معركة التصويت في أمريكا وأسرار نظام التحقق الجديد
امرأة أمريكية تواجه إلغاء حقها في التصويت بسبب خلل في نظام فيدرالي للتحقق من الجنسية في تكساس. المحكمة العليا تسمح بإعادة استخدام النظام وسط جدل حول حقوق الناخبين والتأثير على الانتخابات القادمة خَبَرَيْن

في مدينة من ولاية تكساس، وجدت امرأة وُلدت في الأرجنتين وحصلت على الجنسية الأمريكية بالتجنّس نفسها فجأة ضمن قائمة "الأشخاص المشتبه في عدم أهليتهم للتصويت". لم يكن الأمر نتيجة تزويرٍ ارتكبته، بل خللاً في نظامٍ فيدرالي لم يتعرّف على وضعها القانوني. سارعت المرأة إلى إرسال نسخة ممسوحة ضوئياً من جواز سفرها الأمريكي، فاحتفظت بحقّها في التصويت. لكنّ قصّتها ليست استثناءً معزولاً، بل نافذة على معركةٍ قانونية وسياسية أوسع بكثير، أعادت المحكمة العليا الأمريكية إشعالها يوم الجمعة، قبل أقل من شهرين من انتخابات التجديد النصفي.
القرار الصادر عن المحكمة العليا يسمح للولايات باستئناف استخدام نظام "SAVE" اختصاراً لعبارة "التحقّق المنهجي من وضع الأجانب لأغراض الاستحقاقات" (Systematic Alien Verification for Entitlements) في مراجعة سجلّات الناخبين بحثاً عن أشخاص قد لا يحملون الجنسية الأمريكية. والمفارقة أنّ التصويت من قِبل غير المواطنين في الانتخابات الفيدرالية مخالفٌ للقانون أصلاً، ووصفه خبراء بأنّه نادر الحدوث إلى درجة الاستثناء، رغم ذلك تحوّل إلى قضيةٍ محرّكة لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب على مدى سنوات، من دون أن تجد إدارتاه أدلّة تُذكر تدعم مزاعمه المتكرّرة بشأن تصويتٍ واسع لغير المواطنين.
ما الذي تغيّر في نظام SAVE؟
تشرح فريدريكا شوتن، الكاتبة في الشؤون السياسية الوطنية: "إنّها أداة فيدرالية تُعرف باسم التحقّق المنهجي من وضع الأجانب لأغراض الاستحقاقات. وهي موجودة منذ عقود، واستُخدمت منذ زمنٍ طويل للتحقّق من الجنسية والوضع القانوني للمهاجرين الذين يتقدّمون بطلبات للحصول على مزايا حكومية. وكان بعض مسؤولي الانتخابات قد أبرموا اتفاقياتٍ في الماضي لاستخدام الأداة، مقابل رسم، للتحقّق من جنسية الناخبين". لكنّ إدارة ترامب، على حدّ تعبيرها، "أعادت صياغة النظام بشكلٍ جذري بدءاً من العام الماضي. وهو الآن مرتبطٌ بكمٍّ كبير من البيانات الحكومية، في إطار سعي الإدارة إلى تعقّب غير المواطنين المحتملين على قوائم الناخبين".
فقد ربطت الإدارة المعلومات الموجودة أصلاً في SAVE بمصادر بياناتٍ فيدرالية أخرى، أبرزها سجلّات إدارة الضمان الاجتماعي التي تغطّي غالبية الأمريكيين. ثم شجّعت مسؤولي الانتخابات على رفع سجلّات تسجيل الناخبين في ولاياتهم بشكلٍ جماعي، وألغت أيّ رسومٍ مقابل ذلك. وبحسب شوتن، "مرّت عشرات الملايين من السجلّات عبر النظام قبل أن يوقف قاضٍ فيدرالي استخدامه في وقتٍ سابق من هذا العام". وبقرار الجمعة، أعادت المحكمة العليا فتح الباب أمام استخدام SAVE من جديد لمراجعة قوائم الناخبين.
غير أنّ حدود هذا الاستخدام ليست واضحة تماماً. فرأي المحكمة، بحسب ما قالت شوتن: "شدّد على أنّه يمكن استخدام SAVE لإجراء تحقّقاتٍ فردية من جنسية الناخب في الانتخابات المقبلة، لكنّه أشار أيضاً إلى أنّ القانون الفيدرالي يحظر عمليات التطهير الجماعي لقوائم الناخبين قبل يوم الانتخابات بفترةٍ قصيرة". بالمقابل، تتمسّك الإدارة بحجة أنّ الحظر الفيدرالي على عمليات الحذف الجماعي خلال 90 يوماً قبل الانتخابات لا ينطبق على عمليات حذف غير المواطنين المسجَّلين بشكلٍ غير سليم أصلاً. وستحسم المحكمة العليا هذه المسألة في قضيةٍ خلال دورتها المقبلة لكن بعد انتخابات التجديد النصفي، وليس قبلها.
مشروع قانونٍ لم يُقرّ، ومعركةٌ مستمرّة على سجلّات الناخبين
في خلفية هذا النزاع، يقف "قانون SAVE America" الذي اقتُرح في الكونغرس ولم يُقرّ حتى الآن. تصفه شوتن بأنّه "مختلف لكنّه مرتبط نوعاً ما، لأنّ كليهما يتمحور حول سؤال ما إذا كان مواطنو الولايات المتحدة وحدهم من يُدلون بأصواتهم". فالمشروع كان سيعيد تشكيل قواعد التصويت في عموم البلاد بشكلٍ جذري، إذ يفرض إبراز بطاقة هوية للتصويت، ويُلزم الناخبين بتقديم وثائق مثل شهادة ميلادٍ أو جواز سفرٍ أمريكي عند التسجيل لإثبات جنسيتهم، فضلاً عن الضغط على الولايات لاستخدام نظام SAVE وأدوات بياناتٍ مشابهة في عمليات تطهير السجلّات.
لكنّ منتقدي المشروع يرون أنّ كثيراً من الناخبين الشرعيين لا يملكون وصولاً سهلاً إلى هذه الوثائق، وأنّ المقترح كان سيحرم عدداً كبيراً من الأمريكيين من حقّهم في التصويت. وتضيف شوتن أنّ الخبراء يؤكدون أنّ تصويت غير المواطنين في الانتخابات الفيدرالية، وهو أمرٌ مخالف للقانون أصلاً، "نادر الحدوث إلى حدٍّ بعيد"، رغم أنّه "أصبح قضيةً محرّكة بالنسبة للرئيس".
تكساس نموذجاً: كيف تتراجع الأرقام حين يبدأ التحقّق؟
أوضح مثال على هشاشة بيانات SAVE جاء من تكساس، حيث شغّل مسؤولو الولاية أسماء ناخبيها البالغ عددهم 18 مليون اسم عبر النظام العام الماضي، وأعلنوا أنّ التدقيق كشف عن 2,724 شخصاً يُشتبه في عدم حملهم الجنسية الأمريكية، وطلبوا من المقاطعات منح هؤلاء الناخبين 30 يوماً لإثبات جنسيتهم قبل حذفهم من السجلّات. لكنّ هذه الأرقام بدأت تتراجع بمجرّد أن تعمّق المسؤولون المحليون في التحقيق، جزئياً لأنّ النظام، كما تقول شوتن، "لا يبدو أنّه يتتبّع بشكلٍ صحيح المواطنين المتجنّسين" وهو ما عاشته سيدة الأرجنتين الأصل التي أشرنا إليها في مطلع هذا التقرير.
وفي وقتٍ سابق من هذا الشهر، أعلنت السلطات في تكساس أنّ مئات الأشخاص الذين وُضعوا على قائمة الاشتباه العام الماضي هم في الواقع مواطنون أمريكيون مؤهّلون للتصويت، ودعت المسؤولين المحليين إلى إعادة تسجيلهم إن كانوا قد حُذفوا فعلاً من القوائم.
