خَبَرَيْن logo

الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط بين التحدي والتغيير

خمسون ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط بين دعم بحري وتصعيد إيراني مستمر. نقاشات سرية داخل البنتاغون حول تقليص الوجود العسكري في ظل توتر استراتيجي وتكاليف باهظة. هل يلوح انسحاب جديد؟ خَبَرَيْن يكشف التفاصيل.

جندي أمريكي يحيي نعش مغطى بعلم الولايات المتحدة داخل حاوية نقل، في سياق التوترات والصراع العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
وصلت رفاة الملازم الأول في الجيش تايلر فيهان والرقيب مايكل إيمانويل سوينتون إلى قاعدة دوفير الجوية في 22 يوليو خلال مراسم نقل مهيبة لضحايا الحرب مع إيران. كيفن ديتش/صور غيتي
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

نحو خمسين ألف جندي أمريكي منتشرون اليوم في منطقة الشرق الأوسط، تدعمهم حاملتا طائرات وأكثر من اثنتي عشرة مدمّرة موجّهة بالصواريخ — هذا هو الوجه الراهن للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. غير أنّ ما يجري خلف أبواب البنتاغون والأجهزة الاستخباراتية يشير إلى أنّ هذا المشهد قد يكون على أعتاب تحوّلٍ جوهري، إذ تدور نقاشاتٌ غير رسمية بين المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين حول تقليص الأفراد والمنشآت في المنطقة، وذلك في حال أفضت إدارة الرئيس Donald Trump إلى إنهاء الصراع مع إيران.

جنود أمريكيون يرتدون زي الصحراء ويستعدون في موقع قتالي صحراوي، يعكس الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وتوترات الصراع مع إيران.
Loading image...
جنود الجيش الأمريكي يحتمون في 27 مارس 2003 بالقرب من مدينة النجف في العراق. تصوير سكوت نيلسون/غيتي إيماجز

عقودٌ من التمدّد... ودروسٌ لم تُستوعَب

لا يمكن فهم هذه النقاشات بمعزلٍ عن التاريخ. ففي عام 1998، كان الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يقتصر على نحو 27,000 جندي نظامي. ثمّ جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتُعيد رسم الخريطة بالكامل؛ تضاعفت الأعداد، وتوسّعت القواعد، وتحوّلت وكالة CIA من مؤسّسةٍ بنت هويّتها في مواجهة السوفييت إلى جهازٍ ضخم لمكافحة الإرهاب، يضمّ ضبّاطاً شبه عسكريين مدرَّبين على مهامّ ميدانية في أكثر من ساحة.

بلغت الأعداد ذروتها باحتلال العراق عام 2003، حين وصل عدد القوّات الأمريكية إلى ما يُقدَّر بـ 250,000 جندي. وبين عامَي 2007 و 2011، لم تنزل الأعداد في أيّ لحظةٍ عن حاجز المئة ألف. ثمّ جاء إعلان الرئيس Barack Obama بالانسحاب التدريجي من أفغانستان والعراق، لتستقرّ الأعداد بعد عام 2011 في نطاقٍ يتراوح بين 30,000 و 60,000 جندي — وهو النطاق الذي تتحرّك فيه القوّات حتى اليوم.

السيناريو المتكرّر في كلّ مرحلةٍ هو ذاته: وعودٌ بالانسحاب، ثمّ أزمةٌ تسحب واشنطن إلى الداخل من جديد — سواء كانت صعود تنظيم داعش أو التصعيد الإيراني أو غيره. والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه الجولة ستختلف عن سابقاتها.

امرأتان ترتديان الحجاب يقفان قرب مركبة عسكرية أمريكية مدرعة على طريق في منطقة الشرق الأوسط، في ظل وجود عسكري أمريكي مستمر وتوترات إقليمية.
Loading image...
دورية عسكرية أمريكية تجوب منطقة في ضواحي رميلان بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها القوات الكردية، في 11 ديسمبر 2023. تصوير دليـل سليمان/وكالة فرانس برس/غيتي إيماجز

الضربات الإيرانية وفاتورةٌ بلا سقف

الصراع مع إيران لم يكن نظرياً. فقد شنّت طهران هجماتٍ على قواعد أمريكية في البحرين وقطر والسعودية والكويت والأردن والإمارات، وكان من أبرز نتائجها تدمير منشأة CIA في الرياض. وقد قتل في هذا الصراع 18 عسكرياً أمريكياً حتى الآن، فيما لا يزال الجيش الأمريكي يواصل عملياته بما فيها مرافقة السفن عبر مضيق هرمز وضرب البنية التحتية الإيرانية.

في هذا السياق، كشف مراقب البنتاغون المالي Jules "Jay" Hurst III أنّه لا يوجد حتى الآن تقديرٌ نهائي لتكلفة إصلاح القواعد المتضرّرة. وتشير المعطيات إلى أنّ المسؤولين يدرسون خيار عدم إعادة بناء بعض المنشآت التي لحق بها الضرر الشديد، وذلك بسبب الكلفة الباهظة. وقد أفصح الأدميرال Daryl Caudle، رئيس العمليات البحرية، عن الموقف بصراحةٍ حين قال: «لن نعود إلى هناك في أيّ وقتٍ قريب»، في إشارةٍ إلى البحرين.

وتجدر الإشارة إلى أنّ كثيراً من القواعد الأمريكية في المنطقة بُنيت أصلاً وموّلتها الدول المضيفة، ما يُضيف بُعداً سياسياً وديبلوماسياً إلى أيّ قرارٍ بالتقليص أو الانسحاب.

على الصعيد الآخر، يدرس الجيش الأمريكي نقل بعض المنشآت إلى ما تحت الأرض لحمايتها من هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة. وهو خيارٌ يكشف بحدّ ذاته أنّ الهشاشة الهيكلية للوجود الأمريكي باتت موضع اعترافٍ رسمي، وإن جاء متأخّراً. وفي هذا الإطار، قال مسؤولٌ أمريكي بصراحةٍ نادرة: «كانت نقاط الضعف معروفةً دائماً، لكنّ الولايات المتحدة لم تتعامل معها بالإلحاح الكافي».

دبابة أمريكية تقود قافلة عسكرية في شارع بمدينة شرق أوسطية، تعكس الوجود العسكري الأمريكي المتواصل في المنطقة وسط نقاشات حول تقليص القوات.
Loading image...
تقوم القوات الأمريكية بدوريات في حقول النفط قرب الحدود السورية الشمالية الشرقية مع تركيا في ريف القحطانية في أقصى شمال شرق محافظة الحسكة بتاريخ 3 سبتمبر 2024. تصوير دليـل سليمان/وكالة فرانس برس/غيتي إيميجز

نقاشاتٌ غير رسمية في ظلّ رئيسٍ غير متوقّع

ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو أنّ النقاشات الدائرة لم تنبثق عن مراجعةٍ رسمية لهيكل القوّات، ولم يصدر بشأنها أيّ توجيهٍ رسمي. إنّها نقاشاتٌ غير رسمية تجري في دوائر العسكريين والاستخباراتيين، وتتشكّل جزئياً استجابةً للطابع غير المتوقّع الذي يُميّز توجّهات الرئيس Trump.

وتعكس هذه النقاشات توتّراً استراتيجياً حقيقياً: فإدارة Trump تُصنّف الصين باعتبارها التهديد الأكبر للولايات المتحدة، بينما تجد نفسها غارقةً في صراعٍ مفتوح في الشرق الأوسط. وقد حذّر كبار القادة العسكريين الأمريكيين الرئيسَ Trump من أنّ خيارات التصعيد العسكري ضدّ إيران يرجَّح ألّا تُفضي إلى نتائج حاسمة، فيما تبقى الاستراتيجية الراهنة قائمةً على الضغط الاقتصادي لإضعاف طهران — دون أفقٍ زمني واضح لتحقيق نتائج ملموسة.

