رحلة طائرة إيرباص A380 بين المجد والتقاعد المبكر
تبدأ قصة تراجع طائرة Airbus A380 مع قرار Qantas بسحب أسطولها بينما تظل Emirates تستثمر في مستقبلها بفخامة لا مثيل لها. تعرف كيف تغيرت معايير السفر الفاخر ولماذا أصبحت A380 حكراً على الإمارات فقط عبر خَبَرَيْن.

في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة، كان مجرّد رؤية Airbus A380 يشقّ الهواء كافياً لأن يتوقّف المسافرون في صالات المطارات ويرفعوا هواتفهم. طابقان كاملان، ودشّات على ارتفاع أربعين ألف قدم، وأجنحة خاصة تضاهي غرف الفنادق كانت هذه الطائرة حلماً مجنّحاً صنعته شركات الطيران الخليجية وتبنّته العالم. اليوم، يبدأ ذلك الحلم يتلاشى بهدوء، وقرار شركة Qantas الأسترالية بسحب أسطولها من هذه الطائرة العملاقة قبل موعده بأربع سنوات ليس سوى أحدث فصل في قصّة تراجعٍ باتت واضحة المعالم.
هل أخطأ Airbus في حسابات السوق؟
أعلنت Qantas في أغسطس 2023 أنّها ستسحب طائراتها العشر من طراز A380 اعتباراً من عام 2028، أي بأربع سنوات أبكر ممّا كان مقرّراً. الرقم وحده يكفي لفهم الصورة: من أكثر من 230 طائرة كانت تجوب السماوات في أواخر العقد الماضي، لم يتبقَّ في الخدمة حالياً سوى 171 طائرة. أوقفت Airbus الإنتاج نهائياً عام 2021 بعد أن خذلتها الطلبيات، وكانت Emirates قد استلمت آخر طائرة A380 تخرج من خطوط التجميع.
يصفها Henry Harteveldt، المحلّل في صناعة السفر ورئيس مجموعة Atmosphere Research Group، بعبارةٍ لا تخلو من مرارة: «A380 هي معجزة تكنولوجية، لكنّها خيبة أمل تجارية لـ Airbus». ويضيف في سياقٍ أشمل: «شركات الطيران اليوم تطير لتحقيق الربح، لا لتحقيق المكانة. لا يهمّها امتلاك طائرة من أجل الهيبة إن لم تكن ستحقّق مستوى الربحية المتوقّع».
أمّا Cam Wallace، الرئيس التنفيذي لـ Qantas International and Freight، فيُبرّر القرار بمنطقٍ عملي صارم: «إنّها طائرة خرجت من الإنتاج منذ عام 2021. نواجه اليوم تحدّيات في سلسلة التوريد، ونعلم أنّ هناك قيوداً محتملة في المستقبل».
وعلى الرغم من هذا المنطق الاقتصادي البارد، يبقى لـ A380 محبّوه. Sebastian Barney، المقيم في ملبورن والمسافر المتكرّر مع Qantas، يقول ببساطة: «إنّها طائرتي المفضّلة. تشعر فيها بمساحةٍ أكبر وركوبٍ أكثر سلاسة».
Emirates: الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة
في مشهدٍ يبدو مفارقاً لمسار التراجع العام، تقف Emirates وحدها في الاتجاه المعاكس. تمتلك شركة الطيران الإماراتية 101 طائرة A380 في الخدمة الفعلية، فضلاً عن 15 أخرى في التخزين، ما يجعلها المشغّل الأكبر لهذا الطراز في العالم بفارقٍ شاسع. وبينما تتسارع وتيرة التقاعد لدى الشركات الأخرى، تتحدّث Emirates عن خططٍ لتشغيل أسطولها من هذه الطائرات حتى مطلع الأربعينيات من هذا القرن.
Tim Clark، رئيس Emirates، لا يُخفي ثقته في مستقبل الطائرة: «تعتزم Emirates تشغيل A380 حتى مطلع الأربعينيات، ولهذا نستثمر المليارات في تجديد طائراتنا الحالية بأحدث تصاميم المقصورات وتقنيات مثل Starlink». ويُضيف: «تحظى A380 التابعة لـ Emirates بجاذبية قوية لدى العملاء، وقيمة علامة تجارية أيقونية، وطاقة استيعابية لا مثيل لها في دعم النمو المتواصل في الطلب».
هذا الالتزام الإماراتي يجعل مآل الطائرة شبه محسوم في نظر المحلّلين. George Dimitroff، المسؤول العالمي عن تقييمات الطائرات في شركة Cirium للتحليلات الجوية، يرى أنّ «شركات الطيران التي تمتلك أساطيل صغيرة من A380 ستسحبها من الخدمة، لا سيّما مع تحوّل الصناعة بأسرها نحو السفر الفاخر»، ويُجزم: «إنّها ستصبح في نهاية المطاف طائرةً حكراً على Emirates».
ويُرجَّح أن يتحقّق هذا السيناريو بين أوائل العقد الثالث ومنتصفه من هذا القرن، حين تنسحب الشركات الأخرى تباعاً من المشهد.
بين الفخامة الكبيرة والفخامة المركّزة
ما الذي تغيّر في ذوق المسافر الفاخر؟ الإجابة تكمن في الأرقام والمقاعد. Qantas تستعدّ لاستقبال طائرات Airbus A350-1000 الجديدة، التي ستحمل نسبةً أعلى من مقاعد الدرجات المتميّزة مقارنةً بـ A380. المعادلة تحوّلت: بدلاً من طائرةٍ عملاقة تتّسع لأكثر من 500 مسافر مع طابقين كاملين ومرافق فندقية، تتجه الصناعة نحو طائرات أصغر لكنّها تُركّز الرفاهية في مقصورات مصغّرة متميّزة.
يلخّص Harteveldt هذا التحوّل: «مع توافر طائرات أحدث وأكثر كفاءةً في استهلاك الوقود وأبعد مدىً، تدرك شركات الطيران أنّ الأقلّ أحياناً يعني الأكثر».
في المقابل، لا تزال شركات كـ Lufthansa الألمانية، التي تمتلك 8 طائرات A380 وتعتزم تشغيلها حتى عمقٍ في الثلاثينيات مع تحديث مقصوراتها، وAll Nippon Airways وBritish Airways وSingapore Airlines، غير متسرّعة في اتّخاذ قرارات التقاعد. وقد أسهمت تأخيرات تسليم طائرات جديدة كـ Boeing 777X في إطالة عمر A380 الخدمي لدى بعض هذه الشركات.
لكنّ المسار العام لا يقبل الجدل. الطائرة التي وُلدت في عصر الطموح الخليجي الكبير، حين كانت Emirates وقطر وEtihad تُعيد رسم خريطة الطيران الفاخر، باتت تُودَّع بهدوء من قِبَل معظم من أحبّوها. يبقى السؤال المفتوح: حين تُحلّق A380 في رحلتها الأخيرة مع Qantas عام 2028، ثمّ تتساقط الأساطيل الأخرى في السنوات التالية هل ستكون Emirates وحدها كافيةً لحمل إرث هذه الطائرة الاستثنائية حتى الأربعينيات، أم أنّ الجيل القادم من المسافرين سيتساءل يوماً عن تلك العملاقة التي كانت تحمل دشّاً في السماء؟
أخبار ذات صلة

جزيرة مكتظّة بالحياة تحتضن كنوزاً أثرية لا تُقدّر بثمن

استئناف الرحلات التجارية من مطار طهران الرئيسي وسط حذرٍ شديد

سائح يلقى مصرعه بعد عضة ثعبان في عرض سياحي بمصر