هذا الجدل حول موثوقية SAVE لا ينفصل عن معركةٍ موازية تخوضها وزارة العدل الأمريكية. فبحسب شوتن، "بالإضافة إلى تشجيع الولايات على استخدام SAVE لإجراء مراجعاتها الخاصة لقوائم ناخبيها، كانت وزارة العدل في حملةٍ للحصول على القوائم الكاملة وغير المُنقّحة لناخبي كلّ ولاية، بما في ذلك معلومات شخصية عن الناخبين مثل تواريخ الميلاد الكاملة وأجزاء من أرقام الضمان الاجتماعي، لإجراء تحقّقها الخاص من مدى امتثال الولايات للقانون الفيدرالي". وحين رفضت بعض الولايات، رفعت الوزارة دعاوى قضائية ضدّها لكنّها خسرت، بحسب شوتن، "جميع القضايا الـ25 التي أصدر فيها القضاة أحكامهم حتى الآن".
ومع ذلك، واصلت الوكالات الفيدرالية جهودها للعثور على غير المواطنين المحتملين على قوائم الناخبين، بما في ذلك عبر استخدام قوائم ناخبين متاحة للعموم. وقد كشفت شكوى من مُبلِّغ داخلي، نشرها عددٌ من الديمقراطيين في الكونغرس، عن أنّ عملاء في وزارة الأمن الداخلي، المكلّفين بملاحقة الغش الانتخابي، "يُبقَون في الظلام بشأن مصادر بعض البيانات المستخدمة في مراجعاتهم". أمّا القضية التي بتّت فيها المحكمة العليا يوم الجمعة، فتتعلّق تحديداً بقدرة الإدارة على إتاحة نظام SAVE للولايات التي ترغب طوعاً في استخدامه لصيانة قوائم ناخبيها.
دوائر انتخابية معلّقة في ميزوري
لا ينفصل هذا الملف عن سياقٍ انتخابي أوسع يشهد تحوّلات متسارعة. فتغييرات طرأت على تطبيق قانون حقوق التصويت هذا العام كثّفت معارك إعادة رسم الخرائط الانتخابية للكونغرس، وستستمر تداعياتها في السنوات المقبلة. في ولاية ميزوري، ما زال الناخبون يفتقرون إلى يقينٍ بشأن حدود دوائرهم الانتخابية لشهر نوفمبر المقبل، رغم أنّ بطاقات الاقتراع كانت قد طُبعت وأُرسلت بالبريد فعلاً، في وقتٍ لا تزال فيه دعاوى قضائية بشأن هذه الدوائر معلّقة. والمحكمة العليا، من جهتها، سمحت بإعادة رسم خرائط الكونغرس لتحقيق مكاسب حزبية، كما أرجأت البتّ في تحدٍّ أوسع تطرحه إدارة ترامب بشأن التصويت البريدي إلى الانتخابات المقبلة.
كلّ هذه الخيوط SAVE، وقانونٌ لم يُقرّ، ودعاوى خسرتها وزارة العدل، وخرائط انتخابية معلّقة تتقاطع عند سؤالٍ واحد: من يملك القدرة على تحديد من يحقّ له التصويت، وبأيّ بيانات؟ وفي انتظار أن تحسم المحكمة العليا نزاع مهلة الـ90 يوماً في دورتها المقبلة، بعد فوات أوان التجديد النصفي، يبقى النصح الأكثر عملية موجّهاً إلى الناخب الفرد لا إلى المؤسسات. تقول شوتن: "إذا كنتم قلقين بشأن هذه المسألة أو أيّ مسألة تصويتٍ أخرى، يمكنكم دائماً التحقّق من حالة تسجيلكم لدى مكتب الانتخابات المحلّي. هناك متّسعٌ من الوقت قبل الانتخابات العامة لإصلاح أيّ مشكلة".
بالنسبة إلى تلك السيدة في تكساس، انتهت قصّتها بجواز سفرٍ أعاد إليها اسمها على القائمة. لكنّ أمريكيين آخرين، لا نعرف أسماءهم بعد، قد يجدون أنفسهم أمام النموذج نفسه في الأسابيع المقبلة بين نظامٍ يبحث عن استثناءٍ نادر، وناخبين حقيقيين قد يدفعون ثمن خطئه.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
