إعلان ترامب الممول من الضرائب يثير جدلاً واسعاً
في إعلان أثار جدلاً واسعاً ترامب يظهر في بث تلفزيوني ممول من أموال دافعي الضرائب يتحدث عن «معركة أخيرة» ضد الشيوعية والدولة العميقة وسط انتقادات قانونية وسياسية حادة من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء على خَبَرَيْن

في عشرات آلاف البيوت الأمريكية التي اجتمعت مساء الأحد أمام الشاشات لمتابعة مباريات دوري كرة القدم الأمريكي (NFL)، لم يكن ما ظهر بين الأشواط إعلاناً معتاداً عن سيارة أو مشروب غازي. لثلاثين ثانية بالضبط، ظهر دونالد ترامب في صورٍ أحادية اللون، يمشي نحو الكاميرا بوجهٍ خالٍ من الابتسام، بينما يتردد صوت سردٍ يتحدّث عن «معركة أخيرة» ضد الشيوعيين و«الدولة العميقة» و وسائل الإعلام التي وصفها بـ«الأخبار الكاذبة». وفي ختام المقطع، ظهرت عبارة واحدة كفيلة بإشعال جدلٍ سياسي وقانوني: «دفعت الحكومة الأمريكية ثمن هذا الإعلان».
هذا الإعلان، الذي بثّته شبكات التلفزة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليس الأول من نوعه؛ مقطعٌ مشابه كان قد ظهر على منصّات التواصل الاجتماعي خلال حملة ترامب الانتخابية عام 2024. لكن توقيته هذه المرة مختلف: يأتي قبل خمسة أسابيع فقط من الانتخابات النصفية للكونغرس، في وقتٍ يخشى فيه الجمهوريون فقدان السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وبينما يملك ترامب صندوق حملةٍ يُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات.
من دفع ثمن الإعلان، ولماذا يُثار السؤال؟
صنّف البيت الأبيض المقطع بوصفه «إعلاناً للخدمة العامة»، لا دعاية سياسية. وقال في بيانٍ رسمي إن «إعلانات الخدمة العامة تتعلق بتذكير الأمريكيين بحب بلدهم وفهم ما يستحق الدفاع عنه، في الداخل، وعلى حدودنا، وفي الخارج»، مضيفاً أن «الإعلان تثقيفي ووطني بلا اعتذار. ينبغي أن نفخر ببلدنا». استخدام كلمة «ينبغي» تحديداً أثار انتقادات من معارضين رأوا فيها نبرة توجيهية أقرب إلى الدعاية منها إلى الإعلام الحكومي المحايد.
ودافع ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، عن المقطع بلهجةٍ أكثر حدّة، قائلاً إن على «الإعلام الكاذب ألا يفلت بأكاذيبه حول إعلانات الخدمة العامة الملحمية التي تُبث على التلفزيون».
في المقابل، رأى النواب الديمقراطيون في الكونغرس أن ما جرى يتجاوز حدود القانون. ووصفت مجموعة من أعضاء لجان الاعتمادات الديمقراطيين الإعلان بأنه «النوع من الدعاية الحكومية التي قد يتوقعها المرء في كوريا الشمالية، لا في الولايات المتحدة الأمريكية»، معتبرين أنه «إساءة استخدامٍ فادحة وغير قانونية بالكامل لأموال دافعي الضرائب الأمريكيين التي كسبوها بشقّ الأنفس». و وجّه كلٌّ من باتي موراي وجاك ريد وروزا ديلاورو وستيني هويَر رسالة الأسبوع الماضي طالبوا فيها البيت الأبيض بسحب إعلانٍ سابق لترامب من البث فوراً، مستندين إلى المادة 718 من الباب الخامس لقانون الاعتمادات الموحّد لعام 2026، والذي يحظر استخدام الأموال الفدرالية لدعم الدعاية السياسية. كما أشارت الرسالة إلى احتمال انتهاك قوانين أخلاقيات فدرالية، من بينها قانون هاتش الذي يقيّد استخدام الموظفين الحكوميين لمواردهم الرسمية في أغراض سياسية.
منظمة «Public Citizen» الحقوقية المعنية بحماية المستهلك ذهبت أبعد من ذلك، إذ قدّمت شكوى رسمية لدى مكتب المحاسبة الحكومية ومكتب المستشار الخاص الأمريكي، معتبرةً أن الإعلانات الثلاثة الممولة من دافعي الضرائب حتى الآن تمثّل «إهانة لدافعي الضرائب ولديمقراطيتنا».
حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، لم يخلُ الأمر من انتقاد. فقد قال السيناتور الجمهوري عن ولاية لويزيانا، جون كينيدي، في برنامج «Face the Nation» مساء الأحد، إنه يعارض أن يموّل المسؤولون العامون «إعلانات خاصة لأنفسهم» من أموال الضرائب.
سابقة روزفلت أم استثناء ترامب؟
في محاولة لتبرير موقفه، استند البيت الأبيض إلى سوابق تاريخية شملت خمسة رؤساء سابقين: جورج بوش الابن، وباراك أوباما، وجو بايدن، ووودرو ويلسون، وفرانكلين روزفلت. من بين هذه السوابق، أشار البيت الأبيض إلى مقطع بايدن الذي شجّع على التطعيم لإنهاء أزمة كوفيد-19، وإلى مكتب معلومات الحرب الذي أُنشئ في يونيو 1942 للترويج للمجهود الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ولسياسات الحكومة، في وقتٍ كانت فيه الولايات المتحدة قد تعرّضت بالفعل لهجوم بيرل هاربر، وكان أسطولها البحري يخوض حرب المحيط الهادئ، وكانت قاذفاتها على وشك التحليق فوق ألمانيا النازية.
غير أن هذه المقارنات نفسها هي موضع الجدل: فبينما جاءت إعلانات روزفلت وسط حربٍ فعلية أعلنتها دولة معتدية، وسعى إعلان بايدن إلى معالجة أزمة صحية عامة قابلة للقياس، فإن مقطع ترامب يقوم على سردية «دولة عميقة» شريرة تتآمر على البلاد، وعلى تصويرٍ للاشتراكيين والشيوعيين بوصفهم يخططون للاستيلاء على الحكم، في وقتٍ يزداد فيه صوت الاشتراكيين الديمقراطيين داخل التحالف الديمقراطي وضوحاً، رغم أنهم يختلفون جوهرياً عن الشموليين السوفيات الذين استحضرهم الخطاب.
الإعلان الحالي ليس الحادثة الأولى من نوعها في عهد ترامب. فقد أُنفقت عشرات آلاف الدولارات من أموال دافعي الضرائب على حملة إعلانية لكريستي نويم، وزيرة الأمن الداخلي السابقة، قبيل مغادرتها منصبها بفترةٍ وجيزة.
خلف الرقم: قلقٌ جمهوري قبل خمسة أسابيع
يأتي هذا الجدل في سياقٍ سياسي مشحون. فقد استضاف ترامب، الرئيس السابع والأربعون، الزعيم الصيني شي جين بينغ في زيارة دولةٍ استمرت ثلاثة أيام، في وقتٍ تُظهر فيه استطلاعات الرأي رفضاً أمريكياً متزايداً لسياساته الاقتصادية، ولموقفه من الحرب في إيران، ولرفضه تنظيم الذكاء الاصطناعي استطلاعات ترسم صورة رئيسٍ يقترب من وضعية «البطة العرجاء».
ورغم أن ترامب لم يُدرج اسمه رسمياً على بطاقة الاقتراع في الانتخابات النصفية، فإنه طلب من أنصاره في مؤتمرٍ حزبي بولاية تكساس أن «يتظاهروا وكأنني على بطاقة الاقتراع»، في إشارةٍ إلى الدور الذي يريد أن يلعبه في تعبئة الناخبين رغم غيابه الرسمي عن السباق. ويرى البيت الأبيض أن هذا الغياب بالذات يجعل من إعلاناته «غير سياسية» بحكم التعريف، وهو تبريرٌ يرفضه منتقدوه جملةً وتفصيلاً.
معركة موازية مع الصحافة
لا ينفصل الجدل حول الإعلان عن توترٍ أوسع بين الإدارة ووسائل الإعلام. فقد واجهت ثلاث مؤسسات إعلامية إلغاءً لتصاريح دخولها الدائمة إلى البيت الأبيض، قبل أن يُعلّق قاضٍ هذا القرار مؤقتاً. كما مُنعت شبكة CNN من المشاركة في نظام التناوب الإعلامي («البول») خلال عطلة نهاية الأسبوع، في نزاعٍ يثير أسئلة تتعلق بحرية الصحافة المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي.
وبينما يواصل الديمقراطيون التلويح بأن أي أغلبيةٍ يحققونها في الكونغرس بعد الانتخابات النصفية قد تفتح باب الرقابة والتحقيقات في هذه الإعلانات، يبقى سؤالٌ أعمق معلّقاً: فالسابقة التي تُرسَّخ اليوم باسم «الوطنية» و«الخدمة العامة» قد يستخدمها رئيسٌ ديمقراطي مستقبلاً بالمنطق ذاته. فالعائلات الأمريكية التي فوجئت مساء الأحد بوجه ترامب يطلّ عليها بين شوطَي مباراة كرة قدم، لم تكن تشاهد مجرد إعلان؛ كانت تشهد، دون أن تختار ذلك، فصلاً جديداً في نقاشٍ لم يُحسم بعد حول حدود استخدام السلطة التنفيذية لأموال الجميع في خدمة صورة رجلٍ واحد.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
