الوجود العسكري الأمريكي يتعزز في غرينلاند النائية
اتفاق دفاعي ثلاثي بين أمريكا والدنمارك وغرينلاند يعزز الوجود العسكري الأمريكي في القطب الشمالي بإضافة قاعدتين جديدتين وحظر تمركز قوى خارج الناتو، وسط توترات سياسية وتنافس جيوسياسي متصاعد على الجزيرة وخيراتها في خَبَرَيْن.

في أقصى جنوب غرينلاند، حيث يتفرّع مضيق تونوجليارفيك من المحيط الأطلسي، يقع مطار نارسارسواك الصغير وسط جبالٍ جليدية شاهقة، على مسافةٍ لا تُقطع إلا بالقوارب أو الطائرات. أبعد شمالاً، عند خليج كونج أوسكار، تنتصب مستيرسفيغ، محطةٌ عسكرية ورصدية شبه مهجورة لا يقصدها سوى موظفي الأرصاد والباحثين. هذان الموقعان النائيان، اللذان لا يعرفهما أغلب من يتابع الشأن الجيوسياسي عن كثب، تحوّلا هذا الأسبوع إلى محور اتفاقٍ دفاعيٍّ ثلاثي بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، سيرسم من جديد شكل الوجود العسكري الأمريكي في القطب الشمالي.
وقّعت الأطراف الثلاثة، يوم الثلاثاء، تعديلاً يُكمّل معاهدة الدفاع الأمريكية-الدنماركية الموقّعة في عام 1951، والتي أباحت أصلاً تمركز القوات الأمريكية في غرينلاند في إطار الدفاع المشترك ضمن حلف الناتو. الاتفاق الجديد، بحسب النص المنشور على موقع البيت الأبيض، لا يُلغي المعاهدة القديمة بل يوسّعها، في لحظةٍ سياسية شديدة الحساسية بين واشنطن وكوبنهاغن حول مستقبل الجزيرة الأكبر في العالم.
ما الذي يتغيّر فعلياً على الأرض؟
يضيف الاتفاق قاعدتَين أمريكيتَين جديدتَين في نارسارسواك ومستيرسفيغ، إلى جانب قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي استضافت القوات الأمريكية لعقودٍ طويلة وتظلّ مركز الثقل العسكري الأمريكي في الجزيرة. كما يمنع الاتفاق أي دولةٍ من خارج حلف الناتو من إقامة قواعد أو تمركز قوات في الأراضي الغرينلاندية، وهو بندٌ يقرأه محللون على أنه موجّهٌ بشكلٍ مباشر ضد الصين وروسيا. ومن أبرز ملامح النص أنه يضمن استمرار وصول الولايات المتحدة العسكري إلى غرينلاند حتى في حال حصلت الجزيرة، ذات الحكم الذاتي المرتبطة سياسياً بالدنمارك، على استقلالها الكامل مستقبلاً.
لكن رغم ضجّة العنوان، يرى خبراء أن الأثر الفوري على الأرض سيكون محدوداً نسبياً. يقدّر مارك كانسيان، المستشار الأول في قسم الدفاع والأمن بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الزيادة المحتملة في عدد الجنود الأمريكيين لن تتجاوز الخمسين عنصراً. يقول كانسيان: "لا أعتقد أن الوجود العسكري سيكون كبيراً بهذا الشكل، لكنّه يزيد من وجودنا المتواضع جدّاً في غرينلاند، وهو جزءٌ من مشهدٍ أوسع بكثير من الأنشطة في القطب الشمالي والتوسّع الذي تشهده أنشطة الجميع، بما في ذلك نحن والكنديون."
توتّر سبق التوقيع
لم يأتِ الاتفاق من فراغ. فقد سبقه شهورٌ من التصريحات الحادّة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هدّد باللجوء إلى القوة لأخذ غرينلاند إن لم يتوصّل إلى اتفاقٍ يراه "مُرضياً"، وهو ما دفع عدداً من الدول الأوروبية إلى إرسال قوات إلى الجزيرة في خضمّ ذلك التصعيد. وحتى يوم الجمعة الذي سبق التوقيع، صرّح ترامب بأن أعمال البناء ستبدأ "فوراً" على "وجودٍ عسكري كبير"، في تصريحاتٍ أثارت قلقاً في كوبنهاغن ونونوك على حدٍّ سواء. ويتضمّن الاتفاق أيضاً إشارةً إلى برنامج "القبّة الذهبية" (Golden Dome)، منظومة الدفاع الصاروخي التي يدفع بها ترامب، والتي لا يزال تنفيذها الفعلي على الأرض بعيداً بسنواتٍ عن الاكتمال.
هذا التصعيد اللفظي ترك أثراً واضحاً في التعليقات التي تلت التوقيع. جينّ شاهين، السيناتورة الديمقراطية عن نيوهامبشير والعضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، انتقدت أسلوب الوصول إلى الاتفاق قائلة: "بعد شهورٍ من تهديد حليفتنا في الناتو الدنمارك، وتجاهل رغبة شعب غرينلاند، وصل الرئيس ترامب إلى 'اتفاق' يعيد فعلياً العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة وغرينلاند إلى ما كانت عليه سابقاً."
أما آيريس فيرغسون، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية المكلّفة بملفّي القطب الشمالي والمرونة العالمية في عهد الرئيس بايدن، فتقدّم قراءةً أكثر توازناً. تقول فيرغسون: "يمكن القول إن قضية غرينلاند هذه تسبّبت في ضررٍ كبير لأمن القطب الشمالي، بسبب البيئة السياسية الصعبة التي أحاطت بها"، مضيفةً أن الخلافات "كانت متراكمة منذ زمنٍ طويل". ومع ذلك، تعتبر أن "هذا الاتفاق يدفع فعلاً في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق أهدافٍ مشتركة"، وتلخّص موقفها بقولها: "أعتقد أن الكثير من هذه البنود كان سيُتّفق عليه بحماسٍ لولا بعض الخطاب المرافق. ومع ذلك، أعتقد أن هذا هو أفضل اتفاقٍ ممكن، في ظلّ الظروف القائمة."
سباقٌ أوسع على القطب الشمالي
يأتي الاتفاق في سياق تنافسٍ متصاعد على القطب الشمالي، حيث أدّى تراجع الجليد وذوبانه إلى انفتاح ممرّاتٍ مائية جديدة قابلة للملاحة، بتأثيراتٍ محتملة على التجارة العالمية. وهذا ما يفسّر، بحسب كانسيان، أن القيود المفروضة في الاتفاق على وجود دول من خارج الناتو "موجّهةٌ بوضوح" ضد الصين وروسيا، في وقتٍ يتوسّع فيه الاهتمام العسكري والاستراتيجي بالمنطقة من قِبَل عددٍ متزايد من الأطراف.
هذا التوسّع لم يفُت الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، الذي رحّب بالاتفاق عبر منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي وصف فيه التوقيع بأنه أمرٌ "رائع"، قائلاً: "نعرف التهديدات التي نواجهها، وتعزيز الأمن في القطب الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي أمرٌ أساسي لأوروبا وأمريكا الشمالية على حدٍّ سواء." وأضاف: "هذا الاتفاق، إلى جانب الدور المتزايد للناتو في تأمين هذه المنطقة الحيوية، يعزّز أمننا الجماعي ويدعم مستقبلاً أكثر أماناً واستقراراً لنا جميعاً."
لكن تحويل هذه النيّات إلى بنيةٍ عسكرية فعلية يبقى تحدّياً بحدّ ذاته. فالقاعدتان المقترحتان في نارسارسواك ومستيرسفيغ تتطلّبان استثماراتٍ كبيرة في البنية التحتية لاستيعاب الأفراد والمعدّات، في ظلّ ظروفٍ مناخية قاسية تجعل من أي بناءٍ هناك مشروعاً بطيء التنفيذ ومكلفاً. وبينما لا يزال برنامج "القبّة الذهبية" الصاروخي بعيداً بسنواتٍ عن التشغيل الفعلي، يبقى السؤال الحقيقي معلّقاً: هل يفتح هذا الاتفاق فصلاً جديداً من التنافس الهادئ على القطب الشمالي، أم أنه، كما تقترح شاهين، لا يعدو كونه عودةً إلى وضعٍ كان قائماً بالفعل قبل أن تُشعله تهديدات ترامب؟ الإجابة، على الأرجح، ستُكتب في السنوات المقبلة، فوق جليدٍ يذوب بسرعةٍ لا تنتظر أحداً.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
