كراماتورسك بين القصف والحياة تحت وطأة الحرب
في كراماتورسك، الحياة اليومية تحت وطأة الطائرات المسيّرة الروسية التي تجبر المدنيين على حمل السلاح في كل مكان. معارك بطئية وتدمير شامل للمدن يعكس ثمن التقدم الروسي في دونباس وحصار "حزام الحصون" الأوكراني خَبَرَيْن

في كراماتورسك، لا يخرج أحدٌ إلى المقهى دون أن يحمل بندقيته. هذه ليست استعارةً أدبية، بل وصفٌ حرفيٌّ لحياة يومية باتت تفرضها الطائرات المسيّرة الروسية التي تحوم فوق المدينة في كلّ ساعة. إيرينا ريباكوفا، الضابطة الإعلامية في اللواء الميكانيكي الأوكراني 93، تصف المشهد بلا مواربة: "نحو المساء وفي الصباح الباكر، لا يكاد أحدٌ يخرج إلى الشارع. وفي النهار، ثمّة مسلّحون في كلّ مكان... الجميع يتجوّل حاملاً بندقيته، يذهب لشرب القهوة بالبندقية، يتوجّه إلى المتجر بالبندقية، لأنّ الطائرات المسيّرة في كلّ مكان الآن ولا تعرف متى تضرب. يمكنها أن تضرب في أيّ لحظة."
هذا هو وجه الحرب اليوم في شرق أوكرانيا، حيث تتقدّم القوات الروسية ببطءٍ نحو المدن الصناعية الكبرى في إقليم دونباس، في حربٍ استنزافٍ طويلة تُفرغ المدن من سكّانها قبل أن تسقطها بالكامل.
"حزام الحصون": خطّ الدفاع الأخير
تُشكّل أربع مدنٍ صناعية في شرق أوكرانيا ما بات يُعرف بـ"حزام الحصون": سلوفيانسك، وكراماتورسك، ودروجكيفكا، وكوستيانتينيفكا. هذه المدن مجتمعةً تمثّل العمود الفقري للدفاع الأوكراني في الشرق، وتحول طبوغرافيتها وكثافتها السكانية دون تقدّم روسيٍّ سريع نحو السهول المفتوحة غرباً. لكنّ هذا الحزام يتآكل.
كوستيانتينيفكا، الطرف الجنوبي من الحزام، باتت في حكم المفقودة بعد ما يقارب عاماً كاملاً من المحاولات الروسية المتواصلة للسيطرة عليها. وتقول جيني أولمستيد، المحلّلة المتخصّصة في الشأن الروسي لدى معهد دراسة الحرب (ISW): "(الروس) ينفّذون مهمّات تسلّلٍ متواصلة ويُحرزون تقدّماً بطيئاً نحو سلوفيانسك وكراماتورسك، ويتقدّمون في كوستيانتينيفكا، لكن بوتيرةٍ بطيئة للغاية." وتُضيف أولمستيد أنّ الروس "يُهيّئون الظروف ويُعدّون الساحة لشنّ هجماتٍ على سلوفيانسك."
أمّا كراماتورسك، فهي واحدة من آخر المعاقل الأوكرانية الكبرى في دونباس، وقد دُمّر ما يكاد يكون جميع جسورها. تتعرّض المدينة يومياً لعشرات الضربات التي تطال السيارات والمباني السكنية والإدارية والمرافق العامة والمرائب. تصف ريباكوفا المشهد: "الهجمات تحدث عشرات المرّات في اليوم. عشرات السيارات والمباني الخدمية والسكنية والإدارية والمرائب تعرّضت للضرب؛ إنّهم يُضرمون النار في كلّ شيء." وتُضيف بنبرةٍ شخصية مؤلمة: "الليلة الماضية فحسب، قصفوا المنزل الذي كنت أسكن فيه. غادرناه منذ أشهر، والآن هو مُدمَّرٌ كلياً."
أرقامٌ تكشف ثمن التقدّم
لفهم طبيعة هذه الحرب، لا بدّ من قراءة الأرقام. في أغسطس 2023، تمكّنت روسيا من التقدّم أو التسلّل نحو 124 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الأوكرانية، وهو ما يمثّل نحو 25% فقط ممّا استولت عليه في الشهر ذاته من عام 2022. ويُقدّر معهد دراسة الحرب أنّ روسيا تخسر نحو 40,000 جندي شهرياً، أي ما يعادل نحو 340 إصابة لكلّ كيلومتر مربّع تكسبه. وبالوتيرة الراهنة، يرى المعهد أنّ روسيا لن تسيطر على دونيتسك كاملاً قبل عام 2032، إن تحقّق ذلك أصلاً.
غير أنّ هذا البطء لا يعني الجمود. فروسيا تحتلّ اليوم نحو 81% من إقليم دونيتسك وما يقارب كامل إقليم لوهانسك. واستغرق الاستيلاء على مدينة باخموت تسعة أشهر من القتال، فيما احتاجت القوات الروسية لما يقارب عامَين للسيطرة على بوكروفسك، وكلتاهما خرجتا من المعركة مدمّرتَين بالكامل. وهذا النمط يكشف عن استراتيجيةٍ روسية واضحة: تدمير المدن حتى تصبح غير صالحة للسكن قبل أن تسقط رسمياً.
يبقى في المناطق الأوكرانية الخاضعة لسيطرة كييف في دونيتسك نحو 93,000 مدني، من بينهم 4,800 طفل. وتتحوّل عمليات الإخلاء في بعض المناطق إلى مغامرةٍ شبه مستحيلة؛ ففي المنطقة المحيطة بدوبروبيليا، لا يمكن الإخلاء إلّا سيراً على الأقدام بسبب الألغام الكثيفة والطائرات المسيّرة. يروي هينادي يودين، ضابط الشرطة في وحدة "الملائكة البيض" المتخصّصة بالإخلاء: "الجيش يُخلي الناس سيراً على الأقدام ورجالنا يلتقطونهم على بُعد نحو 10 كيلومترات من دوبروبيليا — هذا أقرب ما يمكننا الوصول إليه. وإلّا فالإخلاء مستحيلٌ تماماً هناك؛ المنطقة بأسرها مزروعةٌ بالألغام وعدد الطائرات المسيّرة لا يُصدَّق."
بين الدبلوماسية والميدان
على الصعيد السياسي، أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبعوثيه بأنّ قواته تُحرز "تقدّماً ملموساً" ويتوقّع السيطرة على إقليمَي دونيتسك ولوهانسك بحلول نهاية العام الجاري. وقد زار مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر كييف مؤخّراً دون أن يُسفر اللقاء عن أيّ اختراقٍ دبلوماسي يُذكر.
في كراماتورسك، لم يفرض حظر التجوّل بعد، لكنّ الأجواء تُنذر بقرارٍ وشيك. تقول ريباكوفا: "الحياة لا تزال مستمرّة. (السلطات) لم تفرض حظر التجوّل بعد... لكنّ هذا كان له أثرٌ هائل في المدن الأكثر شرقاً بدأت كلّ الأعمال التجارية تغادر. يقولون إنّهم سيفرضونه قريباً." والأعمال التجارية التي تغادر ليست مجرّد أرقامٍ اقتصادية؛ إنّها علاماتٌ على مدينةٍ تستعدّ لأسوأ ما يمكن.
تبقى كراماتورسك اليوم نقطةً للراحة والإمداد للقوات الأوكرانية، وخسارتها لن تكون مجرّد هزيمةٍ ميدانية، بل ستمنح موسكو رصيداً دعائياً ضخماً وتفتح الطريق نحو سلوفيانسك. السؤال الذي يطرحه المحلّلون ليس إن كانت روسيا ستواصل الضغط، بل كم من الوقت يستطيع "حزام الحصون" الصمود وبأيّ ثمنٍ بشري قبل أن تتغيّر خريطة الشرق الأوكراني مرأخرى.
أخبار ذات صلة

ترامب يؤكد اتفاق أوكرانيا وروسيا على وقف طاقة مؤقت

روسيا تقصف جسراً رئيسياً آخر في كييف وسط تصعيدٍ للهجمات على العاصمة الأوكرانية

لماذا ترسل روسيا الأمراء والقديسين الراحلين إلى المعارك
