زوكربيرغ وترامب قصة تحوّل النفوذ والسياسة
مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب يعيدان بناء علاقتهما المتوترة عبر تحالف استراتيجي يؤثر على سياسة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. قصة تحوّل غير متوقعة بين قطبين في عالم السياسة والتكنولوجيا فقط على خَبَرَيْن.

في قاعة الشرق بالبيت الأبيض، الأسبوع الماضي، جلس مارك زوكربيرغ إلى يمين جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، الذي كان بدوره يجلس إلى جانب دونالد ترامب. لم يكن الترتيب عفوياً: فالرجل الذي حظره ترامب لسنوات من الحديث معه بات اليوم يحتل موقعاً مركزياً في اجتماعٍ يحدّد ملامح سياسة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. وقّع الحاضرون، ومن بينهم رؤساء تنفيذيون لكبرى شركات التكنولوجيا، وثيقةً صاغها زوكربيرغ نفسه تقترح رقابةً ذاتية من القطاع وإدارةً لمخاطر السلامة الجسيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مع تعديلات على الصياغة أُدخلت في اللحظات الأخيرة من الاجتماع. حتى النسخة التي نشرها ترامب على منصّته لم تخلُ من خطأ مطبعي في كتابة اسم "الولايات المتحدة". وصف زوكربيرغ الاتفاق بأنه "تاريخي"، مضيفاً: "لا أعتقد أن شيئاً كهذا سبق أن حدث".
المشهد، بما يحمله من رمزية، لا يُفهم إلا في ضوء مسارٍ طويل ومضطرب جمع الرجلين.
من الحظر إلى "ZUCKERBUCKS": كيف انهارت العلاقة ثم أُعيد بناؤها؟
في 6 يناير 2021، وغداة هجوم أنصار ترامب على مبنى الكابيتول، بادر زوكربيرغ إلى حظر ترامب مؤقتاً من منصّتي فيسبوك وإنستغرام، بعد مخاوف من تصاعد العنف. لم يغفر ترامب تلك الخطوة؛ فقد اتهم زوكربيرغ لاحقاً بالتآمر ضده، وهدّده بـ"السجن المؤبّد". وفي يوليو 2024، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، كتب ترامب على منصّته Truth Social تحذيراً موجّهاً لمن أسماهم "مزوّري الانتخابات"، متوعداً إياهم بالسجن لفتراتٍ طويلة، ثم خصّ زوكربيرغ بتحذيرٍ مباشر: "نعرف بالفعل من تكون. لا تفعل ذلك! ZUCKERBUCKS، كن حذراً!".
بعد أيامٍ قليلة من ذلك المنشور، نجا ترامب من محاولة اغتيال في مدينة بَتلر بولاية بنسلفانيا. وبعد أسبوعٍ من تلك الحادثة، امتنع زوكربيرغ عن تأييد أي مرشّحٍ رئاسي، لكنه أشاد علناً بردّ فعل ترامب على إصابته، قائلاً إن "رؤية دونالد ترامب ينهض بعد أن أُصيب في وجهه ويرفع قبضته في الهواء إلى جانب العلم الأمريكي هو من أكثر الأشياء جرأةً التي رأيتها في حياتي". بعد أسابيع، صرّح ترامب بأنه بات يحبّ زوكربيرغ "أكثر بكثير الآن"، في إشارةٍ مبكرة إلى ذوبان الجليد بينهما.
هذا التحوّل لم يكن الأول من نوعه في مسيرة زوكربيرغ السياسية. ففي مطلع عقد 2010، كانت علاقته ودّيةً مع باراك أوباما وغيره من رموز وادي السيليكون الليبرالي، قبل أن يتعرّض لانتقاداتٍ من مشرّعين في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء، بسبب المشكلات المتكرّرة على منصّات شركته.
مار-ا-لاغو، 25 مليون دولار، وتغيير الحرس القديم
بعد فوز ترامب بإعادة انتخابه، لم يكتفِ زوكربيرغ بالمصالحة الرمزية. فقد زار منتجع مار-ا-لاغو في فلوريدا بعد أسابيع قليلة من الفوز، وتبرّعت شركة Meta بمبلغ مليون دولار لحفل التنصيب، ما منح زوكربيرغ مكاناً بارزاً على منصّة الشرف إلى جانب رؤساء تنفيذيين آخرين من وادي السيليكون، الذين سارعوا هم أيضاً إلى دعم الرئيس المنتخب. كما كانت Meta من أوائل الجهات الممّولة لمشروع قاعة احتفالات البيت الأبيض الذي يسعى ترامب إلى إنجازه.
وفي العام الماضي، وافقت الشركة على دفع نحو 25 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية رفعها ترامب بشأن تعليق حسابه على منصّاتها، خُصّص معظم المبلغ لتمويل مكتبته الرئاسية المستقبلية. وفي يونيو، شاهد زوكربيرغ مباراة لمنظمة UFC برفقة ترامب على حديقة البيت الأبيض، في مشهدٍ يختزل حجم التقارب الجديد.
