خَبَرَيْن logo

معركة السيطرة على مضيق هرمز بين أمريكا وإيران

عبور 40 سفينة نفطية عبر مضيق هرمز تحت حماية أمريكية مكثفة يعكس تحوّل الاستراتيجية الأمريكية لتحويل المضيق من ورقة ضغط إيرانية إلى ممر تحت السيطرة واشنطن مع استمرار الضربات التي تستنزف قدرات طهران في خَبَرَيْن.

طائرة حربية أمريكية من طراز إف/إيه-18 على متن حاملة طائرات خلال عملية عسكرية في مضيق هرمز لتعزيز السيطرة الأمريكية على الممر النفطي الحيوي.
لقطة شاشة من فيديو تم الحصول عليه من وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ 1 سبتمبر، تظهر طائرة عسكرية جاهزة للإقلاع في اليوم الذي أعلن فيه القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن القوات الأمريكية نفذت ضربات على أهداف عسكرية إيرانية. القيادة المركزية الأمريكية/صورة توضيحية/رويترز

في يومٍ واحدٍ من أيام هذا الأسبوع، عبرت 40 سفينة تجارية مضيق هرمز تحمل نحو 18 مليون برميل من النفط، في أعلى حجمٍ للشحن يُسجَّل منذ اندلاع الصراع الأمريكي-الإيراني. لم تكن تلك السفن تسير وحدها؛ فقد رافقتها القوات الأمريكية في عمليةٍ عسكرية موسّعة استهدفت خلالها قرابة 60 موقعاً إيرانياً على امتداد الممر المائي الأكثر حساسيةً في العالم. ما جرى الثلاثاء ليس مجرّد مهمّة حماية روتينية؛ بل هو تجسيدٌ عملي لاستراتيجية أمريكية تسعى إلى تحويل مضيق هرمز من ورقة ضغطٍ إيرانية إلى ممرٍّ تتحكّم فيه واشنطن.

سفن تجارية عديدة تعبر مضيق هرمز وسط مراقبة عسكرية أمريكية، مع أشخاص على الشاطئ في مشهد يعكس أهمية المضيق في نقل النفط والسيطرة الاستراتيجية.
Loading image...
يقضي الناس وقتهم على شاطئ بينما ترسو سفن تجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران، يوم الأربعاء 2 سبتمبر. رزية بودات/وكالة أنباء إيران/أسوشيتد برس

من «مشروع الحرية» إلى السيطرة الميدانية

لم تكن العمليات الأمريكية في المضيق وليدة اللحظة. في مرحلةٍ سابقة من الصراع، أطلق الجيش الأمريكي ما عُرف بـ«Project Freedom»، وهي عمليةٌ لمرافقة السفن التجارية، غير أنّها أُوقفت سريعاً بعد اعتراضات حلفاء الخليج الذين رأوا فيها تصعيداً غير محسوب. لكنّ المشهد الإقليمي تبدّل؛ إذ دفعت هجمات الحوثيين المتكرّرة على الأراضي السعودية الرياض وسائر دول الخليج إلى تقديم دعمٍ أوسع للعمليات الأمريكية الراهنة، ما أعطى واشنطن هامشاً أكبر للتحرّك.

اليوم، تعمل القيادة المركزية الأمريكية (US Central Command) وفق توجيهاتٍ تضع السيطرة على المضيق وتطويق الموانئ الإيرانية على رأس سلّم الأولويات. وقد وصف المسؤولون العسكريون الأمريكيون الضربات المتواصلة بأنّها عمليةٌ لـ«جزّ العشب» — تعبيرٌ يُشير إلى استراتيجية تدهور مستمرّة تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية بصورة دورية ومنهجية، لا تحقيق ضربةٍ واحدة حاسمة.

وقد كشف الرئيس الأمريكي Donald Trump عن جانبٍ من الصورة العملياتية حين قال: «كانوا يحاولون رصد السفن. لا يستطيعون ذلك لأنّه لا يوجد رادار لديهم، فقد فجّرناه، وفجّرنا أشياء كثيرة أخرى غير رادارهم الليلة الماضية». وتشمل الأهداف التي ضربتها القوات الأمريكية مواقع الدفاع الجوي وأنظمة الرادار والأصول البحرية وقدرات زرع الألغام ومراكز الاتصالات، فضلاً عن تحييد صواريخ كروز المضادّة للسفن خلال العملية ذاتها.

الأرقام تروي قصّةً مختلفة عن «السيطرة الكاملة»

على صعيد الأرقام، يبدو المشهد لافتاً: بلغ تدفّق النفط عبر المضيق الاثنين ما يزيد على 17 مليون برميل يومياً، وهو رقمٌ قياسي في زمن الحرب، ليرتفع الثلاثاء مع مرور الـ 40 سفينة إلى 18 مليون برميل. وللمقارنة، كان التدفّق اليومي قبل الحرب يبلغ نحو 20 مليون برميل، ما يعني أنّ الحركة التجارية استعادت جزءاً كبيراً من مستوياتها السابقة. وقد ذهب وزير الطاقة Chris Wright إلى أبعد من ذلك، مدّعياً أنّ صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط عادت في أغسطس إلى مستوياتها ما قبل الحرب.

دمار واسع في مبانٍ إثر ضربات عسكرية أمريكية على مواقع إيرانية قرب مضيق هرمز ضمن استراتيجية السيطرة على الممر المائي الحيوي.
Loading image...
يفحص الناس الأضرار والحطام في مبنى قالت وسائل الإعلام الإيرانية إنه تعرض لضربة أمريكية أثناء إقامة حفل زفاف هناك، في كوهيستاك بجنوب إيران قرب مضيق هرمز، يوم الأربعاء 2 سبتمبر. مرتضى آخوندي/وكالة تسنيم للأنباء/أسوشيتد برس

بيد أنّ هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة واقعاً مريحاً على الأرض. فمعظم السفن الـ 40 التي رافقها الجيش الأمريكي أقدمت على إيقاف أجهزة تتبّع مواقعها (transponders) تفادياً للرصد، وهو إجراءٌ يكشف أنّ الخطر لم يُرفع بالكامل. كما ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة نفط عبر المضيق إلى ما يتجاوز 500,000 دولار يومياً، وتبقى تكاليف التأمين مرتفعةً منذ بداية الصراع. أمّا ناقلات الغاز الطبيعي المسال، فتسلك المضيق بحذرٍ شديد نظراً للمخاطر الكارثية التي قد تنجم عن أيّ هجوم عليها.

في هذا السياق، يبدو التشكيك في الروايات الرسمية مبرَّراً. وزير الخزانة Scott Bessent أكّد قائلاً: «هذا ليس سيطرةً إيرانية على المضيق»، في إشارةٍ إلى أنّ واشنطن تعتبر المعادلة قد تغيّرت لصالحها. غير أنّ مصادر من داخل قطاع الشحن البحري تُبدي تحفّظاً واضحاً؛ إذ قال أحد المطّلعين على المشهد الصناعي مفنّداً بعض الأرقام الرسمية: «لا أعرف أحداً يعتقد أنّ المتوسّط يبلغ هذا القدر». وذهب مصدرٌ آخر من الوسط ذاته إلى أبعد من ذلك، محذّراً: «من الإنصاف بالقول إنّ الإدارة لم تُثبت مصداقيةً كافية».

إيران والمضيق: من ورقة الضغط إلى «الأصل المتآكل»

على الصعيد الاستراتيجي، تبدو الرهانات الأمريكية واضحة المعالم: تحويل مضيق هرمز من سلاحٍ بيد طهران إلى عبءٍ عليها. يُشير مسؤولون أمريكيون إلى أنّ المضيق بات «أصلاً متآكلاً» (depreciating asset) في يد إيران، في ظلّ الضربات المتواصلة التي تستنزف قدراتها على تهديد الملاحة. وقد أفضى الحصار الأمريكي المفروض منذ يوليو إلى وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل، وهو ما يُمثّل ضغطاً اقتصادياً هائلاً على طهران.

تجدر الإشارة إلى أنّ الملف النووي الإيراني، الذي طالما احتلّ مركز الثقل في السياسة الأمريكية تجاه طهران، بات يحتلّ مرتبةً أدنى في سلّم الأولويات الراهنة. فقد أشار Trump إلى أنّ التركيز الأمريكي انتقل من البرنامج النووي نحو السيطرة على المضيق، وهو تحوّلٌ في الإطار الاستراتيجي يستحق التأمّل؛ إذ يعني أنّ واشنطن تراهن على الخنق الاقتصادي والسيطرة على الممرّات البحرية بديلاً عن مسار الضغط النووي الذي تعثّر مراراً.

وقد رُصدت بعض السفن التي عبرت المضيق ترفع أعلام دولٍ من بينها السعودية وفرنسا، وهو مؤشّرٌ على الطابع الدولي لهذه العمليات وتشعّب مصالح الأطراف المنخرطة فيها.

ما الذي ينتظر المضيق الشهر القادم؟

لا تنوي القوات الأمريكية الاكتفاء بما تحقّق. يعمل الجيش على توسيع «الممرّ المُطهَّر» (cleared lane) عبر المضيق بحلول الشهر القادم، في خطوةٍ تهدف إلى تعزيز قدرة السفن التجارية على العبور بأمان أكبر وبكلفةٍ أقلّ. بيد أنّ التحدّي الحقيقي يكمن في الفجوة بين ما تُعلنه واشنطن وما تعيشه شركات الشحن على أرض الواقع؛ فطالما ظلّت تكاليف التأمين مرتفعةً وناقلات الغاز تسلك المضيق بتحفّظ، فإنّ السيطرة الأمريكية المُعلنة ستبقى موضع تساؤل.

المعادلة في مضيق هرمز لم تُحسم بعد. إيران تحتفظ بقدرٍ من القدرة على تهديد الملاحة رغم الضربات المتواصلة، وشركات الشحن تُكيّف سلوكها وفق الخطر الفعلي لا الخطاب الرسمي. الشهر القادم سيكشف ما إذا كان توسيع الممرّ المُطهَّر كافياً لإقناع السوق بأنّ المضيق عاد فعلاً إلى حالته الطبيعية — أو ما يقاربها.

أخبار ذات صلة

Loading...
أشخاص يسبحون في مياه مضيق هرمز مع سفن شحن كبيرة في الخلفية، في ظل توترات الحرب وتأثيرها على أسعار الوقود.

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ارتفاع أسعار الوقود في أيووا وأوهايو يعكس تأثير الحرب في الشرق الأوسط على حياة الأمريكيين. تعرف كيف تؤثر هذه الأزمة على الانتخابات النصفية وفرص الجمهوريين. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في تجمع انتخابي بأوكلاهوما، مع تصريحه المثير للجدل حول المنشآت النووية الإيرانية ووصفها بـ«مصانع مخدرات».

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تصريحات ترامب عن منشأة فوردو الإيرانية أثارت جدلاً كبيراً بوصفها "مصانع مخدرات نووية" رغم نفي الخبراء. اكتشف التفاصيل الحقيقية وكن على اطلاع بأحدث التطورات في الملف النووي الإيراني. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
سفينة شحن تحمل اسم EL GAIA في مضيق هرمز تتصاعد منها أدخنة كثيفة بعد تعرضها لهجوم، في سياق التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.

تكشف تقارير استخباراتية عن دعم صيني غير معلن لإيران عبر بيانات الأقمار الصناعية، مما رفع دقة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. اكتشف التفاصيل وتأثير هذا الدعم على الصراع واشنطن-طهران الآن!
Loading...
دبابة حوثية متحركة في الصحراء خلال تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب في البحر الأحمر وسط تصاعد التوترات الإقليمية.

تصعيد الحوثيين يعمّق الأزمة و واشنطن تتحفّظ على التدخّل

تتصاعد التوترات في البحر الأحمر مع سيطرة الحوثيين المدعومين إيرانياً على جزيرة استراتيجية، مما يهدد مضيق باب المندب وأمن الطاقة العالمي. اكتشف المزيد عن تداعيات هذا الصراع المعقد الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية