس أزمة ندرة المياه الجوفية في أفغانستان.

مدينة تواجه أزمة المياه: النهاية قد تكون قريبة أقرب مما يتوقّع السكان

تعاني كابل من أزمة مياه حادة تهدد ملايين السكان بسبب انخفاض المياه الجوفية والجفاف المستمر. اكتشف كيف تؤثر هذه الأزمة على الحياة اليومية في المدينة وكن جزءًا من الحل. اقرأ المزيد الآن!
مناخ
Loading...
باحثان يجريان دراسة ميدانية في منطقة حرائق غابات يلوستون، تظهر الأرض محترقة وجذوع أشجار متفحمة مع ضعف تجدد الأشجار بسبب الحرائق الشديدة.

حرائق الغابات الأمريكية تُعيد تشكيل المناظر الطبيعية.. ونقطة اللاعودة تقترب

تشهد غابات أمريكا تحوّلاً جذرياً بعد حرائق أشد حرارةً وأسرع انتشاراً، حيث تحل الشجيرات محل الأشجار القديمة. اكتشف كيف تؤثر هذه الظاهرة على المناخ ومستقبل الغابات. تابع القراءة لتعرف المزيد.
مناخ
Loading...
خريطة توضح مواقع العواصف المدارية والإعصارات النادرة في المحيط الأطلسي خلال موسم 2026 مع تأثير ظاهرة النينيو على نشاط الأعاصير.

النينيو يُوقف الأعاصير: هل يستمرّ الهدوء الأطلسي؟

شهد المحيط الأطلسي في سبتمبر الحالي ظاهرة نادرة بعدم تسجيل أي إعصار، نتيجة تأثير النينيو وقصّ الرياح القوي، ما قد يجعل موسم 2026 الأكثر استثنائية منذ 76 عاماً. اكتشف التفاصيل وكيف يؤثر ذلك على المناخ.
مناخ
Loading...
بطاريق تقف على جليد متصدع في القطب الجنوبي، مما يعكس تأثيرات الاحترار العالمي وذوبان الجليد القطبي على النظم البيئية البحرية.

العلماء يحذّرون من تحوّلاتٍ عميقة تجتاح محيطات الأرض

تشهد المحيطات ارتفاعاً قياسياً في امتصاص الحرارة مع تسارع ظاهرة النينيو، ما يهدد النظم البيئية ويدفع مستويات البحار للارتفاع. اكتشف كيف تؤثر هذه التغيرات على كوكبنا وكن جزءاً من الحل.
مناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية