صراع اللقاحات في أمريكا بين الصحة والسياسة
في خضم أسوأ موجة حصبة في أمريكا وتصاعد الجدل حول اللقاحات، وزير الصحة روبرت كينيدي يثير الجدل بخطاب مناهض للتطعيم وسياسات مثيرة تواجه دعاوى قضائية. تعرف على تفاصيل الصراع بين الصحة والسياسة في خَبَرَيْن.

في الوقت الذي تُسجّل فيه الولايات المتحدة أسوأ موجة حصبة منذ عقود، تجاوزت فيها الإصابات 3,200 حالة وراح ضحيتها أربعة أشخاص في ولاية بنسلفانيا وحدها من بينهم رضيعان وشابٌّ في الثامنة عشرة من عمره صعد وزير الصحة الأمريكي Robert F. Kennedy Jr. إلى منصّة مؤتمرٍ مناهض للقاحات، ليُلقي خطاباً حظي في نهايته بتصفيقٍ حارٍّ وقوفاً. المشهد لم يكن مجرّد تناقضٍ لافت؛ بل كان تجسيداً صارخاً لأزمةٍ تتشابك فيها السياسة والصحة العامة وسلطة العلم.
حين يُخاطب الوزير جمهوره المفضّل
المؤتمر الذي احتضن Kennedy هو مؤتمر منظمة Children's Health Defense، وهي المنظمة التي أسّسها بنفسه قبل أن يتركها ليخوض سباق الرئاسة. وقف أمام الحضور قرابة 40 دقيقة، أمضى معظمها في الحديث عن موضوعات صحية لا صلة لها بالتطعيم، قبل أن يتطرّق أخيراً إلى اللقاحات.
وجّه Kennedy تحيّةً صريحة إلى الرئيس Donald Trump، قائلاً لجمهوره: «لديكم صديقٌ راسخٌ وثابت في البيت الأبيض»، مضيفاً أنّ «الرئيس Trump لن يسمح للحكومة بأن تعامل الآباء الذين يشكّكون في عقيدة اللقاحات كالمجذومين». وفي موقفٍ يُعبّر عن إطاره الخطابي الثابت، دافع عن سياساته قائلاً: «لم نسلب أحداً اللقاحات. لقد حافظنا على إمكانية الوصول إليها، لكنّنا بدأنا نطرح الأسئلة التي كنتم أنتم وملايين الآباء الأمريكيين تطرحونها منذ سنوات».
وحين واجه انتقادات بشأن تصاعد وفيات الحصبة، لجأ Kennedy إلى مقارنةٍ تُثير الجدل في أوساط الصحة العامة: «في بلدنا، نهتمّ بالأمراض النادرة والوفيات. نهتمّ بكلّ طفلٍ يموت من الحصبة، وتتصدّر وفاته العناوين. ألا ينبغي لنا أسألكم أن نهتمّ أيضاً بالأطفال الذين يموتون أو يعانون أو يتضرّرون من إصابات اللقاحات؟». وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المراجعات العلمية الموسّعة تُصنّف الأضرار الجسيمة للقاحات ضمن الأحداث النادرة جداً، في حين أنّ الحصبة غير المُحصَّن ضدّها تُشكّل خطراً موثّقاً وقابلاً للقياس.
سياساتٌ مثيرة للجدل وقرارات قضائية معاكسة
لا يقتصر دور Kennedy على الخطاب؛ فمنذ توليه وزارة الصحة، اتّخذ جملةً من الإجراءات التي أثارت مواجهاتٍ قانونية حادة. ففي أكتوبر 2023، أسّس مجموعة عمل لسلامة اللقاحات خارج نطاق المستشارين التقليديين لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، ثمّ اقترح حذف لقاحات 6 أمراض من أصل 17 من جدول التطعيم في مرحلة الطفولة وذلك دون سندٍ من الأدلة الطبية.
في مارس 2024، أصدر القاضي الفيدرالي Brian E. Murphy قراراً بتعليق تعديلات Kennedy على جدول اللقاحات، إثر دعاوى قضائية رفعتها منظماتٌ طبية من بينها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال. ولم تتوقّف القضايا عند هذا الحدّ؛ إذ حكم القاضي ذاته بأنّ استبدال Kennedy في يونيو 2025 للجنة الاستشارية للقاحات التابعة لـ CDC — المعروفة بـ ACIP لم يستوفِ الإجراءات القانونية المطلوبة. وأشار القاضي إلى أنّ 6 أعضاء فقط من أصل 15 عضواً جديداً يمتلكون خبرةً حقيقية في مجال اللقاحات، فيما يحمل كثيرٌ من البدلاء مواقف مناهضة للتطعيم. وقد طعنت وزارة الصحة في هذا الحكم وطالبت بمراجعةٍ مستعجلة.
وكانت الـ CDC قد ضيّقت في عام 2023 إرشادات لقاح كوفيد-19، واشترطت استشارة مقدّم الرعاية الصحية قبل التطعيم وهو توجّهٌ وصفه Kennedy بأنّه خطوةٌ في الاتجاه الصحيح.
منظمةٌ تتجاوز حدود الخطاب
تتجاوز Children's Health Defense حدود النشاط الحقوقي إلى ما يشبه بناء هويّةٍ ثقافية موازية. فإلى جانب رفع عشرات الدعاوى القضائية الطعن في إلزامية التطعيم وترويج مفهوم «الحرية الطبية»، تبيع المنظمة ملابس أطفال تحمل شعارات من قبيل "No Vax No Problem" و"Unvaxxed Unafraid"، في إشارةٍ إلى أنّ الرسالة تستهدف الآباء قبل أن يُولد أطفالهم.
ومن الحضور اللافت في المؤتمر Mark Gordon، رئيس معهد MAHA، الذي وصف نفسه بأنّه «أجرأ المناهضين للقاحات». وتجدر الإشارة إلى أنّ الجذور الفكرية لهذه الحركة تعود جزئياً إلى دراسة Andrew Wakefield المُدحضة التي نُشرت عام 1998 وادّعت وجود صلةٍ بين اللقاحات والتوحّد، قبل أن تُسحب عام 2010 وأن يُجرَّد صاحبها من رخصته الطبية غير أنّ أثرها في الوعي الشعبي لم يتلاشَ حتى اليوم.
الثقة في الصحة العامة على المحكّ
يُقدّم Kennedy نفسه باعتباره مُصلحاً لا هادماً. ويقول في هذا الصدد: «نحن بحاجة إلى قياس نجاحنا بما يحدث لأطفالنا. هذا العمل لم يكتمل بعد. سنواصل مواجهة المقاومة. المؤسسات القوية والمصالح الراسخة لا تتخلّى عن سلطتها بسهولة». ويُضيف: «لم آتِ إلى واشنطن لأحمي المؤسسات من الأسئلة المزعجة. جئت لأُجبر تلك المؤسسات على الإجابة عن هذه الأسئلة، وأعتزم البقاء في هذا النضال ما استطعت». وختم خطابه بعبارةٍ تُذكّر بأسلوب الزعماء السياسيين أكثر من أسلوب مسؤولي الصحة العامة: «سأبقى في هذا النضال وأموت وأنا أخوضه».
الحصبة كانت قد أُعلن القضاء عليها في الولايات المتحدة عام 2000، لكنّها عادت تطرق الأبواب بقوّةٍ متصاعدة مع تراجع معدلات التطعيم. والسؤال الذي تطرحه بيانات CDC بصمتٍ أبلغ من أيّ خطاب: هل ستُفضي سياسات الشكّ المنظَّم إلى ثقةٍ أكبر في المنظومة الصحية، أم إلى مزيدٍ من الأطفال الذين يدفعون ثمن خلافٍ لا ناقة لهم فيه ولا جمل؟
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
