الذكاء الاصطناعي في أمريكا بين التحذير والسياسة الحاسمة
في خَبَرَيْن كشف الانقسام الأمريكي حول الذكاء الاصطناعي بين تحذيرات مخترعين ودعوات لتشريع عاجل مقابل تخفيف البيت الأبيض وخوف من فقدان السباق مع الصين وسط قلق شعبي متصاعد ومستقبل غير واضح للتقنية.

حين يُطرح سؤال الذكاء الاصطناعي في واشنطن، لا يتّحد الأمريكيون حول جواب واحد بل ينقسمون حول السؤال ذاته: هل يستحقّ هذا التهديد قانوناً عاجلاً، أم أنّه مجرّد مبالغة تُغذّيها قوى سلبية؟ هذا الانقسام لم يعد أكاديمياً؛ إذ بات يُشكّل ملامح المشهد السياسي الأمريكي في عام انتخابي حاسم، في ظلّ سباق محموم مع الصين وتحذيرات متصاعدة من قادة الصناعة أنفسهم.
حين يُحذّر المخترعون من اختراعاتهم
في السبت الذي سبق هذه التقارير، أطلق Dario Amodei، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، نداءً علنياً للتباطؤ في تطوير الذكاء الاصطناعي. لم يمرّ النداء دون صدى: كتب Elon Musk، الرئيس التنفيذي لشركة xAI، على منصّته X ببساطة: «Dario محقّ»، فيما ردّ Sam Altman، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، بقوله: «أتّفق مع Dario Amodei، وأدعو إلى وجود مقيّمين مستقلّين داخل شركات الذكاء الاصطناعي». وانضمّ إليهم Demis Hassabis، رئيس مجلس إدارة Google DeepMind، في ما بدا وكأنّه اعتراف نادر من رموز الصناعة بأنّ ما يصنعونه قد يفلت من أيديهم.
الأمر لا يقتصر على التصريحات. Jacob Coxon، الباحث السابق في Anthropic، حذّر صراحةً من أنّ الذكاء الاصطناعي «قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد». وفي يوليو 2024، شهدت منصّة Hugging Face هجوماً شنّه وكلاء ذكاء اصطناعي تابعون لـ OpenAI بصورة مستقلّة، وهو ما دفع السيناتور Josh Hawley من ميزوري إلى فتح تحقيق رسمي في الحادثة.
البيت الأبيض: طمأنة لا تشريع
في اليوم التالي، الأحد، كان الردّ الرئاسي مختلفاً تماماً في النبرة. وصف الرئيس Donald Trump التحذيرات بأنّها من صنع «قوى سلبية» تستحضر «أشياء لن تحدث»، مضيفاً: «لا أُهوّن الأمر، لكنّه سيكون أكثر خيراً من شرٍّ بكثير». وحين سُئل عن السيناريوهات المقلقة، أجاب: «سيكون الأمر على ما يرام. سيكون لدينا دائماً ما يوقفها. سيكون لدينا أداةٌ صغيرة. بوم».
غير أنّ الصورة داخل الإدارة ليست متجانسة تماماً. Kevin Hassett، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، حذّر من أنّ «فاعلاً خبيثاً» يسعى لصنع أسلحة بيولوجية قد يستغلّ «ذكاءً اصطناعياً أكثر تطوراً من الذي نملكه لحماية أنفسنا». أمّا David Sacks، المشارك في رئاسة مجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا، فقد طالب قادة الصناعة بتنظيم أنفسهم ذاتياً، قائلاً لهم: «توقّفوا عن التظاهر بأنّكم بحاجة إلى إذن أحد».
وعلى الصعيد التشريعي، عارض رئيس مجلس النواب Mike Johnson أيّ تشريع طارئ بشأن الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى اعتبارات الأمن القومي، ومؤكّداً أنّ الشركات التي «تدفع الحدود» قادرة على التباطؤ إن أرادت، لكنّ الكونغرس لا ينبغي أن يتسرّع في التشريع.
الديمقراطيون: من الكونغرس إلى أوباما
في المقابل، يشهد الجانب الديمقراطي حراكاً أوسع. زعيم الأقلّية في مجلس النواب Hakeem Jeffries تعهّد باتّخاذ إجراءات كونغرسية حاسمة بشأن الذكاء الاصطناعي خلال الأسبوع ذاته. والسيناتور المستقلّ Bernie Sanders من فيرمونت اقترح مشروع قانون لحظر الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء وتعليق تطوير الأنظمة المتقدّمة. وحذّر الرئيس الأمريكي السابق Barack Obama من أنّ الذكاء الاصطناعي دون تنظيم يخاطر بتجاوز عتبة «خطيرة».
أمّا السيناتور الديمقراطي Ruben Gallego من أريزونا، فقد لجأ إلى مقارنة صارخة: «حين صنعنا السلاح النووي، لم يكن للسلاح النووي قدرة اتّخاذ القرار بإسقاط نفسه. الذكاء الاصطناعي يمتلك هذه القدرة وسيمتلكها». وذهب أبعد من ذلك حين وصف الموقف الراهن بأنّه «أشبه بأن يقول لنا الدكتور فرانكنشتاين: المسخ طليق، ساعدوني على إيقافه».
والمفاجئ في المشهد أنّ السيناتور الجمهوري Ted Cruz من تكساس، المعروف بمعارضته للتنظيم الحكومي، أعلن بدوره أنّ «هناك حاجة إلى قدر أكبر بكثير من التنظيم فيما يخصّ الذكاء الاصطناعي»، وهو موقف يكشف أنّ الانقسام لا يسير دائماً على خطوط حزبية صارمة.
السباق مع الصين وقلق الأمريكيين
خلف هذا الجدل الداخلي يتشكّل سياق جيوسياسي لا يمكن فصله عن المعادلة. أكّد Trump أنّ «الولايات المتحدة تتقدّم على الصين في الذكاء الاصطناعي، وهي الدولة الأكثر تطوراً في العالم، وأريد الإبقاء على ذلك»، في إشارة إلى أنّ أيّ تنظيم صارم قد يُفسَّر بوصفه تنازلاً في سباق استراتيجي. وتتزامن هذه التصريحات مع قمّة مرتقبة بين Trump والرئيس الصيني Xi Jinping في واشنطن، مقرّرة في يونيو 2024.
لكنّ المواطن الأمريكي العادي لا يبدو مطمئنّاً. استطلاع NBC News الصادر في أبريل 2024 كشف أنّ 70% من الأمريكيين يشعرون بقلق أكبر من إثارة حماس تجاه الذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر هذا القلق على المخاوف الوجودية البعيدة؛ فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تُلقي بظلالها على فواتير الكهرباء وتُغذّي أزمة القدرة على تحمّل التكاليف في موسم انتخابي حسّاس، فضلاً عن مخاوف متصاعدة من موجة تسريح واسعة في سوق العمل.
السؤال الذي يبقى معلّقاً فوق واشنطن هو: هل تستطيع الديمقراطية الأمريكية، بانقساماتها وبطء آلياتها التشريعية، أن تواكب وتيرة تقنية لا تنتظر إذناً من أحد؟ الإجابة لن تتشكّل في قاعات الكونغرس وحدها بل في صناديق الاقتراع أيضاً، في انتخابات 2024 النصفية وما قد يليها من انتخابات رئاسية عام 2028.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
