الغضب المتصاعد للطبقة العاملة ضد سياسات ترامب التجارية
في الداخل الأمريكي الطبقة العاملة التي دعمت ترامب باتت ترفض سياساته التجارية بسبب الرسوم الجمركية التي رفعت الأسعار وزادت الغضب، ما يضع الجمهوريين في موقف صعب قبل الانتخابات القادمة خَبَرَيْن يكشف تفاصيل هذه المعادلة السياسية المعقدة.

تتقاطع في الداخل الأمريكي هذه الأيام معادلةٌ سياسية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل في طياتها ما قد يكون أحد أبرز أسباب الحرج الانتخابي للجمهوريين في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل: الطبقة العاملة التي شكّلت العمود الفقري لصعود دونالد ترامب إلى السلطة، باتت اليوم من أكثر الفئات تذمّراً من سياساته التجارية. فالرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأمريكي، والتي يقول اقتصاديون إنها الأكثر مواجهةً منذ عهد ويليام ماكينلي على الأقل، تُترجَم على الأرض إلى فواتير أعلى وغضبٍ متزايد، وهو ما يستثمره الديمقراطيون بينما يجد الجمهوريون أنفسهم في موقفٍ دفاعي متزايد الصعوبة.
من جيفرسون إلى ماكينلي: أين يقف ترامب من تاريخ الحمائية الأمريكية؟
يشير مؤرخون إلى أن السياسة التجارية التي ينتهجها ترامب تُقارَن أحياناً بحمائية توماس جيفرسون في مطلع القرن التاسع عشر، حين فرض عام 1807 حظراً تجارياً على إنجلترا وفرنسا في عهد نابليون. أما المقارنة الأكثر تداولاً فهي مع ويليام ماكينلي، الذي فرض في تسعينيات القرن التاسع عشر قيوداً تجارية مماثلة شكّلت المرجع السابق لأي رئيسٍ أمريكي في المواجهة التجارية. ووفق دوغلاس إيروين، أستاذ الاقتصاد في كلية دارتموث والمؤرّخ المتخصّص في السياسات التجارية، فإن "لا رئيساً في التاريخ الحديث استخدم التهديد بالرسوم الجمركية بقدر ما فعل دونالد ترامب".
تجدر الإشارة إلى أن الحمائية لم تكن يوماً غائبةً عن الخطاب الانتخابي الأمريكي منذ سبعينيات القرن الماضي؛ فقد دعا إليها الجمهوري جون كونالي عام 1980، ثم الديمقراطيان والتر مونديل وريتشارد غيبهارت خلال الثمانينيات، وباتريك بوكانان ورُوس بيرو في التسعينيات. غير أن أياً من هؤلاء لم يصل إلى الرئاسة، فيما ظلّ الرؤساء منذ فرانكلين روزفلت مدافعين بشكل عام عن التجارة الحرة، واحتوى الكونغرس تاريخياً معظم الضغوط الحمائية الشعبية.
كسر ترامب هذا النمط منذ ولايته الأولى، حين أعاد التفاوض على اتفاقية "نافتا" وألغى الاتفاقية التجارية الآسيوية التي تفاوض عليها باراك أوباما قبل أن تُعرَض على الكونغرس أصلاً، وفرض رسوماً على الصلب والألمنيوم والمنتجات الصينية. أما في ولايته الثانية، فقد شهدت سياسته التجارية رسوماً فُرضت ثم سُحبت ثم أُعيد فرضها، مستهدفةً كندا والاتحاد الأوروبي إلى جانب الصين، في نمطٍ من التقلّب خلق حالة عدم يقين لدى عشرات الدول الشريكة. ويرى ستانلي غرينبرغ، خبير استطلاعات الرأي الديمقراطي، أن هيلاري كلينتون وأوباما "تضررا لأنهما لم يفهما هذه المشاعر في الغرب الأوسط الصناعي"، مضيفاً أن ترامب "استغلّ ذلك للفوز في انتخابات 2016، وشكّل جزءاً أساسياً من رئاسته في الولاية الأولى، حين ارتبط اسمه بمواجهة الاتفاقيات التجارية السيئة ودفاعه عن الرسوم الجمركية"، وهو ما وصفه غرينبرغ بأنه بات اليوم "منسياً" في ظل الأعباء الاقتصادية الحالية.
من جانبه، يلخّص دوغلاس هولتز-إيكن، رئيس منتدى العمل الأمريكي، المفارقة بعبارة دالة: "الجميع تحدّث عن الأمر، لكن ترامب فعله. والناخبون يقولون: لا شكراً". ويضيف أن "السياسة كانت جيدة، لكن التبعات على السياسة الخارجية كانت سيئة"، مشيراً إلى أن "أي جمهوري لم يكن ليذهب إلى هذا الحد"، لكن ترامب "لم يكترث بالبُعد الثاني، لذا تمكّنّا من رؤية الجانب الاقتصادي بمعزلٍ عن غيره".
ماذا تقول الأرقام؟
تكشف سلسلة من استطلاعات الرأي الحديثة عن اتساع رقعة المعارضة للرسوم الجمركية عبر شرائح المجتمع الأمريكي كافة. فبحسب استطلاع مركز بيو للأبحاث في كانون الثاني/يناير، عارض 60% من الأمريكيين رفع الرسوم الجمركية، فيما بلغ عدد من أفادوا بتأثيراتٍ عائلية سلبية أكثر من ضعف عدد من أفادوا بتأثيراتٍ إيجابية. وفي نيسان/أبريل، وجد استطلاع أن عدد من أبلغوا عن أضرارٍ مالية ناجمة عن الرسوم بلغ أربعة أضعاف عدد من أبلغوا عن استفادةٍ منها على المستوى الوطني.
الأرقام على مستوى الولايات لا تقلّ دلالة: ففي ويسكونسن وأوهايو، عارض نحو 60% من المستطلَعين الرسوم الجمركية، بينما بلغت نسبة المعارضين في ميشيغان وماين نحو الثلثين أو أكثر فيما يخصّ الرسوم المفروضة على كندا تحديداً. وقد انقسم البيض غير الحاصلين على شهاداتٍ جامعية بالتساوي تقريباً حول تأييد الرسوم في استطلاع بيو الصادر في كانون الثاني/يناير، رغم أن هذه الشريحة صوّتت لترامب بنسبة الثلثين مقابل الثلث في الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة. أما في نيسان/أبريل، فقد ارتفع عدد البيض غير الحاصلين على شهادات جامعية ممن أفادوا بأضرارٍ مالية إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد من أفادوا بفوائد، فيما عارضت أغلبيات من هذه الشريحة تحديداً الرسوم على كندا في كلٍّ من ماين وميشيغان.
الانقسام يمتد إلى الخطوط العرقية والتعليمية أيضاً: فقد أفاد ثلثا الناخبين السود بأن الرسوم أضرّت بأوضاعهم المالية في استطلاعٍ وطني مقابل ثلاثة أرباع الناخبين من أصولٍ هسبانية. أما البيض الحاصلون على شهاداتٍ جامعية، فقد أفاد نحو 7 من كل 10 منهم بالضرر ذاته، فيما عارض بيض ماين الحاصلون على شهاداتٍ جامعية الرسوم على كندا بنسبةٍ تفوق 11 إلى 1. ويكشف استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية لعام 2025 عن فجوةٍ مماثلة: فقد أيّد نحو ثلثَي البيض غير الحاصلين على شهاداتٍ جامعية فرض قيودٍ على الاستيراد، بينما انقسم نظراؤهم الحاصلون على شهاداتٍ جامعية بالتساوي تقريباً، في حين مالت أغلبيةٌ طفيفة من غير البيض غير الحاصلين على شهاداتٍ جامعية نحو سياساتٍ تركّز على التكلفة، وكان غير البيض الحاصلون على شهاداتٍ جامعية الأكثر تشكّكاً في القيود على الاستيراد إجمالاً.
يفسّر ستانلي غرينبرغ هذا المزاج الشعبي بقوله إن ترامب "قرّر تنفيذ هذه الرسوم بطريقةٍ رفعت الأسعار... في وقتٍ يسود فيه غضبٌ غير مسبوق من ارتفاع تكلفة المعيشة"، مضيفاً أن هذا الملف "اندثر تماماً أمام موجة التضخم الجديدة". أما مارك غرول، الاستراتيجي الجمهوري في ويسكونسن، فيقرّ بأن الملف بات عبئاً على حزبه "لأنه يُحمَّل مسؤولية ارتفاع الأسعار التي يعيشها الناس".
من أوهايو إلى ميشيغان: المرشحون يحوّلون الغضب إلى حملات
يترجم الديمقراطيون هذا المزاج الشعبي إلى مادةٍ انتخابية دسمة في عددٍ من الولايات الصناعية والزراعية. ففي أوهايو، يخوض سيرود براون منافسةً هذا العام ضد السيناتور الجمهوري جون هوستد، وقد وصف الرسوم الجمركية بالقول: "هذه الرسوم لم تنجح بوضوح... الناس في كل مكان يدفعون أكثر مقابل كل شيء، وهذه الحزمة الجديدة من الرسوم ضد كندا تأخذ سياسةً كارثية وتجعلها كارثةً أكبر". وفي الدائرة نفسها جنوب كليفلاند، يخوض برايان بويندكستر، عامل حدادة، سباقاً لمقعدٍ في مجلس النواب بولاية أوهايو، وتَعِد إعلاناته الانتخابية بأنه سـ"يحول دون إبرام صفقاتٍ تجارية سيئة". ويوضح بويندكستر موقفه بدقة: "أعتقد أن الرسوم الجمركية يمكن أن تكون مفيدة جداً في تسوية ميدان المنافسة"، لكنه يستدرك بأنه "لا معنى لفرض رسومٍ على أشياء لا ننتجها في أمريكا"، مضيفاً أن "ما رأيناه مع الرسوم الشاملة هو أنها رفعت التكاليف على الأسر العاملة".
وفي ميشيغان، وجّهت النائبة الديمقراطية كريستن ماكدونالد ريفيت انتقاداتٍ حادة، واصفةً سياسة الرسوم بأنها "نظام رسوم جمركية فوضوي" و"متهوّر"، وربطت بين هذه الفوضى وإغلاق مصنعٍ لأشباه الموصلات قرب فلينت، قائلة: "هذه الفوضى هي ما يدفع الشركات إلى الإغلاق". كما وجّه كلٌّ من جوسلين بنسون وعبد الفتاح السيد، المرشحَين الديمقراطيَّين في الولاية، انتقاداتٍ لخصومهما الجمهوريين الداعمين للرسوم.
الظاهرة لا تقتصر على الولايات الصناعية؛ ففي الولايات الزراعية، حيث ترفع الرسوم الجمركية تاريخياً شبح الانتقام التجاري ضد الصادرات الزراعية، عبّر كلٌّ من جوش توريك مرشح الديمقراطيين في آيوا، وآدم هاملتون مرشح الديمقراطيين في كانساس، ودان أوسبورن المرشح المستقل في نبراسكا، عن معارضتهم للرسوم الجمركية.
أما في ماين، فقد شكّلت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز استثناءً لافتاً داخل حزبها، إذ وجّهت انتقاداتٍ حذرة للرسوم المفروضة على كندا، في وقتٍ التزم فيه معظم أعضاء مجلسَي النواب والشيوخ الجمهوريين بتأييد سياسات ترامب التجارية عبر تصويتاتٍ متكررة داعمة.
الجمهوريون بين الدفاع الرسمي والحرج الشعبي
في مواجهة هذا الزخم المعارض، يواصل بعض الجمهوريين الدفاع عن الرسوم بلا تحفّظ. فقد قال روجر مارشال، السيناتور الجمهوري عن كانساس، خلال مناظرةٍ مع آدم هاملتون هذا الشهر، وسط استهجانٍ من الحضور: "انظروا، هذه الرسوم تنجح". ويستند أنصار هذا الطرح إلى بياناتٍ يقدّمها ألان تونلسون، المحلّل المتخصّص في السياسات التجارية الصناعية والمؤيّد لفرض قيودٍ على الاستيراد، الذي يرى أن "الإنتاج الصناعي الإجمالي ارتفع خلال الولاية الثانية لترامب"، ويصف المشهد السياسي بأنه "استعراضٌ مقلق إلى حدٍّ غير ضروري"، مضيفاً من زاوية اقتصادية بحتة أن الأمور "سارت بشكلٍ جيد جداً".
غير أن الأرقام الفعلية تروي قصةً أكثر تعقيداً؛ فالإنتاج الصناعي لا يزال دون المستويات التي بلغها خلال الولاية الأولى لترامب وولاية أوباما الثانية، فيما يبلغ إجمالي العمالة في قطاع التصنيع حالياً 12.638 مليون عامل، مقارنةً بـ12.673 مليون عندما عاد ترامب إلى منصبه، أي أن العمالة الصناعية لا تزال أعلى بقليلٍ فقط من مستواها عند توليه الرئاسة عام 2017، ولا تمثّل سوى نحو 7.5% من إجمالي القوى العاملة. ويقرّ محللون بأن الرسوم الجمركية قد تُسهم في نهاية المطاف بخلق بضع مئات الآلاف من الوظائف الصناعية، لكن هذا المكسب المؤجّل تطغى عليه، في المدى القريب، أعباء ارتفاع الأسعار التي يتحمّلها المستهلكون فوراً.
وتلخّص إيفا كيمب، مديرة الإعلام المدفوع والشراكات في منظمة "أميركان بريدج" المقرّبة من الديمقراطيين، حالة التآكل في الدعم بقولها: "حتى من كانوا يقولون في البداية إنهم يريدون منحه فرصة الشك، باتوا يقولون إن الأمر ببساطة لا يُجدي". أما ويليام غالستون، الباحث الأول في معهد بروكينغز والمحلّل السياسي الديمقراطي، فيضع الإشكالية في سياقها الأوسع بقوله: "حتى لو كان الأمر صائباً تماماً، من الصعب جداً إقناع الناس الذين يتفاعلون مع الكلفة المباشرة والفورية".
يبدو أن ترامب، الذي حوّل الرسوم الجمركية إلى ركيزةٍ في هويته السياسية منذ عام 2016، يواجه اليوم انعكاساً لتلك الاستراتيجية ذاتها بين الفئة التي أوصلته إلى السلطة. ومع اقتراب موعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، يراهن الديمقراطيون على استبدال ما وصفه غالستون بـ"المطرقة" التي استخدمها ترامب بـ"مبضعٍ" أكثر دقة في التعامل مع الملف التجاري، فيما يبقى السؤال المفتوح هو إلى أي مدى سيتحمّل الناخبون الجمهوريون التقليديون، وخصوصاً في الولايات الصناعية والزراعية، كلفة سياسةٍ لا يزال مؤيّدوها يصفونها بالنجاح بينما يشعر كثيرون منهم بعكس ذلك في فواتيرهم الشهرية.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
