الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط بين التحدي والتغيير
خمسون ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط بين دعم بحري وتصعيد إيراني مستمر. نقاشات سرية داخل البنتاغون حول تقليص الوجود العسكري في ظل توتر استراتيجي وتكاليف باهظة. هل يلوح انسحاب جديد؟ خَبَرَيْن يكشف التفاصيل.

نحو خمسين ألف جندي أمريكي منتشرون اليوم في منطقة الشرق الأوسط، تدعمهم حاملتا طائرات وأكثر من اثنتي عشرة مدمّرة موجّهة بالصواريخ — هذا هو الوجه الراهن للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. غير أنّ ما يجري خلف أبواب البنتاغون والأجهزة الاستخباراتية يشير إلى أنّ هذا المشهد قد يكون على أعتاب تحوّلٍ جوهري، إذ تدور نقاشاتٌ غير رسمية بين المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين حول تقليص الأفراد والمنشآت في المنطقة، وذلك في حال أفضت إدارة الرئيس Donald Trump إلى إنهاء الصراع مع إيران.
عقودٌ من التمدّد... ودروسٌ لم تُستوعَب
لا يمكن فهم هذه النقاشات بمعزلٍ عن التاريخ. ففي عام 1998، كان الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يقتصر على نحو 27,000 جندي نظامي. ثمّ جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتُعيد رسم الخريطة بالكامل؛ تضاعفت الأعداد، وتوسّعت القواعد، وتحوّلت وكالة CIA من مؤسّسةٍ بنت هويّتها في مواجهة السوفييت إلى جهازٍ ضخم لمكافحة الإرهاب، يضمّ ضبّاطاً شبه عسكريين مدرَّبين على مهامّ ميدانية في أكثر من ساحة.
بلغت الأعداد ذروتها باحتلال العراق عام 2003، حين وصل عدد القوّات الأمريكية إلى ما يُقدَّر بـ 250,000 جندي. وبين عامَي 2007 و 2011، لم تنزل الأعداد في أيّ لحظةٍ عن حاجز المئة ألف. ثمّ جاء إعلان الرئيس Barack Obama بالانسحاب التدريجي من أفغانستان والعراق، لتستقرّ الأعداد بعد عام 2011 في نطاقٍ يتراوح بين 30,000 و 60,000 جندي — وهو النطاق الذي تتحرّك فيه القوّات حتى اليوم.
السيناريو المتكرّر في كلّ مرحلةٍ هو ذاته: وعودٌ بالانسحاب، ثمّ أزمةٌ تسحب واشنطن إلى الداخل من جديد — سواء كانت صعود تنظيم داعش أو التصعيد الإيراني أو غيره. والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه الجولة ستختلف عن سابقاتها.
الضربات الإيرانية وفاتورةٌ بلا سقف
الصراع مع إيران لم يكن نظرياً. فقد شنّت طهران هجماتٍ على قواعد أمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت والأردن والإمارات، وكان من أبرز نتائجها تدمير منشأة CIA في الرياض. وقد قتل في هذا الصراع 18 عسكرياً أمريكياً حتى الآن، فيما لا يزال الجيش الأمريكي يواصل عملياته بما فيها مرافقة السفن عبر مضيق هرمز وضرب البنية التحتية الإيرانية.
في هذا السياق، كشف مراقب البنتاغون المالي Jules "Jay" Hurst III أنّه لا يوجد حتى الآن تقديرٌ نهائي لتكلفة إصلاح القواعد المتضرّرة. وتشير المعطيات إلى أنّ المسؤولين يدرسون خيار عدم إعادة بناء بعض المنشآت التي لحق بها الضرر الشديد، وذلك بسبب الكلفة الباهظة. وقد أفصح الأدميرال Daryl Caudle، رئيس العمليات البحرية، عن الموقف بصراحةٍ حين قال: «لن نعود إلى هناك في أيّ وقتٍ قريب»، في إشارةٍ إلى البحرين.
وتجدر الإشارة إلى أنّ كثيراً من القواعد الأمريكية في المنطقة بُنيت أصلاً وموّلتها الدول المضيفة، ما يُضيف بُعداً سياسياً وديبلوماسياً إلى أيّ قرارٍ بالتقليص أو الانسحاب.
على الصعيد الآخر، يدرس الجيش الأمريكي نقل بعض المنشآت إلى ما تحت الأرض لحمايتها من هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة. وهو خيارٌ يكشف بحدّ ذاته أنّ الهشاشة الهيكلية للوجود الأمريكي باتت موضع اعترافٍ رسمي، وإن جاء متأخّراً. وفي هذا الإطار، قال مسؤولٌ أمريكي بصراحةٍ نادرة: «كانت نقاط الضعف معروفةً دائماً، لكنّ الولايات المتحدة لم تتعامل معها بالإلحاح الكافي».
نقاشاتٌ غير رسمية في ظلّ رئيسٍ غير متوقّع
ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو أنّ النقاشات الدائرة لم تنبثق عن مراجعةٍ رسمية لهيكل القوّات، ولم يصدر بشأنها أيّ توجيهٍ رسمي. إنّها نقاشاتٌ غير رسمية تجري في دوائر العسكريين والاستخباراتيين، وتتشكّل جزئياً استجابةً للطابع غير المتوقّع الذي يُميّز توجّهات الرئيس Trump.
وتعكس هذه النقاشات توتّراً استراتيجياً حقيقياً: فإدارة Trump تُصنّف الصين باعتبارها التهديد الأكبر للولايات المتحدة، بينما تجد نفسها غارقةً في صراعٍ مفتوح في الشرق الأوسط. وقد حذّر كبار القادة العسكريين الأمريكيين الرئيسَ Trump من أنّ خيارات التصعيد العسكري ضدّ إيران يرجَّح ألّا تُفضي إلى نتائج حاسمة، فيما تبقى الاستراتيجية الراهنة قائمةً على الضغط الاقتصادي لإضعاف طهران — دون أفقٍ زمني واضح لتحقيق نتائج ملموسة.
ويزيد المشهدَ تعقيداً أنّ القيادة الإيرانية يُعتقد أنّها مستعدّةٌ لتحمّل ضائقةٍ اقتصادية مطوّلة، ما يجعل الرهان على الاستنزاف ورقةَ ضغطٍ ذات حدَّين.
في هذا الغموض، يطرح مسؤولٌ أمريكي سؤالاً يلخّص حجم الارتباك الاستراتيجي السائد: «هل ثمّة مهمّةٌ ضمنية؟ هل هناك شيءٌ قادمٌ في الأفق يستدعي أن نكون مستعدّين، أم أنّنا ننتشر في المقدّمة احتياطاً فحسب؟».
إلى أين تتّجه الاستراتيجية الأمريكية؟
يريد كبار مسؤولي البنتاغون تقليص الوجود العسكري في عدد من دول الخليج، ونقل عبء الدفاع إلى الشركاء الإقليميين. وهذا التوجّه ليس جديداً في خطابه، لكنّه يصطدم في كلّ مرّة بواقع الميدان وتشابك المصالح.
في غضون ذلك، أعادت وكالة CIA نشر ضبّاطها الذين سُحبوا من المنطقة في ذروة المواجهات، في مؤشّرٍ على أنّ التقليص ليس وشيكاً على الأقلّ في المدى المنظور. وتواصل القوّات الأمريكية عملياتها الميدانية، بما فيها مرافقة السفن في مضيق هرمز وشنّ ضرباتٍ على البنية التحتية الإيرانية، فيما تتواصل الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة.
المفارقة الصارخة هي أنّ الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلةٍ مألوفة: الرغبة في التقليص من جهة، والاستمرار في الانخراط العملياتي من جهةٍ أخرى. وما بين هاتَين الجهتَين يقع المسؤولون الأمريكيون في منطقةٍ رماديّة تُغذّيها ضغوطُ الميزانية، وحسابات الشركاء الإقليميين، وسؤالٌ لم يجد إجابةً بعد: هل انتهى الصراع مع إيران فعلاً، أم أنّ هذه مجرّد هدنةٍ مؤقّتة قبل جولةٍ جديدة؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت هذه النقاشات ستتحوّل إلى قرارات، أم ستبقى حبيسة الغرف المغلقة كما حدث مرّاتٍ كثيرة من قبل.
أخبار ذات صلة

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين
