قرار ترامب الانتخابي يهدد قاعدة حزبه الجمهوري
قرار ترامب بتقييد التصويت البريدي قد يضرّ قواعد حزبه الجمهوري نفسه ويقلل من مشاركة ناخبيه الجدد كبار السن والريف، بينما تحذيرات من نظام تحقق معيب يهدد نزاهة الانتخابات وخبراء ينتقدون التبعات غير المقصودة هذا القرار في خَبَرَيْن.

حين تُطلق الحكومة قراراً انتخابياً يضرّ بمن أصدره، فهذا ليس مجرّد خطأٍ في الحسابات — بل هو نموذجٌ كلاسيكي لما يُسمّيه علماء السياسة «التبعات غير المقصودة». المحكمة العليا الأمريكية أوقفت، في سبتمبر 2026، محاولةَ الرئيس السابق دونالد Trump فرض قيودٍ صارمة على التصويت البريدي في انتخابات التجديد النصفي، وكان ردّ الفعل الأكثر لفتاً للنظر لا يأتي من الديمقراطيين، بل من داخل الحزب الجمهوري نفسه.
حكمٌ قضائي بتوقيتٍ حاسم
أيّدت المحكمة العليا وقف القيود التي سعى إليها Trump على بطاقات الاقتراع البريدي، وكان من بين المؤيّدين للوقف القاضي Brett Kavanaugh — الذي عيّنه Trump نفسه — الذي أشار في موافقته إلى أنّ المسؤولين الانتخابيين لن يملكوا «وقتاً كافياً لتطبيق القاعدة بصورةٍ معقولة». هذه الحجّة الإجرائية تبدو في ظاهرها تقنيّة، لكنّها تنطوي على اعترافٍ ضمني بأنّ تغيير قواعد الانتخابات في اللحظات الأخيرة يُهدّد نزاهة العملية برمّتها.
وقبل صدور الحكم، كان مُبلّغٌ داخلي في هيئة البريد الأمريكية (USPS) قد حذّر من أنّ نظام التحقق الجديد من بطاقات الاقتراع البريدي معرّضٌ للأخطاء بصورةٍ تُنذر بحرمان عشرات الآلاف من أصواتهم، بسبب تعارضاتٍ في قوائم الناخبين. وكان بعض وزراء الداخلية الجمهوريين في الولايات قد طعنوا هم أيضاً في هذه القيود قبل أن تبتّ فيها المحكمة.
أرقامٌ تُعقّد الصورة
الفرضيّة الشائعة هي أنّ التصويت البريدي ظاهرةٌ ديمقراطية بامتياز، وأنّ تقليصه يصبّ حتماً في مصلحة الجمهوريين. والأرقام تدعم هذه الفرضية جزئياً: ففي عام 2020، صوّت 58% من الديمقراطيين بريدياً مقابل 32% فقط من الجمهوريين، وفق بيانات مركز Pew Research. وبحلول عام 2024، تراجعت النسبتان إلى 43% للديمقراطيين و 25% للجمهوريين.
غير أنّ استطلاع CBS News حول انتخابات 2026 يكشف عن تفاصيل تستحقّ التأمّل: 38% من الديمقراطيين يعتزمون التصويت بريدياً أو غيابياً، مقابل 22% من الجمهوريين. و 40% من الديمقراطيين يخططون لإعادة بطاقاتهم عبر صناديق الإيداع، مقابل 15% فقط من الجمهوريين. أما التصويت البريدي عبر USPS تحديداً، فيعتزمه نحو 20% من الديمقراطيين، بفارقٍ طفيف عن الجمهوريين.
ولكن هل هذا صحيحٌ فعلاً — أنّ القيود ستُضعف الديمقراطيين وحدهم؟ ثمّة شريحةٌ جمهورية مهمّة تُكذّب هذه البساطة: كبار السن وسكّان المناطق الريفية، الذين يميلون تاريخياً إلى التصويت الجمهوري، يعتمدون على التصويت البريدي اعتماداً كبيراً بسبب بُعدهم عن مراكز الاقتراع. القيود المفروضة على هذا الخيار لا تُميّز بين ناخبٍ وآخر على أساس انتمائه الحزبي.
حين يُحذّر الجمهوريون من أنفسهم
المفارقة الحقيقية في هذه القضية تتجلّى في صوتٍ جمهوري بارز: المحامي الانتخابي Ben Ginsberg، الذي لا يُعرف بمهادنة الخصوم، وصف قرار Trump بأنّه «استراتيجيةٌ سياسية معيبة مُغلَّفة بسياسةٍ مُشحونة بالخطاب». وذهب أبعد من ذلك حين أشار إلى أنّ Trump نفسه هو من وسّع قاعدة الحزب الجمهوري: «بفضل دونالد Trump، بات في الحزب الجمهوري عددٌ أكبر بكثير من الناخبين ذوي الميل المنخفض للتصويت». ويُضيف Ginsberg أنّ «المشغّلين الجمهوريين في الولايات يعلمون أنّ وضع هذه العوائق أمام ذلك الجزء من القاعدة الجمهورية يجعل الإقبال الجمهوري أقلّ احتمالاً».
هذا التحليل يكشف عن تناقضٍ استراتيجي حادّ: إذا كانت القيود ستُقلّص مشاركة الناخبين الجمهوريين ذوي الميل المنخفض للتصويت — وهم الشريحة التي أضافها Trump إلى الحزب — فإنّ الخسارة الانتخابية ستطال الجمهوريين أنفسهم في انتخاباتٍ يُظهر فيها الديمقراطيون أصلاً حماساً أعلى.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً
لنمنح الحجّة المقابلة فرصتها: يرى المدافعون عن القيود أنّ التصويت البريدي يُضعف الرقابة على العملية الانتخابية، وأنّ اشتراط التحقق يُعزّز نزاهتها. وهذا استدلالٌ له وجاهته المبدئية. لكنّ المشكلة ليست في المبدأ — بل في التطبيق: حين يُحذّر مُبلّغٌ داخلي في USPS من أنّ نظام التحقق الجديد معيبٌ بما يكفي لحجب عشرات الآلاف من الأصوات الصحيحة، فإنّ الأداة المُصمَّمة لحماية النزاهة تتحوّل إلى تهديدٍ لها.
ما يستحقّ إعادة النظر فيه ليس موقف المحكمة العليا — فهو منطقيٌّ إجرائياً وسياسياً — بل السؤال الأعمق: هل يُحسن Trump خدمة قاعدته الانتخابية الجديدة بتضييق أدوات التصويت التي تعتمد عليها؟ الأرقام تقول لا، وبعض أبرز المحامين الجمهوريين يقولون لا، وبعض وزراء الداخلية الجمهوريين في الولايات قالوا لا أمام المحكمة. المسألة لم تعد خلافاً بين حزبين، بل صارت نقاشاً داخل الحزب الواحد حول ما إذا كانت السياسة الانتخابية تخدم الأيديولوجيا أم تخدم الفوز الفعلي — وهذان هدفان لا يتطابقان دائماً.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
