خَبَرَيْن logo

ترامب ومصانع المخدرات النووية بين الحقيقة والخيال

ترامب يصف المنشآت النووية الإيرانية بمصانع مخدرات في تصريح أثار جدلاً واسعاً وخبراء نوويين ينفون صحة هذا الوصف ويكشفون تداخل ملف المخدرات مع النووي في حديثه دون توضيح رسمي من البيت الأبيض خَبَرَيْن

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث في تجمع انتخابي بأوكلاهوما، مع تصريحه المثير للجدل حول المنشآت النووية الإيرانية ووصفها بـ«مصانع مخدرات».
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلقي كلمة خلال تجمع انتخابي في مركز تشوكتاو للأحداث بمدينة دوران، أوكلاهوما، في الأول من أكتوبر. تصوير كينت نيشيورا/وكالة فرانس برس/صور غيتي

«مصانع مخدّرات»... هكذا وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنشآت النووية الإيرانية التي استهدفتها القوات الأمريكية العام الماضي، في تصريحٍ خلال تجمّعٍ انتخابي في ولاية أوكلاهوما مساء الخميس أثار حيرة المتخصّصين في الشأن النووي الإيراني أكثر ممّا قدّم تفسيراً لما جرى على الأرض في منشأة فوردو التي لا تضمّ، بحسب الخبراء، أي مفاعلٍ من الأساس.

التصريح لم يَمرّ دون تدقيق. فجيمس أكتون، المدير المشارك لبرنامج السياسة النووية في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي، علّق على كلام ترامب بالقول: "يا للعجب... هذا أمرٌ جديدٌ عليّ"، مضيفاً في رسالةٍ إلكترونية: "على حدّ علمي، لم تكن منشأة فوردو، التي يتحدّث ترامب عن تدميرها، تُستخدَم لإنتاج المخدّرات، كما أنّني لم أسمع من قبل بأيّ ادّعاءٍ، موثوقٍ أو غير موثوق، بأنّها كذلك".

ماذا قال ترامب بالضبط؟

في خضمّ حديثه عن الضربات التي نفّذتها القاذفات الشبحية الأمريكية ضمن ما عُرف بـ"عملية مطرقة منتصف الليل" (Operation Midnight Hammer) في يونيو 2025، استعاد ترامب تفاصيل اللحظة التي استهدفت فيها بعض الطائرات فتحات التهوية في منشأة فوردو. وصف المشهد بلغةٍ درامية: "وفي الساعة الواحدة فجراً، دون قمر، في عتمةٍ تامّة، قامت هذه الآلات المذهلة بقيادة أمهر الطيّارين في العالم بإلقاء حمولتها؛ كلّ قنبلةٍ انزلقت مباشرةً عبر فتحات الهواء إلى، آه، مصانع المخدّرات هذه. هذا ما كانوا يفعلونه كانوا نوويّين ويتعاطون المخدّرات في آن. كانوا يصنعون المخدّرات و يصنعون أيضاً النووي. لكن مصانع المخدّرات-النووية هذه ضُربت بقوّة".

العبارة لم تكن عابرة، إذ لم يكتفِ ترامب بذكرها مرّةً واحدة، بل أضاف ثلاثة أسطرٍ أخرى أكّد فيها ادّعاءه بدل تصحيحه.

من الكاريبي إلى فوردو: كيف تداخل الملفّان؟

يكشف تسلسل الحدث عن احتمالٍ لافت: فقبل أن يتطرّق ترامب إلى الملفّ الإيراني، كان قد تحدّث بإسهابٍ عن تهريب المخدّرات في منطقة الكاريبي، وعن العملية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي آنذاك نيكولاس مادورو. ويرجّح التقرير أنّ هذا الانتقال المفاجئ من موضوع المخدّرات في الكاريبي إلى الحديث عن الضربات النووية في إيران هو ما أدّى إلى تداخل الملفّين في تصريحه.

يُضاف إلى ذلك سياقٌ لوجستي غير مألوف: فقد انتقل ترامب من البيت الأبيض إلى فعاليةٍ في تكساس، ثمّ اضطرّ، بسبب سوء الأحوال الجوية، إلى التوجّه برّاً إلى أوكلاهوما بدلاً من الطيران، ما أخّر وصوله نحو ساعتين عن الموعد المقرّر للتجمّع.

الفارق العلمي الذي غاب عن التصريح

يوضح أكتون أنّ هناك ما يُسمّى "النظائر المشعّة الدوائية" (Radiopharmaceuticals)، وهي أدويةٌ مشروعة تُستخدَم في تشخيص وعلاج بعض الحالات الطبية، وأنّ إيران أشارت أحياناً إلى أنّ هذه المستحضرات "تُنتَج في المفاعلات النووية". غير أنّه يستدرك بأنّ هذا التفسير، حتى لو افتُرض أنّه المقصود، لا يُنقذ تصريح ترامب من عدم الدقّة: "وهكذا، حتى في ظلّ هذا التفسير (المتساهل)، يظلّ تصريح ترامب غير دقيق"، على حدّ تعبيره، موضحاً أنّ منشأة فوردو هي "مركز تخصيبٍ لا يضمّ أيّ مفاعل" أصلاً. ويشير التقرير إلى أنّ وصف المنشآت النووية الإيرانية بـ"مصانع مخدّرات" دون توضيح الفارق بين هذا الوصف وحقيقة الأدوية النووية المشروعة يبقى وصفاً مضلّلاً.

لماذا لا يصحّح ترامب نفسه؟

حين سئل البيت الأبيض يوم الجمعة عن تفسيرٍ لتصريحات ترامب، لم يُقدَّم أيّ توضيح؛ إذ اكتفى أحد مساعديه بالقول: "ارجعوا إلى تصريحات الرئيس"، في نمطٍ متكرّرٍ من الردود الرسمية التي كثيراً ما تلجأ إلى عبارة "الرئيس ترامب على حقّ" كلّما أُثيرت تساؤلاتٌ حول دقّة تصريحاته. وقد سبق لترامب نفسه أن قال في مناسبةٍ سابقة إنّه "على حقّ في كلّ شيء".

هذا النمط ليس جديداً، بحسب ما يُظهره التقرير؛ ففي خطابٍ له عام 2018، أثنى ترامب على أحد عناصر الشرطة الفيدرالية، لكنّه لم يوضّح لاحقاً ما إذا كان الاسم المستعار لذلك العنصر هو "سي جي" (CJ) أو "دي جي" (DJ)، في مثالٍ يُستشهَد به على ميل ترامب إلى التعامل مع الأخطاء اللفظية وكأنّها مقصودة، بدل تصحيحها.

تبقى حادثة "مصانع المخدّرات" إضافةً إلى سجلّ ترامب الطويل من التصريحات التي لا تُصحَّح، لكنّها تطرح أيضاً سؤالاً أعمق يتجاوز زلّة اللسان: إلى أيّ حدٍّ يمكن التعويل على الخطاب الرسمي الأمريكي في وصف ملفٍّ بالغ الحساسية كالبرنامج النووي الإيراني، في وقتٍ لا تزال فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرّية تتابع تداعيات الضربة على منشآت فوردو وغيرها؟ الإجابة، كما يبدو من رفض البيت الأبيض تقديم أيّ توضيحٍ إضافي، لن تأتي قريباً.

أخبار ذات صلة

Loading...
أشخاص يسبحون في مياه مضيق هرمز مع سفن شحن كبيرة في الخلفية، في ظل توترات الحرب وتأثيرها على أسعار الوقود.

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ارتفاع أسعار الوقود في أيووا وأوهايو يعكس تأثير الحرب في الشرق الأوسط على حياة الأمريكيين. تعرف كيف تؤثر هذه الأزمة على الانتخابات النصفية وفرص الجمهوريين. اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
سفينة شحن تحمل اسم EL GAIA في مضيق هرمز تتصاعد منها أدخنة كثيفة بعد تعرضها لهجوم، في سياق التوترات بين إيران والولايات المتحدة.

تخضع المواقع الأمريكية لاستهداف إيراني أكثر فعالية بفضل معلومات استخباراتية تقدمها مجموعات صينية، وفقاً لمصادر.

تكشف تقارير استخباراتية عن دعم صيني غير معلن لإيران عبر بيانات الأقمار الصناعية، مما رفع دقة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز. اكتشف التفاصيل وتأثير هذا الدعم على الصراع واشنطن-طهران الآن!
Loading...
دبابة حوثية متحركة في الصحراء خلال تقدم الحوثيين نحو مضيق باب المندب في البحر الأحمر وسط تصاعد التوترات الإقليمية.

تصعيد الحوثيين يعمّق الأزمة و واشنطن تتحفّظ على التدخّل

تتصاعد التوترات في البحر الأحمر مع سيطرة الحوثيين المدعومين إيرانياً على جزيرة استراتيجية، مما يهدد مضيق باب المندب وأمن الطاقة العالمي. اكتشف المزيد عن تداعيات هذا الصراع المعقد الآن.
Loading...
مقاتلة أمريكية تقلع ليلاً من حاملة طائرات في ظل توترات الحرب مع إيران وتأثيرها على الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

نقص الصواريخ وأضرار المنشآت الأمريكية: مراقب الدفاع ينشر أول تقييم لحرب إيران

تكشف ضربات إيران خلال 2026 عن خسائر جسيمة في القواعد والسفارات الأمريكية بالشرق الأوسط، مما يعيد تشكيل الوجود العسكري والدبلوماسي. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على مستقبل المنطقة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية