كيف تغير رفع الأثقال جسد المرأة وقوتها الحقيقية
تغير مفهوم اللياقة النسائية مع انتشار رفع الأثقال بين النساء لتقوية أجسادهن وحماية صحتهن بعيداً عن معايير النحافة القديمة لكن مع تحديات جديدة حول قبول التغيير الجسدي ورفض معيار القوة كنحافة جديدة خَبَرَيْن

-تلاحظ كثيرات ممن بدأن حديثاً برفع الأثقال أمراً غير متوقّع: حمالة الصدر باتت أضيق، والقميص المعتاد يلتصق أكثر بالذراعين. هذا التغيّر ليس إشارة إنذار، بل نتيجة طبيعية لنمو العضلات، كما تشرح Keri Harvey، المدرّبة الشخصية المعتمدة والشريكة المؤسِّسة لـForm Fitness Brooklyn في نيويورك: "أحبّ أن أذكّر الناس بأنّ العضلات تحتاج إلى مساحة... كلّما قويت عضلات الظهر الجانبية (اللاتس) قد يعني ذلك أننا نحتاج إلى مقاس أكبر من حمالة الصدر، أو كلّما قويت عضلة الذراع الأمامية قد يصبح القميص الذي كنّا نتوقّع أن يكون فضفاضاً أكثر ضيقاً قليلاً". وتضيف أنّ على المرأة أن "تتقبّل فكرة أنّ جسدها سيتغيّر مع ازدياد قوّته، لكنّه قد لا يتغيّر بالشكل الذي تتوقّعه، وهذا ليس أمراً سيّئاً. الأمر صعب لأنّ كثيرات منّا تربّين على فكرة أنّ علينا أن نكون صغيرات الحجم".
هذا التحوّل في فهم الجسد ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس سؤالاً أوسع يشغل متخصّصات الصحة النسائية اليوم: كيف يمكن للمرأة أن تمارس رفع الأثقال لتحصد فوائده الصحية الحقيقية، دون أن تقع في فخّ معيار جسدي جديد لا يقلّ تقييداً عن هوس النحافة القديم؟
من المحظور إلى الضرورة: كيف تبدّلت نصائح اللياقة للنساء؟
تتذكّر Oona Hanson، الكاتبة والمرشدة الأسرية المتخصّصة في ثقافة الحمية واضطرابات الأكل، جيلاً كاملاً من النساء الأمريكيات نشأ على رسائل من طراز "مؤخرة من حديد"، حيث كانت اللياقة النسائية تُختزل في الشكل الجمالي لا القوة الوظيفية. وتوضح أنّ النساء كُنّ يُثنَين تحديداً عن تمارين المقاومة خشية أن "يصبحن ضخمات الحجم"، فسيطرت تمارين الكارديو على عالم اللياقة النسائية لعقودٍ طويلة.
هذا النمط القديم بدأ يتصدّع تدريجياً. تقول Liz Bucar، أستاذة الدراسات الدينية في جامعة Northeastern University في بوسطن ومؤلّفة كتاب "Beyond Wellness"، إنّها كانت تنظر إلى اللياقة سابقاً من زاوية الكارديو والرغبة في أن تصبح "أصغر حجماً دائماً". أمّا اليوم، فهي تمارس رفع الأثقال بإشراف مدرّب، وتصف ما حدث لجيلها بعبارة لاذعة: "يُقال لنا جميعاً الآن: آه، للأسف، كلّ تلك النصائح القديمة كانت سيّئة"، مستذكرةً المفارقة القاسية التي عاشتها كثيرات: "عظامك تتفتّت لأنّك لم تحصلي على دورتك الشهرية لأنّك كنتِ فقط على جهاز المشي الدرجي لساعاتٍ طويلة كلّ يوم".
لماذا يستحق الوزن الذي ترفعينه كل هذا الاهتمام؟
الوعي المتزايد بفوائد بناء العضلات، لا سيّما في منتصف العمر، هو ما دفع مزيداً من النساء إلى حمل الأثقال. تدريبات القوة، بحسب مصادر طبية مثل Harvard Health، قد تساعد في حماية كثافة العظام والصحة العامة مع التقدّم في العمر وهي فائدة ذات وزن خاص في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث حين تتسارع خسارة الكتلة العظمية. ومن النماذج اللافتة التي تداولتها في مقطع فيديو مدّته 2:56 دقيقة، قصة رافعة أثقال كانت تواجه صعوبة في صعود الدرج وهي في الخامسة والستين من عمرها، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى واحدة من أبرز رافعات الأثقال في فئة كبار السن.
بالنسبة لـ Bucar، فإنّ الانتقال من حساب السعرات الحرارية إلى قياس التقدّم بوزن الأثقال كان خطوة "أكثر حماية لصحتنا"، كما تقول، وتراه أيضاً فعلاً "يتحدّى معايير الجمال التقليدية". وتضيف بنبرة أقرب إلى الفخر: "أحبّ فكرة أننا نُنشئ جيلاً كاملاً من الجدّات اللواتي قد لا يُجدن الحياكة أو الخبز، لكنّهنّ أوّل من يستطعن في سلالتنا أن يرفعن أزواجهنّ فوق رؤوسهنّ".
أمّا Mikala Jamison، الصحافية المتخصّصة في اللياقة البدنية وكاتبة نشرة Body Type ومؤلّفة كتاب "The Forever Project" المرتقب صدوره، فتروي تجربة شخصية أعمق: "بالنسبة لكثيرات منّا، كانت الرياضة شيئاً سامّاً جداً فيما يتعلّق بأجسادنا وعقليتنا، ومتشابكة مع ثقافة الحمية الغذائية"، وتعتبر أنّ تدريبات القوة كانت عنصراً مهماً في تعافيها من اضطراب الأكل. وتصف أثرها الأوسع بقولها: "الاعتناء بنفسك من خلال اللياقة البدنية يبدو أمراً جيداً بلا جدال. إنه يعني أنّ النساء يأخذن حيّزهنّ".
هل "القوة" تتحوّل إلى معيار جسدي جديد؟
غير أنّ Jamison نفسها تطلق إشارة تحذير. تقول إنّ عبارة "القوة هي النحافة الجديدة" ينبغي أن تكون بمثابة "إشارة إنذار" بالنسبة لشخص مثلها: "يبدو الأمر رائعاً جداً، لكنّني أعتقد أنّه معقّد جداً أيضاً"، لأنّ الصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما تقرن القوة بالنحافة في آنٍ واحد: "الأمر كلّه يتعلّق بأن تكوني قوية ونحيفة معاً. إنه ببساطة معيار جسدي آخر قد يكون مؤذياً جداً".
وتقرّ Jamison بأنّ عدد النساء اللواتي يمارسن تدريبات القوة في أمريكا أكبر من أي وقت مضى، وأنّ "فوائد ذلك لا يمكن المبالغة في تقديرها"، لكنّها تلاحظ أنّ "واجهة هذه الرسالة غالباً ما تكون نساءً ما زلن، موضوعياً، صغيرات الحجم، لكن مع عضلات إضافية بارزة بوضوح".
هذه الملاحظة تتقاطع مع ما تراه Harvey في صالتها الرياضية: فالنساء ذوات الأجسام الأكبر حجماً وهنّ يرفعن الأثقال ما زلن غير ممثَّلات بما يكفي في الصورة العامة للياقة. تقول: "ترين أشخاصاً في أجساد صغيرة لديهم عضلات، وهم أقوياء، وهذا أمر مذهل"، لكنها تضيف: "وفي الوقت نفسه هناك أشخاص في أجساد أكبر أقوياء أيضاً، وأجسادهم فيها سيلوليت، وفيها دهون أيضاً. قد لا تشبه ما تَرينه على إنستغرام أو على غلاف مجلة، لكنها تبقى جسداً قوياً".
وتذهب Megan Hellner، أخصائية التغذية المسجّلة والمؤسِّسة المشاركة لبرنامج AthleatMD الذي يُعنى بعلاج الرياضيين المصابين بحالة نقص الطاقة النسبي في الرياضة (RED-S) واضطرابات الأكل إلى تسمية الظاهرة بوضوح: "يبدو الأمر وكأننا نستبدل معياراً جسدياً ضيقاً جداً بآخر"، وتصف الصورة المطلوبة اليوم بـ"الجمالية الرياضية". وتختصر Jamison المفارقة بقولها: "أحياناً يبدو الأمر وكأننا نعيد خلط الأوراق باستمرار حول الشكل المطلوب، لكننا نسمّيه أسماء مختلفة طوال الوقت. حسناً، الأمر يتعلّق بالقوة، لكن هل هو كذلك فعلاً؟ أم أنّ الأمر يتعلّق فقط بأن تكوني نحيفة جداً جداً؟".
متى تتحوّل تمارين القوة إلى هاجس؟
الضغط لرفع أوزان أثقل باستمرار، ومتابعة مبدأ التحميل التدريجي (Progressive Overload) أي زيادة الوزن المرفوع تدريجياً إلى جانب حساب غرامات البروتين بدقة، قد يدفع بعض النساء إلى هاجسٍ غذائي ورياضي غير صحي. وتحذّر Hanson من أنّ عالم اللياقة البدنية قد يخلق معياراً جمالياً طموحاً آخر لا يقلّ إرهاقاً عن سابقه، وقد ينتقل الهوس من رقم الميزان إلى رقم الوزن المرفوع على البار.
تضع Hellner علامات إنذار واضحة يجب الانتباه إليها: "تجاهل همسات الجسد قبل أن تتحوّل إلى صرخات. إذا كان هناك ألم أو إصابة، ولم يُصغِ الشخص إلى جسده ويمنحه الراحة، فتلك إشارة حمراء، أو إذا شعر الشخص بضيق كبير حين لا يستطيع التدريب على القوة في يوم معيّن". وتتفق Harvey معها في أنّ الجسد يحتاج إلى الراحة بقدر حاجته إلى التدريب: "جسدك يحتاج إلى الراحة بقدر ما يحتاج إلى تدريب القوة. لا نريد أن نُرهق العضلات باستمرار"، موضحة أنّ العضلات تحتاج إلى وقت "لتتعلّم نمطاً حركياً، ولتعتاد على حمل معيّن، ثم يمكننا الانتقال إلى مرحلة أخرى"، وإلّا فإنّ عدم الراحة الكافي قد "يهدم الجسد فحسب" بدلاً من بنائه.
كيف تحافظين على التوازن وأنتِ ترفعين الأثقال؟
النقطة الأهم التي يجمع عليها الخبراء: بناء العضلات والحفاظ عليها يتطلّبان طاقة غذائية. تقول Hellner إنّ هذا النوع من التمرين "يتطلّب على الأقل مدخلاً من الطاقة. العضلات نسيج مكلف جداً من الناحية الحرارية لبنائه والحفاظ عليه". وتوافقها Harvey بأنّ "القوة وبناء العضلات يتطلّبان أن نأكل. علينا أن نغذّي العضلات، وبالتالي فإنّ كثيراً من فئات الأطعمة التي شُيطنت في صيحاتٍ غذائية أخرى هي أشياء نحتاجها فعلاً لبناء العضلات".
وتنصح Harvey بإبقاء الهدف واضحاً وبسيطاً: "هدفنا الأساسي يجب أن يكون الشعور بالقوة الكافية لنعيش حياتنا"، محذّرة من أنّ الانشغال الدائم بفكرة "أننا لا نفعل ما يكفي" يسلب متعة رفع الأثقال. أمّا Hellner فتقترح إعادة تعريف العلاقة بالطعام بوصفه وسيلة لدعم وظائف الحياة كافة: "عمليات الحياة الأساسية، وإنتاج الهرمونات، ووظائف الأعضاء، وجميع أنشطة الحياة اليومية، بما فيها التواصل مع الناس، وبناء المجتمع، واختبار الفرح".
كلتا Harvey وJamison توصيان بأن تُصمَّم الروتينات التدريبية وفق الاحتياجات الشخصية لكل امرأة، إذ إنّ أهداف القوة اللازمة للحياة اليومية ليست بالضرورة شبيهة بالتحضير لمنافسات رفع الأثقال الاحترافية.
تختم Harvey بنبرة متفائلة حول ما تراه في صالتها الرياضية اليوم: "من المشجّع جداً أن أدخل إلى الصالة الرياضية، وفي قسم الأثقال الحرة، لا أكون المرأة الوحيدة هناك"، وتأمل أن يستمر هذا الحضور النسائي حتى بعد تغيّر موضة اللياقة الحالية: "هذا أمر رائع ومثير حقاً، وأنا متفائلة بأن يستمر، وألّا يكون شيئاً يتلاشى حين تتغيّر الصيحة، لأنها ستتغيّر. هذا ما يحدث دائماً".
وتضع Jamison الخلاصة التي تلخّص جوهر النقاش كلّه: "لا أعتقد أنّ الطريقة الوحيدة التي ينبغي أن تُقدَّر بها اللياقة البدنية أو تُستحسَن هي أن تُفضي إلى جسد نحيل وعضلي بوضوح"، مضيفة: "لا ينبغي أن تكون تلك هي الصورة الوحيدة للصحة أو القوة أو اللياقة". بين الرغبة المشروعة في جسدٍ أقوى وصحة عظام أفضل مع التقدّم في العمر، وبين الوقوع في فخّ معيار جمالي جديد، يبقى الخط الفاصل هو الإصغاء إلى الجسد نفسه لا إلى الصورة التي يفرضها عليه أحد. ومن تشعر بأنّ علاقتها بالطعام أو التمرين بدأت تخرج عن السيطرة، فإنّ جهاتٍ متخصّصة مثل National Alliance for Eating Disorders تقدّم موارد وإحالات مجانية، علماً أنّ أي قلق صحي فردي، جسدياً كان أم نفسياً، يستدعي استشارة طبيب أو أخصائي مختص قبل اتخاذ أي قرار تدريبي أو غذائي جذري.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
