ترامب يشن حرب اقتصادية حاسمة على إيران
ترامب يطلق حملة ضغط اقتصادي غير مسبوقة على إيران تستهدف حلفاءها التجاريين مثل الإمارات والصين وروسيا وسط تحديات دبلوماسية معقدة. هل تنجح واشنطن في كسر تحالفات طهران الاقتصادية؟ تابع التفاصيل في خَبَرَيْن.

ثمّة مصطلحٌ يُحبّ ترامب توظيفه في المواجهات الكبرى: "اليوم الاقتصادي الحاسم". استخدمه هذه المرة في مواجهة إيران، مُعلناً أنّ حملته ستكون "أشدّ عملية اقتصادية سحقاً في التاريخ ضدّ أيّ دولة". والسؤال الذي ينبغي طرحه قبل أن نُسلّم بهذا الوصف: هل يملك ترامب فعلاً الأدوات الكافية لتحقيق ما يعد به؟
جاء التهديد في تدوينةٍ نشرها الرئيس الأمريكي على منصّة Truth Social يوم الثلاثاء، أعلن فيها أنّ بلاده ستفرض "تبعاتٍ اقتصادية هائلة" على كلّ دولةٍ تُقدّم "شريان حياة" لإيران، سواءٌ عبر تهريب النفط، أو خطوط المقايضة، أو التحويلات النقدية، أو شركات الواجهة. وكتب ترامب بحروفٍ كبيرة: "يجب أن يتوقّف هذا كلّه الآن". جاء ذلك في سياق صراعٍ مكلف بين واشنطن وطهران امتدّ ستة أشهر، وهو امتدادٌ لسياسة الضغط الاقتصادي التي انتهجها ترامب منذ بداية ولايته الثانية.
في اليوم ذاته، أعلنت الإمارات العربية المتحدة التي طالما اعتمدت عليها إيران بوّابةً للواردات والأسواق التجارية فرضَ حظرٍ تجاري غير محدود المدة على طهران، متّهِمةً إيران بإطلاق صاروخَين باليستيَّين على أراضيها. ويرى نادر حبيبي، أستاذ اقتصادات الشرق الأوسط في جامعة Brandeis، أنّ الولايات المتحدة "شجّعت أو حثّت بقوّة" الإمارات على اتخاذ هذا القرار، وأنّ واشنطن قد تسعى لاحقاً إلى الضغط على شركاء إيران التجاريين الآخرين، وفي مقدّمتهم الصين.
الصين: الشريك الأكبر والعقبة الأصعب
هنا تبدأ المعادلة تتعقّد. الصين تستورد 80 بالمئة من النفط الإيراني المُشحون وفق بيانات شركة التحليلات Kpler لعام 2025، وهي نسبةٌ تجعلها العمود الفقري للاقتصاد الإيراني. غير أنّ معظم مصافي النفط الصينية المستوردة لهذا النفط مصافٍ مستقلة، تعمل بعيداً عن النظام المالي الأمريكي، ممّا يجعل ملاحقتها أمراً عسيراً من الناحية التقنية.
يُضاف إلى ذلك بُعدٌ دبلوماسي بالغ الحساسية: واشنطن تسعى إلى تهدئة العلاقة مع بكين تمهيداً لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى واشنطن الشهر المقبل. وقد ردّ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان على حملة الضغط الأمريكية بقوله إنّ المزيد من العقوبات "لن يُسهم في حلّ المشكلة"، مضيفاً أنّ "الصين تدعو الأطراف المعنية إلى اتخاذ تدابير مسؤولة وحلّ القضايا بالوسائل الدبلوماسية والسياسية".
يو جيه، الباحثة الأولى في برنامج الصين وآسيا والمحيط الهادئ بمركز أبحاث Chatham House، أوضحت أنّ تهديد ترامب باستهداف الحلفاء الاقتصاديين لإيران "لن يُغيّر تورّط الصين وعلاقتها التجارية القائمة مع إيران"، مشيرةً إلى أنّ ترامب يسعى إلى استقرار العلاقة مع بكين في وقتٍ تسعى فيه الصين بدورها إلى "هدنةٍ مؤقتة" مع واشنطن.
بول ماسغريف، الأستاذ المشارك في الحوكمة بجامعة Georgetown في قطر، أبدى شكوكاً صريحة في قدرة ترامب على تنفيذ حملة الضغط هذه بفاعلية، قائلاً : "ترامب يحاول أن يفرض بصورةٍ أحادية نوعَ العقوبات المنسّقة التي اقتضت تاريخياً تنسيقاً متعدّد الأطراف، وهذا يعني إقناع الصين وروسيا والأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن". وأضاف أنّ العقوبات الثانوية "العدوانية" ستكون ذات ثقلٍ هائل، لكنّ ترامب لن يريد على الأرجح المجازفة بالعلاقة الاقتصادية الأمريكية الصينية في ظلّ "حربٍ باردة اقتصادية" قائمة بين البلدين.
روسيا: شراكةٌ خارج النظام الغربي
تختلف معادلة روسيا عن الصين اختلافاً جوهرياً. موسكو وطهران تربطهما سنواتٌ من بناء علاقاتٍ تجارية وعسكرية مُصمَّمة أصلاً للتحايل على العقوبات الغربية. في يناير 2025، وقّعت الدولتان معاهدة شراكة لمدة 20 عاماً، رفعت حجم تبادلهما التجاري إلى 4.8 مليار دولار في الأشهر الإحدى عشرة الأولى من العام ذاته، وفق وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف.
والأخطر من ذلك أنّ روسيا وإيران تبادلتا وفق تقارير أسلحةً ومعدّاتٍ عسكرية عبر بحر قزوين. وقد نقل يوم الاثنين عن وثيقةٍ حكومية أوروبية أنّ روسيا أرسلت إلى إيران "مكوّنات طائرات مسيّرة وذخائر ومتفجّرات TNT" عبر البحر. والحقيقة أنّ روسيا خاضعةٌ أصلاً لعقوباتٍ أمريكية مشددة، وتعمل إلى حدٍّ بعيد خارج الإطار الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة وهو ما يجعل التهديد بعقوباتٍ إضافية أقلّ وطأةً مما قد يبدو.
طهران ترفع سقف الرهان
في مواجهة هذا الضغط، لجأت إيران إلى خطابٍ حادّ ومساعٍ مؤسسية متوازية. وزير خارجيتها عباس عراقجي وصف الحملة الأمريكية بـ"الإرهاب الاقتصادي" الذي "يُهدّد الاقتصاد العالمي والسيادة في كلّ مكان"، معتبراً إيّاها امتداداً لـ"السياسات الفاشلة" لواشنطن التي ستُفضي إلى "مزيدٍ من الهزيمة".
على الصعيد المؤسسي، كشف محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همّتي الأسبوع الماضي أنّ إيران تعتزم الانضمام إلى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة BRICS، وهو ما سيفتح أمامها أبواباً تمويلية خارج الأسواق الغربية. وأشار إلى أنّ طهران تسعى إلى تعاونٍ نقدي ثنائي وثلاثي مع الدول الأعضاء في BRICS، مع إمكانية إجراء المعاملات بعملاتٍ وطنية بعيداً عن الدولار. وقد أحجم بنك التنمية الجديد حتى الآن عن التعليق على طلب العضوية الإيراني الذي يستلزم مساراً رسمياً للانضمام.
علي أكبر دارايني، المحلّل في مركز الدراسات الاستراتيجية في طهران، أبدى قناعةً بأنّ إيران ستجد طريقها للمضيّ قدماً رغم العقوبات "الخانقة"، قائلاً : "ترامب محاصَرٌ في حربٍ لا يستطيع الفوز بها ولا الخروج منها".
ما الذي ينبغي إعادة النظر فيه؟
الصورة المعتادة تُقدّم العقوبات الأمريكية باعتبارها أداةً شبه حتمية الفاعلية متى أُعلن عنها. لكنّ هذه الحالة تكشف حدوداً بنيوية حقيقية: حين يكون الخصم الرئيسي دولةً كالصين تملك مصالح اقتصادية مستقلة وقدرةً على الردّ، وحين تكون روسيا خارج المنظومة الغربية أصلاً، فإنّ العقوبات الأحادية تتحوّل من أداة ضغطٍ إلى إعلانٍ سياسي يفتقر إلى آليات التنفيذ الكافية.
ولعلّ أخطر ما في المشهد الراهن هو الخلط بين الرغبة والتوقّع — وهو الخلط الذي يُنتج سياساتٍ مبنية على تشخيصٍ خاطئ لموازين القوى الفعلية.
أخبار ذات صلة

هجوم على مطار سعودي يوقع قتلى وحوثيون يحذرون من صراع مستمر

ترامب يضيّق الخناق على إيران... والنظام يرفض الاستسلام

التحالف السعودي يتعهد بدعم العملية العسكرية اليمنية ضد الحوثيين