لم يتوقف الأمر عند الإيماءات الرمزية. ففي عام 2025، عيّن زوكربيرغ الجمهوري جويل كابلان مبعوثاً رئيسياً لشركة Meta في واشنطن، خلفاً لنيك كليغ، السياسي البريطاني من يسار الوسط الذي كان يشغل منصب رئيس الشؤون العالمية في الشركة. كما تراجعت Meta عن سياسات ضبط المحتوى التي كان المحافظون يتّهمونها بالتسبّب في فرض رقابةٍ على الأصوات اليمينية. ولاحقاً، استعان زوكربيرغ بدينا باول مكورميك، المسؤولة السابقة في إدارة ترامب الأولى التي شغلت منصب نائب مستشار الأمن القومي، لتتولّى منصب رئيسة Meta. وباول مكورميك، المتزوجة من السيناتور الجمهوري عن بنسلفانيا ديف مكورميك، ظلّت على تواصلٍ وثيق مع ترامب ومستشاريه، وأثّرت وفق مصادر مطّلعة في النقاش الدائر حول سياسة الذكاء الاصطناعي.
تصف الاستشارية التقنية كاتي هارباث، التي عملت مديرةً للسياسات العامة في Meta، هذا المسار بأنه كان ضرورياً لاستعادة زوكربيرغ نفوذه. تقول: "أدرك مارك أن إيلون ماسك اتخذ قراراً عالي المخاطر وعالي العائد بدعم ترامب قبل الانتخابات، ورأى مقدار النفوذ الذي حصل عليه في الإدارة". وتضيف: "أدرك أنه إن أراد الحصول على القدر نفسه من النفوذ لصالح الشركة، كان عليه أن يجد طريقةً لإصلاح العلاقات وما رأيناه في اجتماع البيت الأبيض بشأن الذكاء الاصطناعي هو إشارةٌ واضحة إلى أنه، في الوقت الراهن، حقّق ذلك".
حين يتحوّل النفوذ إلى سياسة: تفادي الكونغرس وتشكيل قواعد اللعبة
أثمر هذا الاستثمار السياسي في لحظاتٍ حاسمة. فقد تدخّل البيت الأبيض في وقتٍ سابقٍ من هذا العام ليساعد زوكربيرغ على تجنّب الإدلاء بشهادته أمام جلسة استماعٍ كانت مقرّرة في مجلس الشيوخ. وفي وقتٍ لاحقٍ من الصيف، تدخّل البيت الأبيض مجدداً عندما أعلنت لجنة القضاء في مجلس الشيوخ عزمها استدعاء رؤساء شركات تقنية لمناقشة سلامة القاصرين على الإنترنت؛ إذ عمد رئيس اللجنة السيناتور تشاك غراسلي، وفق شخصَين مطّلعَين على الأمر، إلى تحويل الشهادة المقترحة من زوكربيرغ إلى آدم موسيري، رئيس إنستغرام. وقد تأجّلت جلسة الاستماع تلك مراراً، ولم يُحدّد لها موعدٌ حتى لحظة نشر هذا التقرير.
وفي الصيف ذاته، نصح زوكربيرغ ترامب شخصياً بمعارضة اقتراحٍ تقدّم به ديميس هاسابيس، قائد الذكاء الاصطناعي في Google، لإنشاء هيئةٍ تنظيمية مستقلّة للذكاء الاصطناعي، ونجح في المساهمة بإحباط ذلك المقترح المدعوم من منافسين. وفي الشهر الماضي، جلس زوكربيرغ إلى جانب رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت على شرف الوفد الصيني، وتطرّق الحديث بينهما إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي والاجتماع المرتقب في البيت الأبيض الأسبوع التالي.
في تلك الأثناء، كان زوكربيرغ يصوغ الاتفاق الأمني للذكاء الاصطناعي بمدخلاتٍ من جنسن هوانغ، الذي نصحه بكيفية جعل الاتفاق مقبولاً لدى بقية القطاع. وقال برندان دانييلز، الرئيس التنفيذي لشركة Exiger المتخصّصة في إدارة المخاطر والامتثال، إن النقاش دار حول "اتفاقٍ يتيح لنا تطبيق معايير، وتطبيق حوكمة، ثم جعل أطرافٍ ثالثة تتحقق منها وتراها". ويصف مطّلعون على العلاقات بين الطرفين الأمر بقولهم: "رسائل زوكربيرغ ورسائل جنسن حول معتقداتهما أقرب ببساطة إلى الموقع الذي يريد ترامب أن يكون فيه". ورغم ذلك، يشدّد مصادر مطّلعة على أن الاتفاق، رغم طابعه الرمزي الملزم أخلاقياً، لا يحمل قوةً قانونية أو تنظيمية تُذكر. ويعارض كلٌّ من زوكربيرغ وهوانغ أي تباطؤٍ في وتيرة تطوير النماذج على مستوى القطاع، في وقتٍ تتصاعد فيه مخاوف تتعلّق بسلامة "عملاء" الذكاء الاصطناعي (AI Agents)، بعد تقارير عن خروج بعضها عن السيطرة واختراقه أنظمة شركاتٍ أخرى.
وقال مسؤولٌ في البيت الأبيض إن الاتفاق سيعمل على "النهوض بالابتكار الأمريكي وتعزيز التطوير المسؤول"، مضيفاً أن الإدارة "عملت عن كثب مع جميع الشركاء في القطاع، بمن فيهم Meta، لتحقيق التوازن بين الابتكار والأمن في صياغة سياسات التفوّق الفائق للذكاء الاصطناعي". ورفضت Meta التعليق على هذا التقرير.
ويبدو أن ترامب نفسه راضٍ عن مقاربة زوكربيرغ، إذ قال حين سُئل عن الاتفاق إن موقف زوكربيرغ "كان متوازناً فعلاً، في منتصف الطريق تماماً". وتعليقاً على قرار زوكربيرغ تحويل الشهادة إلى موسيري، قال ترامب: "قلت لنفسي، كيف خطرت له هذه الفكرة؟ كانت خطوةً جيدة، إنه ذكيٌّ جداً".
أثمانٌ سياسية: الرقابة القضائية وقلق الحلفاء
غير أن هذا النفوذ المتنامي لا يخلو من مخاطر. فقد خسرت Meta قضيتَين أمام القضاء، وتوصّلت إلى تسويةٍ تاريخية بشأن ادّعاءاتٍ بأن منصّاتها صُمّمت عمداً لتكون ضارّةً وإدمانية، خصوصاً في ما يتعلّق بسلامة القاصرين. وفي الشهر الماضي، أطلقت السيناتورة إليزابيث وارن تحقيقاً وقّع عليه خمسة سيناتورات ديمقراطيين آخرين، يتناول كيفية استفادة شركات التكنولوجيا من السياسات الجمهورية، وطالبت فيه برسالةٍ موجّهة إلى زوكربيرغ بتفاصيل تبرّعات Meta لجماعاتٍ جمهورية ومشاريع مرتبطة بترامب. كتبت وارن: "أنفقت شركتكم بسخاءٍ للبقاء على الجانب الجيد من الرئيس ترامب، ويبدو أنكم تجنون الآن ثمار استثماركم".
حتى داخل معسكر ترامب نفسه، لا يحظى هذا التقارب بإجماع. فقد وصف أحد حلفاء ترامب القدامى تحوّل زوكربيرغ السياسي بأنه انتهازي، قائلاً: "لم أكن لأسمح له بالدخول أبداً"، مضيفاً بامتعاضٍ: "لا أفهم الأمر على الإطلاق. لا معنى له بالنسبة لي". ويرى هذا الحليف أن نفوذ رؤساء شركات التكنولوجيا يضرّ بالإدارة لدى قاعدة ترامب الشعبوية. ويصف مصدرٌ مطّلعٌ آخر على ديناميكيات العلاقة زوكربيرغ بأنه "بارعٌ جداً في أن يكون حرباءً سياسياً، إنه ناجٍ من حيث علاقاته في واشنطن".
وإلى حين تتغيّر موازين الكونغرس...
تبقى قاعة الشرق، بترتيب مقاعدها الرمزي بين زوكربيرغ وهوانغ وترامب، صورةً لحظيةٍ في علاقةٍ ظلّت متقلّبة طوال نصف عقد. قال زوكربيرغ في ختام الاجتماع إن الاتفاق يمكن أن يبني "ثقةً بأن التكنولوجيا تعمل بالطريقة التي نقصدها"، مضيفاً: "الفكرة ليست أن هذا هو الشيء الوحيد الذي سنفعله على الإطلاق، بل أنه بدايةٌ واتفاقٌ يمكن لكل القطاع أن يصل إليه. وقد كنت فخوراً جداً بإجراء هذا النقاش". لكن هذا النفوذ، المبني على علاقاتٍ شخصية وتسوياتٍ مالية أكثر من كونه مكفولاً بقانون، قد لا يصمد إن استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس في نوفمبر أو على البيت الأبيض في عام 2028 — وهو احتمالٌ قد يعيد فتح ملفّ Meta أمام رقابةٍ أشدّ صرامة، تماماً كما فتحته وارن وزملاؤها قبل أسابيع قليلة.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية

الحكومة الإسبانية تستعد للانتخابات وسط احتجاجاتٍ متصاعدة على أزمة الإسكان