ويزيد المشهدَ تعقيداً أنّ القيادة الإيرانية يُعتقد أنّها مستعدّةٌ لتحمّل ضائقةٍ اقتصادية مطوّلة، ما يجعل الرهان على الاستنزاف ورقةَ ضغطٍ ذات حدَّين.

في هذا الغموض، يطرح مسؤولٌ أمريكي سؤالاً يلخّص حجم الارتباك الاستراتيجي السائد: «هل ثمّة مهمّةٌ ضمنية؟ هل هناك شيءٌ قادمٌ في الأفق يستدعي أن نكون مستعدّين، أم أنّنا ننتشر في المقدّمة احتياطاً فحسب؟».

إلى أين تتّجه الاستراتيجية الأمريكية؟

يريد كبار مسؤولي البنتاغون تقليص الوجود العسكري في عدد من دول الخليج، ونقل عبء الدفاع إلى الشركاء الإقليميين. وهذا التوجّه ليس جديداً في خطابه، لكنّه يصطدم في كلّ مرّة بواقع الميدان وتشابك المصالح.

في غضون ذلك، أعادت وكالة CIA نشر ضبّاطها الذين سُحبوا من المنطقة في ذروة المواجهات، في مؤشّرٍ على أنّ التقليص ليس وشيكاً على الأقلّ في المدى المنظور. وتواصل القوّات الأمريكية عملياتها الميدانية، بما فيها مرافقة السفن في مضيق هرمز وشنّ ضرباتٍ على البنية التحتية الإيرانية، فيما تتواصل الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة.

المفارقة الصارخة هي أنّ الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلةٍ مألوفة: الرغبة في التقليص من جهة، والاستمرار في الانخراط العملياتي من جهةٍ أخرى. وما بين هاتَين الجهتَين يقع المسؤولون الأمريكيون في منطقةٍ رماديّة تُغذّيها ضغوطُ الميزانية، وحسابات الشركاء الإقليميين، وسؤالٌ لم يجد إجابةً بعد: هل انتهى الصراع مع إيران فعلاً، أم أنّ هذه مجرّد هدنةٍ مؤقّتة قبل جولةٍ جديدة؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت هذه النقاشات ستتحوّل إلى قرارات، أم ستبقى حبيسة الغرف المغلقة كما حدث مرّاتٍ كثيرة من قبل.

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان كثيف يتصاعد من مطار الملك خالد الدولي بالرياض بعد هجوم صاروخي للحوثيين تسبب في أضرار وخسائر بشرية.

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

تصاعدت الهجمات الحوثية على مطار الملك خالد بالرياض، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيره على الأمن السعودي واستعد للمزيد من التغطية الحصرية. اقرأ الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
ناقلات نفط عالقة في مياه هادئة وسط ضباب كثيف قبالة سواحل، تعكس تأثير العقوبات الأمريكية على صادرات النفط الإيراني وحصار الملاحة البحرية.

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

تواجه صادرات النفط الإيراني أزمة حادة مع توقف الشحنات منذ سبتمبر وسط حصار أمريكي خانق، والاقتصاد ينهار بسرعة. اكتشف كيف يصمد النظام رغم العقوبات القاسية واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
مجموعة من الجنود اليمنيين على متن شاحنة عسكرية في طريق ريفي، في سياق التصعيد العسكري لاستعادة مناطق الحوثيين في اليمن.

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين

تتصاعد الحرب في اليمن مع انطلاق هجوم واسع لاستعادة مناطق الحوثيين، ما يهدد الملاحة الدولية ويزيد من معاناة الأسر جوعاً. تعرف على تفاصيل المعركة وتأثيرها الإنساني والاقتصادي في قلب الصراع اليمني المستمر. تابع المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
منظر جوي لموقع نووي إيراني في الصحراء يعكس التوترات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي ورفع العقوبات.

ترامب مستعدّ لتخفيف العقوبات على إيران مقابل تقدّم ملموس في الملفّ النووي

تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران وسط شروط أمريكية صارمة ورفض مقترحات إيرانية حول مضيق هرمز. هل تنجح الوساطة القطرية في كسر الجمود؟ تابع التفاصيل لتعرف المزيد.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية