أسرار الغبار السام وتأثيره القاتل على الناجين
بعد سنوات على سقوط برجي التجارة العالمي غبار سام تسبب بأمراض قاتلة تفوق عدد ضحايا الانهيار. نصف الناجين يعانون من السرطان وأورام نادرة والآثار الصحية مستمرة. اكتشف الحقيقة كاملة عبر خَبَرَيْن.

بعد خمسة وعشرين عاماً على سقوط برجَي مركز التجارة العالمي، لم يعد عدد قتلى ذلك اليوم يُقاس بمن ماتوا تحت الأنقاض فحسب. الأمراض البيئية التي خلّفها الغبار السام الذي غمر مانهاتن السفلى تسبّبت، حتى الآن، بعدد وفيات يتجاوز عدد من قضوا في انهيار البرجين نفسه. والأخطر أنّ وثائق كُشف عنها الأسبوع الماضي تُظهر أنّ المسؤولين الأمريكيين قلّلوا من خطورة التلوّث الداخلي في المباني، وأصدروا تصريحات مطمئنة لم تكن مستندة إلى علمٍ راسخ كما وُصفت وقتها.
غبارٌ لم يكن كأيّ غبار
عند انهيار البرجين، تسرّب الغبار السام إلى المباني المحيطة عبر النوافذ المكسورة وفتحات دخول الهواء، وتراكم في المنازل والمكاتب والمدارس لأسابيع وشهور. لم يكن هذا الغبار مادةً حضريةً عادية، بحسب الدكتور ريتشارد بلتيير، أستاذ علوم الصحة البيئية في جامعة ماساتشوستس في أمهرست: «الانهيار طحن الخرسانة وألواح الجبس وألياف الزجاج والسجاد والمواد الكيميائية المخزَّنة ومواد بناء أخرى. أضافت الحرائق والدمار معادن وأسبستوس ومزيجاً معقّداً من نواتج الاحتراق والمركّبات الكيميائية العضوية. عملياً، سُحقت آلاف الأطنان من مواد لم يكن مقصوداً استنشاقها قط، وأُحرقت وتحوّلت إلى جزيئاتٍ محمولة جوّاً وترسّبت في منطقةٍ حضرية مكتظّة بالسكان».
وبحسب تقديرات مركز السيطرة على الأمراض (CDC)، تعرّض ما يصل إلى 400 ألف شخص لهذا الغبار من رجال الإطفاء والمسعفين إلى السكان والطلاب والعمّال وموظّفي المكاتب. ومن بين المواد التي احتوتها السحابة السامة: مواد بناء مطحونة، ونواتج ثانوية لوقود الطائرات، والكادميوم والرصاص والزئبق، إضافة إلى مئات الأطنان من الأسبستوس التي استُخدمت في عزل أحد البرجين وحده من الحرائق.
نصف الناجين المسجَّلين مصابون الآن بالسرطان
منذ إطلاق برنامج World Trade Center Health Program في عام 2012، تأهّل نحو 54 ألف ناجٍ للحصول على مساعدةٍ مالية طبّية. الرقم اللافت اليوم هو أنّ نصف هؤلاء تقريباً مصابون بالسرطان وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد التشخيصات المسجّلة قبل خمس سنوات فقط. هذا الارتفاع الحادّ في زمنٍ قصيرٍ نسبياً يستدعي الحذر في القراءة: فهو رصدٌ لتسجيلاتٍ متزايدة داخل برنامجٍ محدَّد، وليس بالضرورة دليلاً مباشراً على أنّ معدّل الإصابة الفعلي تضاعف بهذه السرعة، لكنه يعكس، في الحدّ الأدنى، تراكماً واضحاً للعبء المرضي بين من كانوا في محيط الموقع.
ويقول الدكتور ألان أرسلان، اختصاصي علم الأوبئة السرطانية في NYU Langone Medical Center: «هذه واحدة من أكبر الكوارث التي صنعها الإنسان في تاريخ الولايات المتحدة، وهي أيضاً كارثة تتميّز بتعرّضٍ معقّد للغاية لعددٍ كبير من المواد المسرطنة المحتملة، بما فيها الأسبستوس».
من بين هذه السرطانات، تلفت أورامٌ نادرة تُعرف بـ«السرطانات الجرَسية» (sentinel cancers) الانتباه بشكلٍ خاص، وأبرزها الميزوثيليوما (mesothelioma) سرطان الغشاء المحيط بالأعضاء كالرئتين والبطن الذي يبدو أكثر انتشاراً بين الناجين مقارنةً بما هو متوقّع. سجّل البرنامج 38 حالة ميزوثيليوما بين نحو 155 ألف مسجَّل، وهو معدّل يبدو أعلى بنحو ثلاث مرّات من معدّله في عامّة السكان، بحسب بيانات مركز السيطرة على الأمراض للإحصاءات السرطانية. ومن المعروف أنّ التعرّض المهني الشديد للأسبستوس يُسبّب الميزوثيليوما لدى ما يقارب واحداً من كلّ 8 إلى 13 شخصاً، إذ تتغلغل ألياف هذه المادة في الأنسجة وتسبّب التهاباً مزمناً قد يستمرّ لعقود قبل أن يتحوّل إلى ورم.
وتقول الدكتورة جاكلين مولين، مديرة برنامج World Trade Center Health Program في Northwell Health، إنّ «المعدّلات لن تفعل سوى الارتفاع»، مضيفةً: «هذا سيكون نذيراً» لما هو آتٍ. ويتفق معها الدكتور راجا فلوريس، رئيس قسم جراحة الصدر في Mount Sinai Health System، الذي يرى أنّ ما نشهده الآن ليس إلا البداية: «أعتقد أنّ ما نراه الآن هو في الحقيقة البداية. فترة الكمون بالنسبة للميزوثيليوما يمكن أن تمتدّ من 25 إلى 50 عاماً»، ويصفها بأنّها «سرطانٌ خطر للغاية لأنّه عملياً حكمٌ بالموت على أغلب المصابين».
وتشير الدكتورة لي ويلسون، مديرة World Trade Center Environmental Center، إلى مشكلةٍ عملية تحدّ من استفادة كثيرين: «من المفهوم جيداً أنّ المستجيبين الأوائل مؤهّلون للاستفادة من هذا البرنامج، لكن كثيراً من الناجين لا يدركون أنّهم مؤهّلون هم أيضاً». ويستقبل مركزها وحده نحو 120 مريضاً جديداً شهرياً، وفي عامي 2024 و2025 تجاوزت أعداد الناجين المسجَّلين أعداد المستجيبين الأوائل بمعدّل الضعف تقريباً إشارة إلى أنّ دائرة المتضررين أوسع بكثير مما كان يُفترض.
حالة واحدة تروي قصة ربع قرن من الانتظار
يوضّح مسار أحد الناجين، الذي كان في الثالثة والعشرين من عمره وقت الهجمات ويسكن على مسافة أمتارٍ قليلة من الموقع، حجم التحدّي الطبّي. تعرّض الرجل لسحابة الغبار مباشرةً، وترك شقّته لأسبوعٍ واحد بعد الهجمات، لكنّه عاد ليجد الغبار متراكماً على كلّ الأسطح، ولم يستعن بخدمة تنظيفٍ متخصّصة على الإطلاق. بقي الغبار في شقّته لأكثر من شهر، وكان يرى جزيئاتٍ محمولة في الهواء يومياً لأشهر عدّة. لم يكن الرجل مدخّناً ولا يعاني زيادة في الوزن تفصيلٌ يستبعد جزئياً عوامل خطرٍ شائعة أخرى.
في عام 2012، بدأ يشعر بألمٍ في البطن وانتفاخ. استمرّت الأعراض دون تشخيصٍ دقيق حتى عام 2016، حين اكتشف الأطبّاء أوراماً خلال عمليةٍ كانت مخطَّطة أصلاً لعلاج فتق مشتبَه به. جاء التشخيص النهائي: ميزوثيليوما الجدار البطني، في عمر 38 عاماً أي بعد 15 عاماً كاملة من التعرّض الأصلي. تطلّب علاجه جراحة استئصالٍ عدوانية للورم، مع جلسات علاجٍ كيميائي مُسخَّن داخل التجويف البطني. ظهرت حالته ضمن أربع حالات وصفتها دراسة نُشرت عام 2024، وكان لا يزال على قيد الحياة عند نشر التقرير، بينما توفّي اثنان من المرضى الأربعة الآخرين متأثّرين بالمرض نفسه. هذه دراسة حالاتٍ محدودة العدد، لا تجربة سريرية موسّعة، لكنها تتّسق مع الصورة الأوسع التي يرسمها سجلّ البرنامج الصحّي.
ماذا كانت الوكالة الأمريكية لحماية البيئة تعرف؟
الجزء الأكثر إثارةً للجدل في هذه القصة لا يتعلّق بالعلم الطبّي، بل بما عرفته الجهات الرسمية ومتى عرفته. فبعد أسبوعٍ واحد فقط من الهجمات، أصدرت كريستين ويتمان، رئيسة وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) في ذلك الوقت، تصريحاً طمأنَ سكّان نيويورك وواشنطن: «بالنظر إلى حجم المأساة الأسبوع الماضي، يسرّني أن أطمئن سكّان نيويورك وواشنطن العاصمة أنّ هواءهم صالحٌ للتنفّس ومياههم صالحة للشرب».
لكن وثائق نُشرت الأسبوع الماضي عبر موقع مدينة نيويورك الرسمي بعد دعويين قضائيتين قدّمتهما مجموعة 9/11 Health Watch بموجب قانون حرية المعلومات تكشف صورةً مختلفة. في ديسمبر 2001، وضعت العالمة كايت جنكينز في EPA نموذجاً لتقدير مخاطر الميزوثيليوما لدى سكّان قريبين من البرجين، افترض تعرّضاً أوّلياً لسحابة الغبار ثم مغادرةً مؤقتة وتنظيفاً ذاتياً للمنزل. قدّر النموذج خطر الإصابة بالميزوثيليوما بنسبة 1 إلى 100 أي نحو مئة مرّة أعلى من الحدّ المقبول للخطر السرطاني البيئي عند الوكالة نفسها. وإذا استمرّت الإقامة في المنطقة لمدّة 15 عاماً، يرتفع الخطر المُقدَّر إلى 1 إلى 10 أي ألف مرّة أعلى من ذلك الحدّ.
بالتوازي، ركّزت الوكالة اختباراتها على الهواء الخارجي أكثر من الداخلي، مع أنّ الملوّثات تتركّز وتُحتجَز داخل المباني بمستوياتٍ أعلى غالباً من الخارج. واستخدمت معايير أسبستوس لم تكن قائمة على أساسٍ صحّي، وطريقة فحصٍ مجهرية بصرية ترصد فقط الألياف الأكبر حجماً، بينما تستطيع المجاهر الإلكترونية النافذة (transmission electron microscopy) التي استُخدمت لاحقاً رصد الألياف الأصغر التي بقيت غير مكتشفة.
وحين موّلت لجنة Ground Zero Elected Officials Task Force اختباراتٍ مستقلّة للأسبستوس في مبنيَين سكنيّين قريبين، وجد المتعاقدون مستوياتٍ «مرتفعة بشكلٍ ملحوظ» أي تسعة أضعاف عدد الألياف التي رصدتها EPA. أوصى خبراء بتنظيفٍ متخصّص للأسبستوس قبل عودة السكّان إلى شقّقهم، لكنّ مسؤولي نيويورك اقترحوا بدلاً من ذلك ممسحة رطبة وخِرقاً مبلّلة ومكانس HEPA. وأظهر استطلاعٌ ميداني لإدارة الصحة في مدينة نيويورك، بالانتقال من منزلٍ إلى منزل، أنّ كثيراً من المنازل لم تكن تستخدم حتى هذه الوسائل المتواضعة، فيما يمكن لعمليات المسح والتنظيف العادية، وحتى الغبار المنقول على الأحذية، أن تُعيد تحويل التلوّث المتراكم إلى جزيئاتٍ محمولة في الهواء من جديد.
بين "قلنا ذلك بحسن نية" ومساءلة متأخّرة
اعترفت ويتمان لاحقاً بمسؤوليةٍ جزئية، قائلة في مقابلة: «أنا حزينة جداً أنّ الناس مرضى. أنا حزينة جداً أنّ الناس يموتون، وإذا كانت EPA وأنا ساهمنا في ذلك بأيّ شكل، فأنا آسفة. لقد فعلنا أفضل ما استطعنا في ذلك الوقت بالمعرفة التي كانت متوفّرة لدينا».
لكن كيمبرلي فلين، مديرة منظمة 9/11 Environmental Action وهي نفسها من الناجين، ترى أنّ التصريحات لم تكن مجرّد خطأٍ في الحكم بل تجاوزاً للحقيقة العلمية المتاحة وقتها: «قالت EPA إنّ الأمر آمن مرّاتٍ كثيرة جداً، وقالت إنّ ذلك التصريح بالأمان مستندٌ إلى العلم، وهذا لم يكن صحيحاً»، مضيفةً بشكلٍ قاطع: «الأسبستوس غير آمن بأيّ كمّية».
أمّا ليندا راينستاين، رئيسة ومؤسِّسة Asbestos Disease Awareness Association، فتضع المسؤولية في سياقٍ أكثر حدّة: «عاد الناس إلى منازلهم لمواجهة السمّ، بينما نظرت الحكومة التي كان يُفترض أن تحميهم إلى جهةٍ أخرى».
ماذا يعني هذا لفهمنا للحادثة نفسها؟
يرى الدكتور بلتيير أنّ هذه المعطيات تفرض إعادة نظرٍ في الطريقة التي نروي بها قصة الحادي عشر من سبتمبر بأكملها: «أعتقد أنّ هذا يُغيّر الطريقة التي ينبغي أن نفكّر بها في الحادي عشر من سبتمبر. الوفيات الناتجة عن كارثة مركز التجارة العالمي لم تتوقّف عند سقوط المبنَيَين. العواقب الصحّية استمرّت تتراكم لمدّة 25 عاماً».
هذا التصريح ليس استنتاجاً نهائياً بقدر ما هو دعوة لإعادة تصنيف الحدث في الذاكرة الجماعية: من حادثة نقطية وقعت في يومٍ واحد، إلى أزمة صحّية عامة ممتدّة، ما زالت بحسب فترات الكمون المعروفة للميزوثيليوما التي قد تصل إلى نصف قرن في طور الكشف عن كامل حجمها الحقيقي. من يعتقد أنّه كان مقيماً أو عاملاً أو طالباً في محيط الموقع خلال تلك الفترة، ويلاحظ أعراضاً غير مبرَّرة، يستحسن أن يستفسر عن أهليته للانضمام إلى World Trade Center Health Program، فيما يبقى أيّ تقييمٍ فردي للأعراض والخطر الصحّي الشخصي شأناً يخصّ الطبيب المعالج وحده.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
